English

 الكاتب:

ناشط عربي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

المقـاومـة والنهـوض الـعربـي
القسم : سياسي

| |
ناشط عربي 2008-07-30 17:12:53



  بقلم: عزمي بشارة
ليس مجرد نقاش حول الوسائل:
لم تتجذر فكرة المقاومة في أذهان ووجدان الشعوب العربية كما في هذه المرحلة منذ انسحاب إسرائيل من لبنان دون اتفاق سلام في العام ٢٠٠٠ وحتى فشل العدوان الإسرائيلي على لبنان. وكان آخر عناوين هذا الفشل صفقة تبادل الأسرى الأخيرة. ومن خلالها اعترفت إسرائيل للمرة الثانية بفشل عدوانها على لبنان في تموز من العام .٢٠٠٦
وطبعا ساهمت حركة »حماس« والمقاومة العراقية التي انطلقت في زمن قياسي بعد الاحتلال في ترويج الإعجاب بالمقاومة والتفاعل مع المقاومة شعبيا. لم تكن هذه التيارات المقاومة ظواهر موحدة، وهي ليست موحدة الآن. والأهم من ذلك أنه حتى مجتمعاتها الوطنية غير مجمعة عليها. فالخلاف ينشب حولها في مجتمعاتها المحلية أساسا كتعبير عن الصراع السياسي في هذه المجتمعات. ويكاد الخلاف على المقاومة في هذه المجتمعات يتحول إلى تعبير عن هويات ثقافية أو سياسية أو طائفية، أو يستخدمها. وحتى لو تألفت المقاومة من حركات دينية أو مذهبية، فلا شك أن المزاج الشعبي العربي العام الذي يرنو إليها، ويتوق لها، وينفعل لأخبارها هو مزاج موحد... لا ينفصل فيه الإسلام عن العروبة عن الموقف الوطني.
إنه مزاج شعبي عربي رافض للاحتلال الأجنبي لأي بلد عربي، ومحبط من رد فعل الأنظمة العربية على احتلال فلسطين والعراق ولبنان، ويعول على المقاومة لتحرير الأراضي المحتلة، أو على الاقل لتدفيع الاحتلال ثمنا يحفظ للواقعين تحت الاحتلال إنسانيتهم وللشعوب العربية كرامتها... إنه مزاج فقد الأمل بتسوية سياسية عادلة مع إسرائيل، ولا يثق بالنوايا الأميركية، ولا بالأنظمة العربية. ربما بدا ما نقول وصفا لمزاج يبدو بلغة العصر وصفا غير عقلاني لحالة هلامية، ولكني لا أقترح على أحد الاستخفاف به.
فلنمعن الفكر قليلا بما يدفع شعوبا إلى احترام مقاومة حتى لو لم توحٍ برامجُها، أو سلوكُها، أو ظروفُها بأفقٍ سياسيٍ واضح. خذ مثلا حالة المقاومة العراقية البطولية، فإن سرعة نهوضها وتطورها تكاد تكون غير مسبوقة في التاريخ قياسا بموعد الاحتلال. ولكنها غير قادرة على طرح أفق سياسي مقنع بسبب تعدديتها، وإقصائية بعض فصائلها الطائفية، وفوضى البيانات التي تحجب عن المواطن العربي الرؤية لما يجري فعلا على الأرض في العراق... ومع ذلك نراه يقف مع المقاومة (ما عدا حالة فصائل تنفذ عمليات قتل ضد المدنيين العراقيين). ما هو الأفق السياسي الذي تطرحه حركة حماس حاليا؟ يصعب تحديد هذا الأفق، أهو الحفاظ على السلطة ام فك الحصار عن غزة، أم غيرها من الأهداف التي لا تشكل أفقا سياسيا حقيقيا مقنعا للناس. ومع ذلك تتضامن الأمة مع حماس كحركة مظلومين تواصل المقاومة تحت الاحتلال وتتحدى طريق التسوية غير العادلة بعد أوسلو. لا اعتقد ان الجمهور العربي يدعم حماس ويتضامن معها لأنه يرى أفقا قريبا لتحرير فلسطين على يدها.
ليست هنالك علاقة دائمة وضرورية بين دعم المقاومة وبين الأفق السياسي الذي تفتحه المقاومة. وطبعا تحاول حركات المقاومة الجدية والتي تحترم نفسها وجمهورها ان تبني دعم الجماهير لها على أسس سياسية اصلب من المزاج السياسي الاحتجاجي القائم، وذلك بواسطة تحقيق انجازات فعلية أو خسائر حقيقية للاحتلال لا تحققها الأنظمة بالمفاوضات مثلا... يجب التمييز بين المزاج الشعبي الداعم للمقاومة وبين توفر رؤية استراتيجية للمقاومة على المدى البعيد تتجاوز إغراء الاكتفاء بالمزاج الشعبي الآني المؤيد دون قيد أو شرط، مع أنه مزاج يعبر عن نبل الفئات الشعبية عندما يتعلق الأمر باحتلال أجنبي.
ولكن تبرير المقاومة عقليا باستراتيجية بعيدة المدى للتحرير، لا يعني التبرير البراغماتي في ظل ما هو قائم من منطق الأنظمة الحاكمة. فهذا قد يؤدي إلى السقوط في الذرائعية التي تطمس الفرق في الأهداف وإلى الإسراع في إعلان الانتصارات بهدف التبرير. وأحيانا يفترض هذا الجهد السياسي والخطابي الذي يحاول ان يثبت نجاعة المقاومة أن النقاش مع الأنظمة هو نقاش على الأساليب وليس على الأهداف. فتجد المقاومة نفسها مضطرة أن تفترض لغرض مثل هذا النقاش مثلا: أن الأنظمة تريد تحرير فلسطين، أو المناطق المحتلة كأولوية، وتفشل، فتلجأ إلى الوسائل الدبلوماسية. ويقدم نفس الخطاب المقاومة في المقابل كنموذج للتحرير بالسلاح دون اعتراف ولا دبلوماسية.
ولكن النقاش الحالي مع الأنظمة العربية هو في الواقع صراع على الأهداف ذاتها وتترتب عنه سلوكيات وحتى منظومات قيمية مختلفة. وتقاس العقلانية البراغماتية، اي الأداتية المتعلقة بنجاعة الوسائل، بالأهداف التي تخدمها هذه الوسائل وليس قياسا بأهداف الآخرين... لا توجد بهذا المعنى معايير موحدة قائمة بغض النظر عن الأهداف للحكم على عقلانية الأدوات.
وكمثال على ذلك انتشر مؤخرا خطاب مستقى من حالة تحرير الأسرى ومفاده أن الدول العربية التي عقدت سلاما مع إسرائيل لم تنجح في تحرير أسراها في إطار اتفاقيات سلام، في حين حررت المقاومة الأسرى بواسطة عمليات مقاومة تلخصت بأسر الجنود والتبادل. ويزداد هذا الخطاب قوة إزاء موقف ما يسمى بقوى »الاعتدال« التي عارضت علنا عمليتي الأسر الأخيرتين (من العام ٢٠٠٦) في لبنان وفلسطين، واعتبرت »تجاوب« إسرائيل مع »الخاطفين« بالتبادل دعما لقوى التطرف يقوي نفوذها على الساحة... هذا وصف متواضع وحرفي لسلوك قوى السلطة السياسية في فلسطين وسلوك الأنظمة العربية حاليا في قضية الجندي المختطف في غزة، ما يزيد من آلام الأسرى ويؤخر تحريرهم.
وقبل ان نلج لب موضوعنا، نود ان نتريث هنا قليلا. فإن شرح الموقف من هذه المقارنات سوف يضيء الطريق إلى صلب موضوع المقاومة وما يميزها.
.١ لا يدور النقاش مع الأنظمة العربية حول الوسائل، بل هو غالبا نقاش على الأهداف. فمن قال أصلا ان الأنظمة العربية التي عقدت اتفاقيات سلام مع إسرائيل مهتمة بتحرير مواطنيها الأسرى، خاصة أولئك الذين تعتبرهم هي ايضا مجرمين بمعنى أنهم قبلوا أن ينتظموا ويحملوا السلاح في إطار غير جيشها (أو غير قواتها الأمنية في حالة السلطة الفلسطينية)؟ تعتبر هذه الدول تلقي مواطنها أوامر من تنظيم فلسطيني او عربي سلوكا يمس بسيادة البلد وبالمواطنة.
ليس السؤال بحاجة الى جواب ونحن نرى بعض محرري غوانتانامو يعاد اعتقالهم في دولهم العربية بعد تحريرهم. وهذا مصير بعض محرري السجون الإسرائيلية الذين هم في أفضل الحالات يخضعون للمراقبة في دولهم. الدول العربية لا تريدهم اصلا. ولو كانت تريدهم لحررتهم في إطار علاقاتها مع إسرائيل، وهي قادرة على ذلك لو أرادت.
.٢ أسر العرب والفلسطينيين بالنسبة لإسرائيل ليس هدفا بذاته بل هو جزء من الصراع. فإذا قبل الفلسطينيون شروط إسرائيل السياسية يتم تحرير أسراهم. ولا مانع لدى اسرائيل من تحرير أسرى في إطار اتفاق مقابل التنازل عن القدس مثلا... في هذه الحالة اي اذا تحول تحرير الاسرى الى هدف سياسي قائم بذاته فإنه بدل أن تنبت فائدة من التضحية تصبح التضحية والأسر عبئا على النضال والقضية التي من أجلها اسر الانسان. يناضل الناس ويتعرضون للأسر من أجل قضية، وهذه القضية هي ليست التحرر من الأسر. والتحرر من الأسر مقابل تنازلات سياسية تقدمها القيادة، وفي إطار اتفاق سياسي يجري فيه التنازل عن القضية هو انجاز للسجان. فهو الذي أخذ المناضلين رهائن بهذا المعنى، وهو يطالب صاحب القضية ان يتنازل عنها مقابل تحرير رهائنه.
هل حاولنا مرة ان نرى الأسرى العرب والفلسطينيين كرهائن تحتفظ بهم إسرائيل في إطار الصراع؟ من هذه الزاوية فإن النظام الرسمي العربي الذي يساوم عليهم، ويحررهم في إطار قبول الشروط السياسية الاسرائيلية يُنجِح عملية الخطف الاسرائيلية ويقبل بالشروط وينفي هدف النضال الذي دفع الأسير ثمنه. فالتنازل السياسي العربي والفلسطيني هو أيضا انجاز إسرائيلي تتم التغطية عليه وإظهاره كإنجاز فلسطيني او عربي بزغاريد استقبال الأسرى، وهي تعبير عن فرحة مفهومة.
أما التحرير في إطار النضال، بالتبادل مقابل أسرى إسرائيليين مثلا، فهو مسار آخر لا يخضع للشروط.
.٣ من هنا لا يدور النقاش في قضية تحرير الاسرى حول من يستطيع ومن ينجح في تحريرهم وكيف؟ بل هو نقاش حول الهدف، هدف النضال الذي في سياقه اسروا، وفي سياقه حرروا. الاسر والسجن ليسا هدفا قائما بذاته. وهنالك فرق بين تحرير الاسرى في خضم النضال كإنجاز يجري اثناء النضال، وبين تحرير الأسرى في اتفاق سياسي دبلوماسي بعد الانتهاء من الصراع. هذا هو الفرق بين إطلاق سراح الاسرى في عملية التبادل الاكبر حتى الآن بين »الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة« وإسرائيل عام ،١٩٨٥ وعملية التبادل الأخيرة التي فرضها حزب الله من جهة، وبين ما يمكن لأنظمة ان تفعله في إطار السلام مع إسرائيل.
.٤ وأخيرا نريد ان نضيف أن الأسر والتحرر من الاسر ليسا ولم يكونا هما الهدف الأصلي، بل جرى هذا كله من أجل هدف. وفي كافة الحالات لا يسمى اطلاق سراح اسرى في عملية اسر وتبادل او حتى باقتحام سجن كما فعلت حركات تحرر في الماضي انتصارا، طالما لم يتحقق أي انتصار يتعلق بالهدف ذاته... تحرير الأسرى هو إنجاز في مسيرة النضال وليس انتصارا. وهذه ليست مجرد كلمات. فالنصر يقاس نسبة بالتقدم نحو هدف النضال.
كانت عملية التبادل التي قامت بها »الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة« في العام ١٩٨٥ أكبر وأهم عمليات التبادل حتى اليوم. أطلق فيها سراح اكثر من الف اسير فلسطيني وعربي. وكان اثرها السياسي المباشر هائلا اذ شكلت بالكوادر التي أطلقتها إحدى مولدات الانتفاضة الأولى. ومع ذلك، لم يسمها احد انتصارا. لا يجوز استخدام كلمة انتصار بهذه السهولة حتى صار هنالك نصر يسجل كل بضعة أيام مرة على إسرائيل. تبادل الأسرى مع إسرائيل هو إنجاز على طريق النضال. وعملية التبادل الأخيرة ليست الإنجاز الأكبر. فقد جرت في الماضي عمليات تبادل من هذا النوع بل أضخم بكثير ودفعت فيها إسرائيل، بلغتها، ثمنا أعلى مما دفعت هذه المرة، ولم يعقبها هزائم لإسرائيل ولا انتصارات للعرب.
والحقيقة أنه رغم وجاهة النقاش حول بقاء جثامين الشهداء في أرض فلسطين حتى التحرير وبعد التحرير، فلا شك ان العرس الجماهيري في كل دولة عربية تستقبل جثامين الشهداء هو إحراج للأنظمة المعادية لطريق المقاومة وهدفها. وما بدا كأنه تقليد لا حاجة له لاسرائيل التي تستعيد جثامين قتلاها ولو بثمن تحرير الأسرى، تبين كتعطش عربي حقيقي لتكريم الإنسان البسيط، المواطن، خاصة إذا كانت عودته شهيدا تشكل كفيلا لمشروعية هذا الفعل. مرة أخرى يتأكد ما قلناه أعلاه عن عمق دوافع دعم الناس للمقاومة.
لا تقف الشعوب العربية إذاً مع المقاومة بسبب نجاعتها كما نعتقد. هذا، رغم ان المقاومة اللبنانية تميزت عن سابقاتها بدرجة التنظيم والنجاعة ووضوح الهدف عندما يتعلق الامر بالصراع مع إسرائيل. وقد نجحت بطرد إسرائيل من لبنان دون اتفاق بسبب استراتيجيتها النضالية المثابرة التي لا تحاول أن تثير إعجاب الغرب وتدفِّع الاحتلال ثمنا بأقل كلفة ممكنة للبنان ذاته، يضاف إلى ذلك في حينه عدم توصل سوريا وإسرائيل الى اتفاق سلام إثر جولة المفاوضات المباشرة بينهما في تلك المرحلة.
تقف الشعوب العربية مع المقاومة معبرة عن هويتها وكرامتها في النضال ضد الاحتلال الأجنبي، وتعبيرا عن سخطها واحتجاجها ضد الوضع العربي الرسمي القائم العاجز أو غير الراغب في مقاومة الاحتلال الاجنبي أو المتحالف معه موضوعيا. وطبعا من واجب المقاومة أن تقدم برامج سياسية واستراتيجيات تصلِّب هذا الدعم الشعبي وترسيه على قاعدة النجاعة والنجاح في مهمة التحرير، فتحول هذا الدعم الى رأس مال سياسي حقيقي.
مسألة ثقافة؟
لا شك أن المقاومة كحركة إنسانية هي اكثر من فعل ورد فعل فيزيائي مثل أصلها اللغوي في قانون »لكل فعل رد فعل«، أو في مقاومة الاحتكاك أو الجاذبية مثلا. إنها فعل عنف ثانوي، رد فعل، مضاد لفعل عنف الاحتلال الأولي الاصلي. ولكنها اكثر من ذلك ايضا، لانها ليست مباشرة بل متوسطة تمر عبر الفكر والعاطفة والتنظيم الاجتماعي وغيره.
ولكن المقاومة ليست ثقافة مميزة ومحددة كما يروج جزء من معسكر المقاومة حاليا. بل هي موقف وممارسة. وهي غالبا موقف برفض الخضوع للاحتلال الأجنبي ويرفض التواطؤ معه. ويتم التعبير عن هذا الرفض بدرجات أرقاها الكفاح المسلح المنظم وصاحب الاستراتيجية الموحدة. ويرافق هذا الموقف تأكيدٌ على الوطنية وحرية الوطن وفهمٌ وطني لتاريخه، ورفضٌ للخيانة وتعبيراتها الأخلاقية والسلوكية والسياسية، متحولا الى مكون ثقافي على مستوى الهوية وتعريف الذات. ولكن ليس هنالك بالضرورة ثقافة سياسية محددة هي ثقافة المقاومة. فقد ثبت أن المقاومين يحملون ثقافات سياسية مختلفة ومتناقضة. وقد شهدنا في التاريخ مقاومات حملت ثقافة قومية، وأخرى يسارية، وثالثة دينية، وحتى مذهبية.
لا يمكن الحديث عن ثقافة سياسية واحدة للمقاومة، أو عن ثقافة بعينها تحملها المقاومة. أما إذا كان الحديث حول »ثقافة المقاومة« كمصطلح، فالمقصود هو موقف سياسي يرفض التعامل مع الاحتلال ويرفض العزوف عن السياسة في ظل الاحتلال، ويؤمن بأنه يجب فعل شيء لكي يندحر. ويترتب على هذا الموقف، كما يترتب على نقيضه، مجموعة مسلكيات... وكل هذا لا يكفي لكي يعيِّن ثقافة تميز المقاومة وتتميز عن غيرها.
من الواضح مثلا أن غالبية التيارات المقاومة المنظمة حاليا في الوطن العربي هي تيارات دينية. وطبعا هذا لا يعني ان كل تيار ديني هو تيار مقاوم... فهنالك تيارات دينية او تتلبس بالدين تتعاون مع (وفي) حكومة الاحتلال في العراق وتعارض المقاومة في غيره. ولا تشكل الإيديولوجية الدينية بالنسبة للمقاومة مفارقة او صدفة، بل تستخدم هذه التيارات الإيديولوجية الدينية في النضال ذاته ولا تحيِّدها عنه، إن كان ذلك في شرح معاني الجهاد والاستشهاد، وإن كان ذلك في قدسية الهرمية التنظيمية، أو الاستفادة من الولاء الأهلي الطائفي.
ولا يمكن القول ان اي قومي او وطني عربي (إن كان متدينا او علمانيا) مساند للمقاومة يشارك في هذه الثقافة. إنه يشارك المقاومة الموقف، ولكنه لا يشاركها الثقافة نفسها، ولا التصور نفسه لما يجب ان يكون عليه المجتمع في الدولة العربية. وهذا ليس موضوعا مؤجلا بعيدا، كما كان في عصر حركات التحرر. إنه موضوع راهن في دول عربية مستقلة ومجتمعات قائمة وغير منشغلة ولا مستنفدة في المقاومة.
فماذا يفعل علماني عربي يدعم المقاومة؟ إنه لا يستطيع ان ينضم اليها لأنها مؤدلجة بثقافة سياسية وتصورات لكيفية تنظيم المجتمع لا يوافق عليها. وهي أيضا ترفض أن تدفع وحدتها الإيديولوجية وانسجامها الفكري القائم، والذي يشكل احد مصادر قوتها، ثمنا لانضمام الآخرين إليها. علينا ان نتخيل موقف متدين اصولي من الانضمام الى منظمات علمانية قومية وماركسية عندما كانت تلك تتميز بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين ولبنان، وكان المزاج الشعبي معها في حينه. وتذكرنا حاليا بذلك جثامين شهدائها.
ولذلك فإن الإنسان القومي او الوطني إذ يدعمها ويقنع الناس بالانضمام إليها إنما يدفعهم في الواقع عن ثقافته السياسية إلى الإعجاب بثقافتها. فالقومي او الوطني لا يستطيع ان يستخدم المقاومة كمجرد مرحلة يلتقي معها حتى يصل مرحلة الافتراق. فسوف يكتشف في حينه انه لا توجد قاعدة شعبية يستند اليها لانه تخلى عن هذه القاعدة وساهم في دفع القاعدة للتخلي عنه.
ما ميز حركات التحرر الوطني، خلافا لحركات المقاومة حاليا، هو ان حركة التحرر كانت تضم تيارات سياسية وفكرية عدة تمثل المجتمع وتجتمع على برنامج للمقاومة وللتحرير، وغالبا حتى لما بعد التحرير. ولا يغير في ذلك وقوع انشقاقات وحتى احتراب أهلي بينها بعد الاستقلال، أو عشية الاستقلال، صراعات على الزعامة أو على السلطة التي باتت قاب قوسين مثلا. المهم ان لحظة حركة التحرر كانت لحظة وحدة وطنية بين تيارات فكرية وسياسية مختلفة يجمعها برنامج المقاومة والتحرير، ويجمعها تصور حد أدنى لبناء الدولة.
وغالبا ما كان النضال والتنوع والنقاش في إطار هذين البعدين يولِّد برامج وقيما تحررية تشمل تصورات لتحرير الإنسان والمجتمع إضافة لتحرير الوطن. وشكل هذا تحديدا اساسا للتحالف والتضامن من قبل قوى معادية للنظام الاستعماري في الغرب والشرق.
حركات المقاومة الحالية إن كانت في دول مستقلة او في بلاد محتلة هي حركات مؤدلجة دينيا. وهي غالبا ما تحاول عدم بحث العلاقة بين إيديولوجيتها الحالية وسلوكها السياسي في مرحلة ما بعد التحرير، فهذا كلام يفرق ولا يساعد على الوحدة طبعا. ويجب ان نذكر أنها لا تتجنب هذا الموضوع مع جمهورها. في المقابل فإن ما ميز حركات التحرر الوطني أن الوحدة كانت تتم من خلال التنوع والاتفاق على برنامج حد ادنى لما بعد التحرير. ولذلك فهنالك مكان للتمييز بين المقاومة وحركات التحرر الوطني.
أما من ناحية القوى القومية فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحا.
يجري الحديث عن تعميم نموذج المقاومة. تعميمه؟ كيف إلى اين؟ المقاومة التي يجري الحديث عنها هي كفاح مسلح ضد احتلال أجنبي. (ونحن نقصد هذا المفهوم الضيق للمقاومة، وليس كل معارضة سياسية أو ثقافية للاحتلال) والدول العربية التي تحيط بإسرائيل ليست دولا ضعيفة بل دول مركزية تمنع تطور مقاومة مسلحة تكسر احتكارها للعنف والسلاح ولا تسمح بعمليات مقاومة ضد إسرائيل منذ العام .١٩٧٣ لقد انتهت حالة الضبابية بين مقاومة إسرائيل وسلوك الأنظمة العربية التي كانت تسمح بوجود مقاومة ضد إسرائيل على اراضيها أو تشجع او تتغاضى عن تجند مواطنيها في اطر مسلحة من أجل فلسطين. وحدها فلسطين كانت تبرر ذلك. وهي لم تعد تبرر ذلك بالنسبة للنظام الرسمي العربي وثقافته السياسية. وهو تغير جوهري في موقف النظام الرسمي العربي من القضية الفلسطينية ومما كان يسمى الالتزام القومي. الحالة الوحيدة التي تستمر منها المقاومة هي لبنان (والسلطة الفلسطينية)، وسبب تمكن المقاومة من الاستمرار في هذه الحالات خارج نطاق الدولة (او السلطة في الحالة الفلسطينية) هو ضعف الدولة. وحتى في لبنان نشك ان تستمر المقاومة اللبنانية بمبادرات هجومية فلسطينية الأهداف ضد إسرائيل بعد حرب تموز وقرار ،١٧٠١ وإلا فما المقصود بالانتقال لتبرير وجودها لبنانيا من القدس وفلسطين الى لغة الدولة، أو الى لغة تحاول ان تكون مقبولة على منطق الدولة: الاندماج الاستراتيجية الدفاعية.
ما التعميم إذاً؟
نحن لا نشهد نضالا تخوضه القوى القومية أو الإسلامية يطالب الدول العربية بفتح حدودها والسماح للمقاومة الشعبية بالعمل (من دول أخرى غير لبنان والسلطة الفلسطينية). وحتى في لبنان مُنِعَت المقاومة الفلسطينية من تنفيذ اي عملية منذ العام ،١٩٨٢ فلبنان الضعيف في العلاقة مع الطوائف، بات دولة قوية في العلاقة مع الفلسطينيين. ولا بد للقوى العربية المؤيدة للمقاومة ان تنظر في هذا الموضوع إذا أرادت تعميم النموذج.
أما إذا كان المقصود بتعميم المقاومة تعميم ثقافة تقاوم الظلم والتعسف والقهر ولا تقف إزاءه مكتوفة الأيدي ولا تتواطأ معه، ففي هذه الحالة لا يفترض أن المقصود هو القمع الاجنبي بالضرورة، بل المقصود هو الظلم والتعسف والاستبداد، حتى ذلك القائم في دول عربية مستقلة. ولكن ثقافة المقاومة ضد الأجنبي، وهي القائمة حاليا لا تفي بهذا الغرض. فلدى المقاومة، أية مقاومة في العراق ولبنان وفلسطين، علاقات متفاوتة بدول استبدادية تتطلَّبها وتحتِّمها أولويات النضال. وكل »المقاومات« الحالية تتوق الى توسيع علاقاتها مع الدول العربية القائمة وتسعى الى اعتراف النظام العربي الرسمي القائم. وهي بنفسها تدعو الى تأجيل النضال من أجل العدالة إلا اذا كان ضد احتلال اجنبي. وإضافة الى ذلك فإن فكرها وثقافتها السياسية لا تشكل بديلا اكثر عدالة من الأنظمة القائمة في إدارة المجتمعات. هذا هو منطق المقاومة ضد احتلال أجنبي.
ولا شك ان القوى القومية مقتنعة تماما أن النهوض العربي غير ممكن دون إذكاء روح مقاومة الاحتلال الأجنبي في الأمة. هذا شرط للنهضة. فالخنوع للاحتلال ينشر قيما تقبل الظلم وتقبل المس بالسيادة واعتبار الخيانة واقعية أو وجهة نظر، كم ينشر عقد النقص امام المحتل، ويكرس قيم الاتكالية وأجواء التخلف الاجتماعي التي تساهم في تهميش الجمهور تماما عن قضاياه... وكلها قيم تعيق النهضة. وهذا صحيح.
وفي المقابل فإن المقاومة ضد الاحتلال الاجنبي قد تولد روحا تحررية في الامة حتى في الدول المستقلة، خاصة في قضية إرادوية الفعل السياسي. ولكنها لا تولد بالضرورة جرأة ضد الظلم المحلي ولا تولد بالضرورة نضالا وبرامج ضد الدكتاتورية ولا من اجل المواطنة المتساوية، ولا تساهم بالضرورة حتى في نشر العقلانية، ناهيك بالوحدة العربية... وكلها قيم ضرورية للنهضة العربية في عصرنا.
المقاومة ورفض الاحتلال الأجنبي بما فيه القيم الاجتماعية التي تسانده مثل الخنوع وقبول الوصاية والتعاون مع الاحتلال، هي شروط ضرورية لأية نهضة عربية. ولكنها ليست شروطا كافية.
فيمكن أن تشمل المقاومة برامج غير ديموقراطية في بناء المجتمع بعد الاحتلال، وفكرا مذهبيا يفرق الأمة، ويشق وحدة الوطن، ويفرغ المواطنة من أي مضمون.
أما من يدعون طرح برامج تحررية وحدوية وديموقراطية للمجتمع، ويدّعون التحلي بالقيم العقلانية والمنهج العلمي، فلا يستطيعون تتميم الشروط الكافية وتكميل المقاومة من خارجها، كأن هنالك تيارات وظيفتها أن تقاوم وأخرى وظيفتها أن تنظِّر.
لا بد ان يتم التفاعل والتكامل الفكري من خلال المقاومة. ولذلك ففي البلدان التي تتعرض لاحتلال أجنبي مباشر لا يجوز للتيار القومي الديموقراطي أن يتغنى بالمقاومة من خارجها.
من ناحية أخرى يخطئ هذا التيار إذ يعود على مقولة وعرف »لا صوت يعلو فوق صوت« المقاومة. ويتجلى هذا الخطأ في شكلين رئيسيين: .١ تجنب أي نقاش مع اي تنظيم أو طرف مقاوم، مما يؤدي الى الاكتفاء بالتغني به وبإنجازاته دون نقاش يميز الفكر عن الفكر، ودون نشر مواقف من أخطاء ترتكبها المقاومة داخليا وخارجيا. .٢ السكوت عن كل من يدعم المقاومة ولو كان الدعم بالكلام فقط. إن الثقافة السياسية الكلامية التي تغفر حتى لمن يتآمر على المقاومة إذا صرح فقط تصريحا لصالحها، هي نفس الثقافة السياسية الني كانت تكتفي بالتزامات لفظية للوحدة العربية مانعة النقاش حول جوهر السلوك والسياسات الفعلية... إنها ثقافة تقع أسيرة صنمية اللفظ والشعار السياسي.
إن من يسمح أن يختزل نفسه من مقاوم الى متضامن مع المقاومة في بلد تحتل اراضيه لا يمكنه ان يحصد نتائجها، فهو لا يتصرف كتيار سياسي بل كأنه عبارة عن فرد لا يطرح برنامجا سياسيا للمجتمع. أما التيار السياسي في بلد محتلة أراضيه فلا يمكن ان يكون متضامنا فقط.
وكذلك فإن تيارا سياسيا في بلد لا يتعرض لاحتلال اجنبي وتتلخص مساهمته ضد الظلم في بلده بالتضامن مع المقاومة في بلد عربي آخر يتعرض للاحتلال الأجنبي، ولا يجسد »ثقافة المقاومة« هذه بمقاومة الظلم في بلده، مصيره ان يتواطأ مع الظلم في ذلك البلد. فهو يحول المقاومة الى تبرير لكي لا يناضل ضد النظام بل ليطالب النظام ان يدعم المقاومة ضد إسرائيل أو ضد اميركا. وهو يعلم ان النظام لا يعادي إسرائيل وأميركا، بل يتحالف معهما. وحتى لو دعم المقاومة لفظيا نظامٌ معاد لها بعد ابتزازه شعبيا أو نتيجة لحاجة لحظية لمسايرة المزاج الشعبي العام، فإن وظيفة التيار السياسي المقاوم هي فضح لفظية هذا الدعم وتناقضه مع الممارسة وليس التحجج به ليشعر بالشراكة مع النظام.
لم تعد مسألة الموقف من المقاومة مسألة ترف لدى قوى النهضة العربية، فأمامهم شارع يستخدم قناة التضامن مع مقاومة ضد الاحتلال الأجنبي لكي يعبر عن ضيق بالأوضاع السائدة، ولكنه لا يجد مشروعا سياسيا فكريا منظما يوجه هذه الطاقة الهائلة باتجاه تحرري. وقد آن الأوان للتفكير مليا بهذا التفاوت وسبل معالجته وطرح البديل الفكري السياسي في ظروف نضجت له.
([) نص المحاضرة التي ألقيت يوم ٢٥ تموز ٢٠٠٨ في بيروت بدعوة من المنتدى القومي العربي.
السفير – 30 يوليو 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro