English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

أنسَنة النضال
القسم : عام

| |
عبدالهادي خلف 2008-09-30 15:27:53


فيما يأتي تكرارٌ لبعض ما قيلَ وكُتب في رثاء هشام الشهابي. ولا حاجة للاعتذار. فثمة إجماع بين كل من عرف هشام كثيراً أو قليلاً ومن سمع به أو عنه أن البحرين قد خسرت يوم الخميس الماضي واحداً من أفضل أبنائها. فلقد شهد احتشاد آلاف الناس في مراسم وداعه ودفنه على أنهم كانوا يودعون إنساناً عزيزاً. وكانوا يعبرون بحزنهم عن تقديرهم له كإنسان حافظ على عزة نفسه، وعزة الوطن والناس فيه، حين تمسك بمبادئه في أصعب الظروف كما في أيسرها. كانوا يودعون واحداً من طينتهم، واحداً جعل النضال من أجل الناس جزءاً من سيرته وليس شيئاً يتزين به .
من لم يكن يعرف هشام صار يعرف الآن أنه مناضلٌ متميزٌ، ولكنه من طينة الناس. وإنه مثقفٌ متميزٌ ولكنه من طينة الناس. ولأنه من طينتهم ناضل معهم وشاركهم همومهم ولم يترفع عليهم. ولهذا لم يرَ هشام في مشاركته في النضال من أجل حقوق الناس والوطن ما يجعله يطالب بتعويضه إما بوجاهة أو بمركز حكومي أو بمال. ويشير استخدام أغلب من رثوا هشام عبارة «الإنسان المناضل» إلى ذلك التمازج بين عادية هشام وتميّزه. فلا يحتاج المناضل إلى أن يكون «سوبرمان» خارق العادة في التضحية أو المعرفة. حين أنسنَ هشام فِعْلَه النضالي أصبح جزءاً منه . وحينها لم يعد «النضال» عبئاً إضافياً يحمله المناضل ولا فضلاً يمِّن به على الناس .
قبل ربع قرن دعا عالم الاجتماع المصري سعد الدين إبراهيم في إحدى مقالاته المهمة وقتها إلى «تجسير الفجوة بين المثقفين وأصحاب القرار[1]». وفي صورة مجازية وصف ثلاثة جسور ممكنة لمرور المثقفين إلى ضفة السلطة: ذهبي وفضي وخشبي. أما الجسر الذهبي فيعبره من يصطفيهم صاحب السلطان لتقديم اقتراحات إليه بالحلول العملية لمشكلات المجتمع. بينما يكتفي عابرو الجسر الفضي بما يوفره صاحب القرار لهم من هامش حرية للتعبير عن آرائهم مقابل سعيهم إلى إغناء الحياة الثقافية في البلاد وإسهامهم في تقديم المشورة كلما طُلب منهم ذلك. وفي كل الأحوال فعلى عابري الجسر تحاشي توجيه «النقد غير البناء». أما إذا ألح هاجسُ هذا النوع من النقد على أيٍ منهم فعليه أن يتحاشى إثارة الجماهير وألا يقول شيئاً يؤدي إلى انقطاع شعرة معاوية بينه وبين السلطة. أما الجسر الخشبي فهو جسر لا يتطلب من السلطة أكثر من أن تكف يدها عن المثقف وتضمن له وظيفة يعتاش منها وحدّاً أدنى من الأمان والقدرة على الممارسة الثقافية حتى لو كانت مقيدة وانتقائية. مقابل ذلك يلتزم عابرو الجسر الخشبي بالمساهمة في تسويق ما تقرره السلطة والسعي إلى إضفاء الشرعية عليها .
وبطبيعة الحال لاقت فكرة «تجسير الفجوة» وقتها اعتراضات كثيرة وخصوصاً ما فيها من دعوة ضمنية لتخلي المثقف عن واجبه تجاه الناس. إلا أن الفكرة تصلح على الأقل لتوصيف بعض أنماط العلاقة القائمة بين شرائح مهمة من المثقفين والسلطة في البحرين منذ الطفرة النفطية الأولى. فثمة أفرادٌ معدودون يُتاح لهم عبور الجسر الذهبي. وثمة شريحة أكبر قليلاً يتاح لأفرادها استخدام الجسر الفضي. بينما نرى العدد الأكبر من المثقفين والمناضلين السابقين يقف في الطابور أملاً في عبور الجسر الخشبي وفي انتظار التفاتة من مسؤول أو حتى من حاجبٍ على باب ذي سلطان .
لم يعرقل حاجزا الخوف والطمع مسار هشام. ولم يكن ليحتاج إلى جسر للعبور إلى الناس وهو بينهم. ولكنه رفض عبور جسور ذهبية وفضية وخشبية حتى لا يكون بعيداً عن الناس وعن رفاق دربه من المناضلين أمثاله. ليس كل ذلك لأن هشام كان «سوبرمان»، بل لأنه رأى النضال مع الناس وبهم جزءاً من إنسانيته. فمنذ بداية وعيه السياسي في نهاية خمسينات القرن الماضي رأى هشام مساراً يحافظ فيه على عزة نفسه، ويدافع به عن عزة الوطن والناس فيه. انتظم في حركة القوميين العرب في بداية شبابه وتوفي وهو عضوٌ مؤسس في حركة «حق». ولا يخفى أن لا جامع أيديولوجياً بين الحركتيْن. إلا أن المُشترَك بينهما أنهما تمثلان، كلُ واحدةٍ بطريقتها، نهجاً يسعى إلى تغيير معطيات الواقع السياسي بما يخدم مصالح الناس ويسترجع لهم حقوقهم. ولعلها المصادفة وحدها التي جعلت مسيرة هشام السياسية تبدأ وتنتهي في حركتيْن لا تعترف الأجهزة الرسمية بشرعيتهما. وتشير هذه المصادفة إلى ما يردده كثيرون عن أن جيلنا، جيل هشام، شاهد تغيُّرات كثيرة في شكل العلاقة بين الناس والحكم من دون أن يشهد تغييراً جدياً في مضمون تلك العلاقة. فمازال على من يحمل الراية بعد هشام أن يناضل من أجل استكمال مشروع بناء الدولة الذي سعى إليه جيل الباكر في الخمسينات قبل أن يتسلمّ الراية جيل هشام .
يعرف كثيرون الآن عن إسهام هشام في أنشطة ومجالات سياسية عدة وعن حفاظه في كل حال على ثبات اتجاه بوصلته. فحين أنْسَنَ هشام نضاله حافظ على ثبات مساره نحو الناس ومعهم. هذا المسار الثابت، بتعرجاته، يستدعي إلى الذهن بعض نقاشات تدور حول دور المثقف في النضال من أجل التغيير. أهو دورٌ مع الناس محللاً ومحرِّضاً ومشاركاً في النضال اليومي بكل ما فيه من استنزاف للذهن والطاقة؟ أم هو دور مع السلطة أو على الأكثر في كنفها سعياً إلى التغيير من الداخل؟ أليس من الأجدى في ظل صعود القوى الرجعية والطائفية أن تتوحد جهود المثقفين مع السلطة لحماية أوطاننا من أخطار داهمة؟ ناهيك عما قيل عن الواقعية وعن رفض حرق المراحل وأن السياسة هي فن الممكن. ظلت إجابات هشام على هذه الأسئلة ومثيلاتها واضحة حين بقيَ مع الناس وليس ضدهم. وبنى موقفه، رغم تواضعه المعروف، على معرفته بقيمته الرمزية لدى رفاقه ولدى الناس. ولهذا لم تغرِه دعوات «الإصلاح من الداخل» حتى ولو أحسن الظن بنوايا من يروج لها. فحين يتنازل المثقف المناضل عن رأسماله الرمزي، بما فيه تلك الرساميل التي ورثها عن آخرين ممن معه أو ممن سبقوه، فإنه يبرر للسلطة أفعالها وانتهاكها لحقوق الناس. وبطبيعة الحال لا يمكن قبول تبرير هذا التنازل بحصول هذا أو ذاك من المثقفين والمناضلين السابقين على امتياز العبور إلى ضفة السلطة على أحد جسورها الخشبية أو الفضية أو الذهبية .

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro