English

 الكاتب:

سبيكة النجار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ذكريات عن سجن كأنه المنتجع
القسم : حقوق انسان

| |
سبيكة النجار 2008-08-21 12:31:07


    يخيل للمشاهد أو لمن استمع للمقابلة التلفزيونية التي أجرتها سوسن الشاعر بتاريخ 1 أغسطس/ آب مع مستشار وزارة الداخلية حالياً ومدير إدارة الإصلاح والتأهيل سابقاً المقدم متقاعد راشد عبدالغفار، أنه أمام سجن أقل ما يقال عنه إنه منتجع للراحة والاستجمام.

السيد عبدالغفار الذي عمل في سجون البحرين لنحو أربعة عقود من الزمن تكلم في المقابلة عن تجربته في إدارة السجون وذكرياته واصفاً حوادث مرت به أثناء عمله. تكلم عن كيفية نوم السجناء كالسردين المصفوف وهم مربوطون بالأصفاد بلهجة باردة وكأنهم ينامون على أسرّة من ريش النعام. لم يشر من قريب أو بعيد إلى معاناة السجناء من هذه الوضعية التي تتعارض مع كل مبادئ الدين الإسلامي الذي يدعو إلى الرأفة والرحمة، أو مع مبادئ حقوق الإنسان التي تنادي بمعاملة السجناء كبشر وليس كحيوانات. فقد دعا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر العام 1948 إلى صيانة كرامة الإنسان، بينما حظرت المادة 23 من القواعد النموذجية لمعاملة السجناء استعمال أدوات تقييد الحرية مثل الأغلال والسلاسل والأصفاد وثياب التكبيل كوسيلة من وسائل العقاب. لقد كان الأحرى به أن يكون من الشجاعة بحيث ينتقد مثل هذا الوضع غير الإنساني. لا أن يسرده وكأنه يقص علينا حوادث فيلم سينمائي.

أشار المتحدث في المقابلة إلى عقوبة الإعدام وهي من العقوبات التي توجد في قوانين كثير من الدول. وبصرف النظر عن الموقف المنادي لإلغاء هذه العقوبة واعتبارها من انتهاكات حقوق الإنسان لأنها تسلب الإنسان حقاً من حقوقه التي ولد بها كهبة من الله لا يحق لأحد غيره أن ينزعها منه، وسواء أكنا مع تلك العقوبة أم ضدها، فقد شد السيد عبدالغفار انتباه المشاهدين وهو يتكلم عن تطور تنفيذ تلك العقوبة في البحرين. تكلم بشيء من التفصيل واصفاً الحبل الذي يعلق عليه المحكوم بالإعدام، وضرورة أن يراعي ثقل وزن المحكوم عليه سواء في قوة تحمل هذا الحبل أو في نصب المشنقة والمسافات بين الحبل والفتحة التحتية للمشنقة، وذلك حتى لا ينقطع رأس المحكوم عن جسده نتيجة تعليقه في الهواء من رقبته. كما توقف أمام حالة الشخص السمين (لا أذكر رجلاً كان أم امرأة) الذي لم تتحمل المشنقة ثقل جسمه فانفصل الرأس عن الجسد ووقع الجسد أرضاً، بينما ظل الرأس معلقاً. تخيلت من هذا الوصف أن دماء المحكوم عليه قد اندفعت خارج الجسد كالنافورة. وهو منظر بلا شك تقشعر له الأبدان وتهتز لهوله القلوب، وقد هرع المشرفون على العملية لانتشال الجثة التي وقعت أسفل نصب المشنقة. هكذا بكل بساطة.

لم يذكر السيد عبدالغفار شعوره كإنسان حيال هول ذلك المنظر المرعب بعيداً عن المهمة الرسمية التي كان ينفذها، وقد تكون الدماء قد وصلت إلى حيث يقف ليشرف على عملية الإعدام فغطت وجهه أو لطخت ثيابه.

قضية أخرى لم يتم الكلام عنها أثناء المقابلة وهي التعذيب المنهجي الذي كان سمة تمتاز بها سجون البحرين، ولم يسلم منها أحد سواء المتهمين بالحق العام أو معتقلي الرأي والمعتقلين السياسيين. والأخيرين هم أكثر الفئات التي عرفت أنواع التعذيب وفنونه كافة التي تفوقت فيها معتقلات البحرين على أشد السجون ضراوة في جنوب إفريقيا وإسرائيل. وقد خسرت البحرين خيرة شبابها في أقبية التعذيب. فهذا محمد غلوم خريج الجامعة الأميركية الذي كان يقف في أول سلم النجاح الوظيفي فاختطفته يد الجزارين الآثمة، والشاعر الشاب سعيد العويناتي الذي وضع قدميه على أول طريق الإبداع بديوان شعري يتيم قبل أن تنتزع أيدي المعذبين الآثمة روحه. والطبيب الشاب هاشم العلوي الذي ذهب ضحية التعذيب عندما كان ابنه هاشم نطفة تتخلق في بطن أمه وها هو قد تخرج مهندساً ولم يعرف أباه إلا من خلال بقايا صور وأحاديث أمه ورفاق أبيه. ولا ننسى قافلة شهداء التسعينات الذين تسلمت عائلاتهم جثثهم موسومة بأبشع ما عرفته الإنسانية من تعذيب. لقد مورست كل هذه الفظائع عندما كان السيد عبدالغفار على رأس المسؤولين في السجن. فماذا كان شعوره وهو يسمع استغاثات رفاق محمد غلوم يطلبون حبة مسكنة لآلامه بعد خضوعه لوجبة تعذيب قاسية، أو يسمع صراخ واستغاثات ضحايا التعذيب تنبعث من مختبرات الموت، أو يرى جثة هامدة تخرج من الزنزانة أو من أقبية التعذيب. هل كان يهنأ بالنوم؟ هل أصابته الكوابيس؟ هل شعر بوخز الضمير؟ هل وهل وهل.. أسئلة كثيرة لم يجب عليها السيد عبدالغفار.

أعرف أنه يكتب مذكراته فهل ستكون جافة وخالية من الشعور الإنساني على غرار المقابلة؟ في الغرب يكتبون مذكراتهم ليس فقط للتوثيق ولكن لإزاحة همٍّ ثقيل عن أنفسهم ويعترفوا بأخطاء وقعوا فيها عن قصد أو غير قصد فعاشت معهم في ضمائرهم تؤرقها فكانت المذكرات وسيلة للخلاص. فهل ستكون مذكرات مدير إدارة الإصلاح والتأهيل كذلك أم ستتكلم وتسهب في وصف سجن كأنه المنتجع؟

الوقت – 21 أغسطس 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro