English

 الكاتب:

عبدالله جناحي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الأغلبية الصامتة
القسم : سياسي

| |
عبدالله جناحي 2008-08-30 16:58:22



 

الأغلبية الصامتة مفهوم مرتبط بالوضع السياسي القائم من جهة وبالرغبات والينبغيات الذاتية للتيارات والأفراد من جهة ثانية.
من يستند على مقولة أن الأغلبية الصامتة هي مؤشر صحة المواقف ضدا للأطراف الأخرى المسيطرة على الشارع أو المؤسسة النيابية أو الإعلام يدين نفسه ومن يقف معه قبل أن يدين الآخرين. كيف؟
معظم الأبحاث التي ناقشت ظاهرة الأغلبية الصامتة تؤكد بان أسبابها مرتبطة بوجود نظام سياسي استبدادي كلما أصر على فرض الأحكام العرفية أو ممارسة القمع للحريات والمعارضة كلما زادت نسبة الأغلبية الصامتة.
ومن أهم العوامل التي تساهم في تعزيز الصمت هي القمع والخوف وعدم الاطمئنان للمستقبل السياسي المبني على ترقيعات ديمقراطية راهنة فيستمر الإنسان في صمته ولا يطمح في المشاركة، ومن العوامل الأخرى وجود مثقفون وإعلاميون منافقون، وتزداد الأغلبية الصامتة كلما ازداد الإعلام هجوما على الرأي الآخر، وفي هذا الشأن للباحثة الألمانية إليزابيث نويلة دراسة قيمة بعنوان (لولب الصمت) تحلل تأثير الإعلام في حشد الرأي العام لموقف معين وبالتالي فالمعارضون لهذا الموقف يتخذون موقف (الصمت) تجنبا للاضطهاد من الجماعة الكبيرة أو خوفا من العزلة الاجتماعية، فتكرار طرح الموقف إعلاميا والحشد والتجييش الاصطناعي للإفراد والمؤسسات والجمعيات والعائلات والقبائل يؤدي إلى التسيير اللاإرادي للمواطن ويؤدي إلى إضعاف فرصة المواطن ليكون له رأيا مستقلا ويؤدي إلى تدمير العقل النقدي للإنسان المتلقي لهذا الإعلام المزيف.
هذا السلوك موجود في الطرف الآخر القوي أيضا من خلال دور رجال الدين ولغة التكفير والتهديد بالعقاب الإلهي وهي لغة تؤدي إلى المزيد من الصمت لمن يخالف هؤلاء في الرؤية.
ظاهرة الأغلبية الصامتة مرتبطة أيضا بثقافة الطاعة لأولي الأمر لأنهم يوزعون الخيرات وبثقافة الريع النفطي ووجود جماعات محيطة بمن يستحوذ على الثروة ولها مصلحة وطفيلية في حياتها على التوزيع الريعي فتستمر صمتها على الأخطاء والفساد لأنها في ذات الدائرة والمحيط, وفي بعض الدراسات ربطت الأغلبية الصامتة بالاستبداد الشرقي وبذهنية التحريم وعدم الخروج على ولاة الأمور باعتبارهم ملاكا دائمين للحقيقة الكاملة للأمة وبالتالي تبقى الأغلبية صامتة.
 هذه الثقافة القسرية تخلق نزعة القدرية والقبول بالأمر الواقع بدلا من نزعة التغيير المستمر حيث الاستبداد يكرس تقديس القائم واتهام دائم لمن يخرج عنه وكأنه خروج على التقاليد والعادات الأصيلة ويصبح منبوذا أو مطرودا أو مغضوبا عليه لذا ولأن قرون استشعار المواطنين قوية بحكم التاريخ الطويل من اللااطمئنان فيستمر في صمته.
الحراك السياسي السليم ووجود مجتمع معززة فيه قيم وسلوكيات الديمقراطية والشفافية ودولة القانون والمؤسسات الحقيقية تكون الأغلبية الصامتة نسبتها قليلة.
هناك حالات فرضت الأغلبية الصامتة نفسها على صناع القرار أهمها أبان التحديات الكبرى التي واجهت الوطن أو الأمة كحالة الانتفاضات الشعبية أو الاحتلالات الأجنبية للأمة وعادة الأغلبية تنتفض وتثور في مثل هذه المحطات ولكن تجنى ثمار هذه الانتفاضات الطبقات البرجوازية.
سيكولوجية الصمت حسب الدراسات النفسية تعتمد على اللاوعي الجمعي الذي ينخلق في صفوف المواطنين من خلال عوامل عديدة منها وجود الثبات في الحالة السياسية وعدم التغيير السياسي والاجتماعي وبقاء القوى الاجتماعية المهيمنة لمدة طويلة وهي تصنع القرار دون تشاركية حقيقية، والخوف وهو شعور جمعي يرفض المغامرة والوقوع في التهلكة، والولاء للفرد والإتباع الأعمى له سواء كان قائدا سياسيا أو رجل دين أو ملكا ورئيسا، والترقب وفقدان الإرادة في صنع الأحداث.
كل هذه العوامل تخلق عقل وسلوك تبريري في عدم المشاركة في صنع الأحداث.
الاستبداد الشرقي عزز وشجع على الصمت ليبقى الطاغية في هيمنته، وهناك كثرة من المقولات التي يحاول مثقفو السلطان تعزيزها في الناشئة والشباب منها الصمت من ذهب، للحيطان آذان، في فمي ماء، أرى على شفتيك كلاما، الطاعة، التسلسلية الهرمية القبلية والدينية..الخ الخ الخ.
 
غير أن هناك زاوية أخرى لظاهرة الأغلبية الصامتة ومرتبطة بالعلاقات الطبقية فكلما كانت الفوارق الطبقية كبيرة والتمييز أوضح كلما تمكنت من إذابة الصمت العام لأغلبية الناس، وهذه الحالة تتجلى بوضوح في المجتمعات الصناعية والمدنية أكثر من المجتمعات التقليدية والقبلية والطائفية التي تشتمل على علاقات يسودها النظام الأبوي القديم فيستمر الصمت.
من جانب آخر فالأنظمة الاستبدادية تجند وتستغل الأغلبية الصامتة سواء في استخداماتها القمعية كتشكيل الميليشيات الشعبية منها لدعم هذه الأنظمة أو تجنيدها في الجيش أو الأحزاب الحكومية ذات الصوت الواحد، أو للاستشهاد بشعبيتها وشرعيتها فتمارس أساليبها المعروفة إعلاميا وترهيبا حتى تخرج هذه الأغلبية لتقدم الولاء في لحظة هي تريدها وبعدها ترجع صامتة مرة أخرى، الم يحدث ذلك في الدول التي حكمتها العسكرتارية؟. الم يصرح رئيس وزراء إحدى الدول الاستبدادية التي تطبق الديمقراطية الشكلية بان انسحاب المعارضة من المشاركة هو نتيجة صحوة الأغلبية الصامتة التي ابتعدت عنها وقررت الانحياز للأحزاب الموالية.
وختاما من الأهمية أن يقوم المختصون في علم الاجتماع والنفس والتاريخ والسياسة بتحديد دقيق لهذا المفهوم والظاهرة.
أنا شخصيا أرى ظاهرة الأغلبية الصامتة ظاهرة نسبية وذاتية الأبعاد. فمن يحدد حجم هؤلاء الصامتين ومن يحدد من يمثلهم غير وجود مجتمع مدني متحرر من قيود القبيلة والطائفة والأصل ووجود انتخابات نزيهة غير موجهة، وهي أمور وظروف غير متوافرة في بلادنا ولذلك فمن يقول بان الأغلبية الصامتة في بلادنا هي تلك الأفراد غير المنضوين تحت أي تيار حزبي أو حركي أو طائفي فان هذا التعريف لا ينطبق إلا على الأقلية في المجتمع.
 
عبدالله جناحي- نائب رئيس اللجنة المركزية بجمعية (وعد)
 
ملاحظه: المقال نشر في صحيفة الوطن

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro