English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

المصالحة المبتورة
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2008-10-28 23:19:47



  هذا أول مقال من مجموعة مقالات سأتعرض فيها إلى بعض ما نوقش في الندوة التي نظمها نادي العروبة «حول أولويات المرحلة الراهنة» في بداية مايو/ أيار .2001 لا أهدف من ذلك إلى استدرار الدموع على لبن مسكوب، بل إلى تحفيز ثقافة المراجعة النقدية بين المعنيين من قادة جمعياتنا الوطنية. فمن يتابع البيانات الأخيرة الصادرة عن هذه الجمعيات لا تفوته ملاحظة مقدار التراجع الذي أصاب الخطاب السياسي في البلاد. في مقابل هذا التراجع الراهن نحتاج إلى العودة إلى خطاب الحركة الوطنية والديمقراطية غداة التصويت على ميثاق العمل الوطني قبل سبع سنوات. أي قبل أن نفيق من أحلام الكرى، كما قالت أم كلثوم، لنجد الدنيا كما نعرفها ونرى الأحباب كلٌ في طريق.
معلومٌ أن تلك الندوة غير الاعتيادية التي لم تشهد البحرين مثلها حتى الآن ما كانت لتنعقد وتنجح لولا القيمة الرمزية التي يمثلها نادي العروبة في تاريخنا الوطني ولولا ما يحظى به رئيس الندوة المرحوم جاسم محمد فخرو من احترام بين أقرانه. ورغم علمي أن الظروف السائدة الآن هي غير ما كانت عليه في ,2001 إلا أنني أتمنى على إدارة نادي العروبة أن تجد مناسبة مواتية لتنظيم ندوة متابعة للإجابة على السؤال: ماذا تحقق من «أولويات المرحلة الراهنة» التي نوقشت قبل سبع سنوات؟
افتتح الرئيس الندوة بمداخلة قسّم فيها فترة ما بعد الاستقلال إلى ثلاث مراحل؛ الأولى بدأت بصدور الدستور ثم شهدت انتخابات أول مجلس تشريعي في البلاد في 1973 ثم حله بعد أقل من سنتين. والثانية وهي الأطول بدأت بحل المجلس الوطني وتعطيل بعض مواد الدستور وصدور قانون أمن الدولة. أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة الميثاق الوطني والتي تلازم معها إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعودة جميع المبعدين وإلغاء قانون أمن الدولة. وأضاف جاسم فخرو أن هذه المرحلة تميزت عن سابقتَيها بأمرَين أولهما ارتفاع سقف حرية التعبير على صفحات الصحف وفي الندوات العامة، وثانيهما هو انفتاح وشفافية أكبر من جانب الدولة.
عكست الكلمة الافتتاحية التي ألقاها المرحوم جاسم فخرو تفاؤل أغلب الحاضرين واقتناعهم بأن أجمل الأيام مقبلة بلا ريب رغم ما مر بالبلاد وأهلها من مآسٍ طيلة العقود التي سبقت التصويت على الميثاق. فلقد كان الناس والنخب السياسية على استعداد لتصديق كل الوعود حتى ولو بدا بعضها غير قابل للتصديق. وقيل إن ما نحتاجه هو مزيد من الوقت ربما سنتين أو ثلاث، حتى 2004 بحسب رأي المرحوم جاسم فخرو، بحيث تلتقط البلاد أنفاسها وتنطلق المسيرة نحو أجمل الأيام الموعودة. ولهذا لم يكن غريباً أن يطلب الرئيس من المنتدين التركيز على الأولويات وليس على مجمل الأهداف التي يريدون الوصول بالبلاد إليها. وهذا ما حصل بالفعل بالنسبة إلى أغلب المشاركين.
أول المتكلمين بعد رئيس الجلسة كان علي فخرو الذي تضمنت مداخلته المهمة سؤالاً عن كيفية تعامل الدولة مع المجتمع. فحسب رأيه هناك ثلاثة مستويات لذلك التعامل؛ أولها كيف تتعامل الدولة مع حساسية المجتمع المفرطة والشديدة حسب تعبيره تجاه بعض المسؤولين في الدولة إما بسبب عدم الكفاءة أو الفساد؟ وثانيها أن تتوسع الدولة في البحث عن أصحاب القدرات والكفاءات حتى تستطيع التعامل مع مهمات المرحلة الراهنة. أما المستوى الثالث الذي سأتوقف عنده فيتعلق بملاحظة عن أن السلطة تصالحت مع الناس قانونياً، ولكنها لم تهتم بمصالحتهم سياسياً. أي أنها حصرت المصالحة في الإطار القانوني وأهملت الجوانب الأخرى. فلقد تمت المصالحة القانونية فعلاً حين ألغت السلطة قانون أمن الدولة وحين سُمح للمنفيين بالعودة وأُطلقَ سراح المعتقلين. إلا أن تلك المصالحة القانونية لم تُستكمل بإجراءات إضافية تضمن جبر الضرر وتقنن أشكال محاسبة المسؤولين ودرجاتها عن بعض أسوأ ما خبرناه في تلك الفترة من انتهاكات لحقوق الإنسان.
تكتسب ملاحظات علي فخرو عن قصور المصالحة القانونية أهميتها بما تعنيه من جهة وبسبب قائلها أيضاً. فلا يمكن اتهامه بأنه معادٍ للنظام وقد خدمه طيلة أربعة عقود وفي مختلف المواقع. ولعل هذا ما شجع آخرين على الإمساك بذلك الخيط في تلك الجلسة وبعدها.
بطبيعة الحال لم يطالب حتى أكثر المعارضين تشدداً بأن تُشكل المحاكم لمقاضاة أشخاص معينين. فالدولة هي المسؤولة عما يفعله كبار المسؤولين في خدمتها. ولم يكن أحدٌ يطالب بأن تُفتح خزائن الدولة لدفع التعويضات المالية إلى كل ضحايا الفترة التي أطلقت فيها أيدي أيان هندرسون. فمن قال إن المال وحده يجبر الضرر؟ فليس ثمة مال يعيد إلى الحياة من مات تحت التعذيب أو يعيد سنوات عمر وأحلام ضاعت في الزنازين أو في المنافي. ولأن الناس بمن فيهم الضحايا ليسوا طلاب ثأر فسيكتفي أغلبهم بالجهود الرمزية التي ستقوم بها أجهزة الدولة المعنية. بما في ذلك اعتذارها عن أخطاء وتجاوزات، علاوة على تعاونها في توثيق تلك التجاوزات والانتهاكات.
لقد أراد المسؤولون أن تكون المصالحة القانونية نهاية لتاريخ وبداية لتاريخ جديد. ولكنها لم تكن في أعين أغلب ضحايا حقبة أمن الدولة سوى استمرار لتاريخ كريه. فلا يمكن أن يطالبك أحدٌ أن تنسى عقوداً من القهر لمجرد أن قيل لك «عفا الله عما سلف وسنسمح لك الآن أن تخرج من زنزانتك أو أن تعود من منفاك». فبقيت الغصة في صدور من انتظروا أن تُقلب الصفحة بأن يصدر اعترافٌ من الدولة بمسؤوليتها عما فعلت أجهزتها الأمنية بالناس. ولهذا لم يكن ممكناً أن تؤسس تلك المصالحة المبتورة لمصالحة تدوم. ولهذا أيضاً لم يمهد اقتصار المصالحة على الجانب القانوني لمصالحة أوسع تُمهّد لإعادة إرساء أسس الثقة المتبادلة في المجتمع. لقد جاءت المصالحة المبتورة في شكل إجراء من طرف واحد كرس النظرة الفوقية للناس على أنهم مجرد متلقين وليسوا شركاء في صياغة مستقبل البلاد. وفي هذا جزء من تفسير القلق الأمني المزمن والمواجهات المتكررة فيما سماه أحدُ المسؤولين «مناطق الاضطرابات» في البلاد.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro