English

 الكاتب:

عبدالله جناحي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الرأسمالية المخادعة والرؤية الاقتصادية للبحرين 2030م
القسم : اقتصادي

| |
عبدالله جناحي 2008-11-07 14:52:32


الليبرالية الاقتصادية الأميركية التي تقاد من قبل المحافظين الجدد تمارس سياسات متناقضة وبيرغماتية غبية لدرجة أن حلفاءها الأوروبيين المؤمنين بالرأسمالية الاقتصادية المبنية على أسس موضوعية بدأوا يتضايقون على اللامبالاة واللامسؤولية التي تتعامل معها الإدارة الأميركية مع الأسواق الاقتصادية.
فها هي المستشارة الألمانية (أنغيلا مركل) وجهت أشد الانتقادات للإدارة الأميركية ورفضت دعوتها بتقديم برنامج مالي لدعم السوق المالية في ألمانيا أسوة بما فعلتها الإدارة الأميركية مع المصارف حيث أقرت تنفيذ برنامج إنقاذ يتضمن (700) بليون دولار لإنقاذ المؤسسات المالية الأميركية المفلسة، وقد اضطرت للتراجع عن موقفها أمام وصول الأزمة للمصارف الألمانية حيث تدخلت الحكومة الألمانية في دعم القطاع المصرفي.
غضب الحكومة الألمانية وانتقادها للإدارة الأميركية يأتي من خلفية اقتصادية، حيث تقدمت ألمانيا في “قمة الثماني” عام 2007م باقتراحات لمعالجة الأزمة الدولية. واتهمت أميركا بأنها انتكست الاتفاقيات ولم تنفذ ما تم الاتفاق عليها من اقتراحات، وفي هجومها على الحكومة الأميركية كشفت المستشارة الألمانية بأن “العناد الأميركي وقطع الطريق أمام الخطوات الناجعة مسؤولان عن الأزمة المالية الراهنة” كما كشفت بأن الاتفاق كان “يقضي بتنفيذ سلسلة من الخطوات الوقائية وأن ألمانيا قد قامت بذلك ولكن الأمريكان تراجعوا”، واعتبرت هذه الطريقة من التعامل غير مقبولة على الصعيد الدولي.
الحكومة الأميركية وإدارتها الاقتصادية تتعامل مع الساحة الدولية بازدواجية فاضحة وعلى أكثر من صعيد منها:
أولاً: تريد من الحكومات الغربية الرأسمالية أن تقلد برامجها وسياساتها الاقتصادية النيوليبرالية المتوحشة ولكن لا تريد الالتزام باتفاقيات مشتركة تحمي المصالح الوطنية لكل دولة وهي تدخل في العولمة الاقتصادية.
ثانياً: تضغط على الدول النامية والفقيرة بأن تلتزم بالسياسة الاقتصادية الحرة وابتعاد الدولة عن الاقتصاد وعدم دعم الصناعات الوطنية والمزيد من التخصيص وتحرير الأسواق وغيرها من برامج “إجماع واشنطن” ولكنها في أسواقها وعند اندلاع الأزمات الاقتصادية تنسى كل هذه المبادئ وتتدخل وبقوة وبضخ مئات المليارات من الدولارات لإنقاذ المصارف والشركات الخاصة من الإفلاس.
ثالثاً: تضغط على دول العالم بتطبيق الشفافية في أسواق المال ولكنها ترفض أن تلتزم بذلك في أسواقها، وها هي المستشارة الألمانية تلمح بأن واشنطن ولندن “منعتا لفترة طويلة فرض الشفافية على الأسواق المالية بحجة عدم ضرورتها”.
الرؤية الاقتصادية المطلوبة بحرينياً لابد أن تنطلق من دراسة هذه التجارب العالمية الفاشلة منها والناجحة، وتتضح أن سياسة اقتصاد حر ودون تدخل الدولة وسياسة التخصيص لقطاعات حيوية هي سياسات بدأت تصيب كثرة من الاقتصاديات بهزات وتراجعات وأزمات.
هذه الرؤية لابد أن تنطلق من دراسة عميقة للتاريخ الاقتصادي لشعوب العالم وبالأخص التاريخ الاقتصادي للدول الرأسمالية المتقدمة، ففي دراسة غير منشورة للدكتور احمد اليوشع بعنوان “دور الدولة في الاقتصاد الحديث” يشير على سبيل المثال بالنجاحات للسياسات الاقتصادية البريطانية منذ الملك ادوارد الثالث (1327 ـ 1377م) بأن على بريطانيا أن تلحق بالمناطق الأكثر تقدماً في القارة الأوروبية وبالتحديد أقاليم بلجيكا، وتدخلت الدولة بقوة واستمرت هذه السياسة في العصور اللاحقة وتم تحفيز الصناعة الوطنية وحمايتها، بل بلغ تدخلها لدرجة توظيف سياساتها الخارجية لتتسق ومصالحها الوطنية، واستمرت هذه السياسة التدخلية للدولة إلا أن تمكنت من إنجاح سياسة (إحلال الواردات) والذي تحقق بعد مئة عام، أي في حكم الملكة إليزابيث الأولى عام 1587م.
وخلال المرحلة المركنتالية (التجارية) تدخلت الدولة تدخلاً مباشراً في الاقتصاد لتعطي للصناعات البريطانية الثقة في ذاتها وفي مقدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية.
وعندما وصل الاقتصاد إلى مرحلة القدرة في المنافسة والاعتماد على الذات بدأت الدولة تتراجع عن تدخلاتها المباشرة.
أما على صعيد الولايات المتحدة الأميركية فإن الاقتصاد الأميركي وحتى الحرب العالمية الثانية كان من أكثر الاقتصاديات الصناعية حماية، فمن هذه الدولة ولدت فكرة (الصناعات الناشئة)، وفكرة سياسة تجارية خارجية لحماية الصناعات الوطنية من منافسة الصناعات الأجنبية.
لقد كانت الرؤية الاقتصادية واضحة لصناع القرار السياسي، ففي عام 1791م قدم للكونغرس مقترحاً نص على أن قيام اقتصاد صناعي لا يمكن تحقيقه وصعب المنال في ظل وجود تجارة خارجية غير مقيدة (التجارة الحرة) ومن أجل منافسة عادلة بين الصناعات الأميركية وصناعات الدول الأخرى (بالأخص البريطانية آنذاك) طرح مقترح دعم حماية الصناعات الوطنية بديلاً عن سياسة فرض قيود على الصناعات الأجنبية المنافسة للمحلية وعليه صدرت قوانين الحماية ورفع الرسوم على السلع الأجنبية المستوردة.
إن أهم الإجراءات التي كانت تتخذها الحكومة الأميركية عند تعديل سياساتها الاقتصادية هي تبديل الطاقم المسؤول عن متابعة هذه السياسات، حيث لا نجاح لسياسات تقودها عقول غير مؤمنة بها ولا مستوعبة لفلسفتها وأهدافها، فالرئيس إبراهام لنكولن الذي كان من مؤيدي الصناعات الوطنية قام بتعيين أحد أبرز الاقتصاديين المؤيدين للحماية مستشاراً اقتصادياً له وهو (هنري كاري) وكذلك عين خبيرا اقتصاديا يشاركه ذات الأفكار مسؤولا عن الرسوم الجمركية.
بل وصل الأمر لدى الرئيس الأميركي (توماس جيفرسون) بأن منع طباعة كتاب “أسس الاقتصاد السياسي والضريبة” للاقتصادي البريطاني الكبير ومؤسس الفكر الاقتصادي الليبرالي (ديفيد ريكاردو) وذلك حسب دراسة اليوشع، وذلك بهدف تعزيز وسيادة ثقافة الحماية وتدخل الدولة في الاقتصاد الأميركي.
وبعد مرور حوالي مائة عام وبعد أن تمكنت من بناء قاعدة صناعية متطورة وقادرة على المنافسة قامت الحكومة الأميركية وبالتدريج في تقليص حماية صناعتها، وبدأت في ممارسة الضغط لتحرير التجارة العالمية بين دول العالم وذلك بعد الحرب الكونية الثانية.
إن السياسات الاقتصادية لهذه الدول الصناعية مرتبطة أشد الارتباط بمصالحها الوطنية والمطلوب من معدي الرؤية الاقتصادية البحرينية الاستفادة من هذه التجارب وعدم الانبهار والتأثر بنظريات الاقتصاد الرأسمالي المتوحش التي أثبتت فشلها في شرق آسيا وأميركا اللاتينية وإعادة النظر بجدية لسياسات التخصيص في بعض القطاعات الحساسة كالتعليم والصحة والكهرباء وأهمية أن تأخذ الدولة دورا قياديا في الاقتصاد في ظل قطاع خاص طفيلي ومعتمد اشد الاعتماد على ثروة الريع النفطي

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro