English

 الكاتب:

كاتب بحريني

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

روايات لتكتمل الصورة
القسم : عام

| |
كاتب بحريني 2008-09-30 02:39:40


بقلم: غسان الشهابي   في الأيام الثلاثة الأخيرة التي أعقبت دفن الراحل هشام الشهابي، توافد عدد كبير من أصدقائه ومحبيه ورفاق نضاله، وتجددت مسألة أهمية التدوين التاريخي والروايات التي تتأرجح بين الكتابة والشفاهة والتي تبهت مع مرور الزمن للتقادم وضعف الذاكرة ورحيل المؤكدين أو النافين لها. لأول مرة في حياتي أعرف ماذا يعني أن تنظر إلى الموضوع من زاوية أخرى، كان ذلك في المدرسة عندما كنا صغاراً نتسابق ونتدافع على مقصف المدرسة في الفسحة (لا أدري لماذا نتدافع حقيقة) لشراء الوجبة التي غالباً ما تكون بضع ''سمبوسات'' أو سندويشاً مما يقيضه الله لك، وليس لك الخيار.. ذات مرة دخلت إلى داخل المقصف أثناء هذا التدافع لأرى وجوه الزملاء كما لم أرها من قبل، من زاوية مختلفة تماماً عن تلك التي تكون فيها وأنت في الخارج لا ترى إلى رؤوسهم من الخلف. في مسألة فرد واحد من أفراد هذا الوطن (بالنسبة للراحل) يكثر الذين يهمسون أو يتحدثون عن مناقبيته وعلاقاته بالأحداث وأمور لم نسمعها من قبل أو ما علمناها، وبقيت حكراً على العلاقات الثنائية والصداقات المغلقة أو شبه المغلقة والتي قرر أصحابها ألا يتباهوا بها، ولا يجعلوها تسالي المجالس.. ولكن غالباً ما يخدعنا الأمل، ونعيش على أننا سننجز في الغد ما لم نفعله اليوم، وفي الغد سنلاقي الأصحاب الذين أهملناهم الآن، وفي المستقبل ستعمل على زيارة من تحب وتفرغ نفسك للصلات الاجتماعية، وفي المستقبل ستتسقط أخبار المفاصل التي لم يذكرها أحد ولم يُلتفت إليها وضاعت في غمرة الهيجان الإعلامي المتعالي في الرغبة في الظهور من بعد الغمور، وفي التصريح من بعد الصمت والتلميح، وفي البروز بعدما تكاثر المدَّعون البطولات على مر السنوات الماضية، حتى امتلأت رئات الحقيقيين من صناع الأحداث بالقيح والصديد، وبات الصمت على ما يقال ويفسَّر جريمة أخرى، فطفق بعضهم يسجل ما عنّ له، وينبش في خزانة الذاكرة وخزانات الأوراق ما يعين على الرواية الأخرى التي تنظر إلى المسألة من ضفتها التي كانت عليها يوماً ما. في الصيف الماضي حدثت الدكتور عبدالرحمن فخرو في هذا الشأن فتعفف أن يروي ما اختزنه عن والده الراحل إبراهيم فخرو ورأيه في الهيئة الوطنية وبعض من رجالاتها، قائلاً إنه لو سرد ما لديه لفتح خزاناً من الآلام لا ينتهي، وربما إساءات للآخرين لا تمحى مستقبلاً، وغير فخرو كثيرون ممن يفضلون الانطواء على ما لديهم، والاكتفاء بدور خازني الأسرار المخلصين، مع تردد ما إذا كانت هذه الأسرار أمراً سرياً أم حالة وطنية يجب أو توضع على طاولة النقاش والتمحيص. إذن، هناك الرواية الرسمية وهي التي تدرَّس في المراحل الدراسية المختلفة، وهناك الرواية الشعبية وهي في الغالب ما تكون رواية نضالية، ولا تقل انحيازاً عن الرسمية إلى إظهار الوجوه المشرقة لنظافة الضفة والأرضية التي يقف عليها كل طرف، ومدى اخضرار العشب فيها، بينما عشب الضفة الأخرى هشيم تذروه الرياح، مع فارق أن الرواية الأهلية النضالية فيها بعض النقد الذاتي والنقد للآخرين من الخصوم والأصدقاء، ولكنها وجهات نظر لأصحابها، ولكن التاريخ ليس ولاءات للسلطة وحسب، وليس عرائض ونضالات وحسب، ولكنه أيضاً ما يروي التحولات التي أصحبت الامتداد الزمني ونشوء مناطق واندثار أخرى، والتوقف عن ظواهر مختلفة أسهمت في تغيير المجتمع، وهذا الأمر يأتي في الغالب عن طريق السير الذاتية التي بدأت تنمو إلى حد ما قبل بضع سنين ثم أصابها هي الأخرى بعض الفتور. هذه الأطراف الثلاثة تشكل قِطعاً غير مكتملة من الصورة، ولا يحق لأيٍّ منها ادّعاء امتلاك الحقيقة كاملة، والصورة من كل زواياها وأطرافها، إذ إنها تشبه ''مقصف السمبوسة'' في المدرسة الذي تختلف زوايا النظر فيها بحسب الموقع الذي تكون فيه ساعتها لتقرأ وتشاهد ما لا يستطيع من هو على الطرف المقابل أن يتوصل إليه لا لشيء، فقط لاختلاف المواقع وزوايا الرؤية. لذا نحن اليوم في حاجة ماسة إلى مؤسسات أو مراكز للدراسات التاريخية المستقلة المتميزة بالعلمية والتجرد والإقدام لجمع نثار هذه القصص وشظاياها، والعمل على استنطاق أصحابها وتلمس كل ما يمس التاريخ المعاصر للبحرين، والعمل على المقابلة بين القصص والترجيح فيما بينها وتنقية الكثير منها من الشوائب وإضاءة جوانب داكنة معتمة من بعضها الآخر حتى تكتمل الصورة، وحتى يكون الواقفون خارج ''المقصف'' وداخله على سوية في النظر إلى هذه الصورة.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro