English

 الكاتب:

من العربية

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ثورة يوليو وذكرى عبدالناصر: القائد المعلم
القسم : سياسي

| |
من العربية 2008-07-23 18:33:40


  بقلم: جعفر حبيب الخراز
تحل علينا ذكرى ثورة يوليو في ظل رحيل القائد المعلم الزعيم جمال عبدالناصر - رحمه الله وطيب ثراه - وامتنا العربية من المحيط إلى الخليج تعيش حالة من التشرذم لم يسبق لها مثيل.. حالة من التمزق وانحسار الحس الوطني.. حالة انقسامات عربية - عربية وكذلك داخلية، وخير دليل على ذلك ما حدث في (فلسطين).. فلسطين التي أحبها ودافع عنها هذا القائد بالجسد والروح ورحل وهو يدافع عنها..! تمر علينا ذكرى عبدالناصر والرئيس السوداني عمر البشير الرئيس الشرعي للسودان الشقيق تنصب له المكائد لمحاكمته وهو ما يؤكد حالة التشرذم والتفكك التي تعيشها الأمة العربية، تمر علينا الذكرى والعراق الحبيب بوابة العرب الشرقية مستباحاً من قبل الأمريكان وحلفائهم والصفويين يعيثون فيه فسادا.
تحل علينا هذه الذكرى في الوقت الذي يستمر فيه التناقض والتضارب في المواقف من جمال عبدالناصر، بين من هم معه وبين من هم ضده، لكنهم كلهم يلتقون عند حقيقة هي انه كان زعيما عربيا وإسلاميا بدون منازع طوال سنوات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. وزعامته تلك نبعت من قدرته على قيادة العمل العربي والإسلامي على مستوى الدول والقوى السياسية والحزبية كلها في تلك الحقبة وفي العالمين العربي والإسلامي، وفي جانب كبير على مستوى القارات الثلاث افريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية. مما لا شك فيه أن جمال عبدالناصر كان وسيبقى شخصية محورية في التاريخ العربي المعاصر، ودوره في صنع تاريخ المنطقة وأجزاء أخرى من العالم خلال سنوات حكمه، والأثر والأفكار التي تركها، لا يمكن نكرانها. ولكن القدر لم يمهل الرئيس جمال عبدالناصر ليشهد تحرير الأرض، ففي 28 أيلول عام 1970 رحل جمال عبدالناصر عن اثنين وخمسين عاماً.
رحل وهو يحاول إيقاف نزيف الدم بين الأشقاء في الأردن، وكانت هذه آخر إنجازات الزعيم جمال عبدالناصر على الصعيد العربي. ها هي ذكراه تمر علينا، وهو مازال محط تطلع من قوى سياسية وجماهيرية برغم محاولات طمس ذكره حتى ممن هم منه وجودا وعملا سياسيا. بل يكاد يبدو أن يكون هناك قصد وتخطيط لإبعاده كليا، وذلك عن طريق اختصار مرحلته في سلبيات يريدونها تبرر تجاهله وعدم القيام بأي محاولة لتكريمه، وهو من يستحق أكثر من تكريم عادي عن طريق تمثال أو جائزة باسمه أو إقامة مهرجان له، بل أن تكريمه يبدأ بالاقتراب منه لدراسته وتقديمه مجددا بما كانه من تميز وخصوصية. وحين أن نسمع كلام بعض الأصوات النكرة أو الأقلام النشاز في حق الزعيم المعلم نتذكر بعض ما قاله زعماء العالم وخصومه عنه، فقد قال عنه الرئيس (فيدل كاسترو).. قائد الثورة الكوبية «أن وفاة عبدالناصر خسارة فادحة للعالم وللحركة الثورية العربية في وقت تحاك من حولها مؤامرات الإمبريالية، لقد مات ثوري فذ من قادة القرن العشرين«. وقال عنه الرئيس الفرنسي السابق شارل ديجول «أن جمال عبدالناصر قدم لبلاده وللعالم العربي بأسره خدمات لا نظير لها بذكائه الثاقب وقوة إرادته وشجاعته الفريدة ذلك انه عبر مرحلة من التاريخ أقسى وأخطر من أي مرحلة أخرى.لم يتوقف عن النضال في سبيل شرف واستقلال وعظمة وطنه العربي والعالم بأسره«. وقال عنه مناحيم بيجن «أن وفاة عبدالناصر تعني وفاة عدو مر، أنه كان أخطر عدو لإسرائيل، أن إسرائيل لهذا السبب لا تستطيع أن تشارك في الحديث الذي يملأ العالم كله نحو عبدالناصر وقدرته وحكمته وزعامته«.
نعم لقد رحل عبدالناصر تاركاً خلفه قضايا وصراعات وإنجازات لم تحسم بعد، وفي جنازته سار عدة ملايين من أبناء الشعب المصري والعربي وقد أذهلت الجنازة الأعداء والأصدقاء على حد سواء، خرج الشعب المصري بالملايين لينعى نفسه قبل نعي عبدالناصر فقد كان الزعيم جمال عبدالناصر بكل ما له وما عليه حلماً لم يكتمل ومشروعاً قومياً عظيماً لم يكتمل أيضاً، كانت جنازته تعبيراً جياشاً عن حجم الكارثة التي ستحدث في الأيام المقبلة. رحل عبدالناصر ولم يكن حزبيا ولا مارس قيادة حزبية وكان بعيدا عن حركات التغيير السياسية أي الأحزاب والتنظيمات على تنوعها كما لم يقع في صيغ تنظيراتها التي استغرقت تلك الحركات والأحزاب نصف قرن من الزمن وأكثر لتحديد أداة التغيير: هل يجب أن تكون قومية أم طبقية؟ وعطل قادة تلك الحركات الهدف الذي هو حقوق الناس والجماهير بانتظار حسم نوع الأداة التي يجب الأخذ بها لتوفير تلك الحقوق. فكم مرة احتدم الجدل حول تحقيق العدالة: هل يتم على أساس قومي أم طبقي؟ تجاوز عبدالناصر جدل الثنائية ذاك، فلم يقتنع بتجميد حقوق الناس بانتظار حسم نوع الأداة وطبيعتها، ورفض حشر حقوق الناس في صيغة الأداة. انه فيما جسده وعمله كان متجاوزا لمرحلة التنوير التي بدت بدائية في وعيها للجماهير كأداة للتغيير، برغم إخلاص قادتها، كما كان متجاوزا لصيغ التثوير التي وعت أهمية الجماهير لكنها أرادت حشرها في الأطر الحزبية قومية كانت أم طبقية. بدا عبدالناصر وكأنه مختصر مفيد للمرحلتين، لكنه دون أن يقف عندهما بل تعداهما إلى المرحلة الجماهيرية، مؤكدا قيادته للجماهير أيا تكون قومية أو طبقية، ومؤكدا التزامه بقضاياها وبحقوقها في نوع من الواقعية المباشرة والملموسة. لكن عبدالناصر لم يستطع تحقيق الكثير مما التزم به من تلك الحقوق لأنه كان هو كذلك، ولم يكن من معه من قيادات وأطر مثله: راهن على الإخلاص للجماهير ولقضاياها فنجح في رهانه فكان قائدا لها على مدار عقدين من الزمن، محركا لها قوميا وطبقيا، مجسدا لآمالها في توفير حقوقها ومعبرا عن مشاعرها في الالتزام بقضاياها، فتأكدت بذلك مقولة جماهيريته. لكنه كان متميزا في إخلاصه للجماهير ذاك، لذا بقي لوحده في القمة والقيادة، فاقدا الوسيلة التنفيذية لتوفير حقوق تلك الجماهير. من هنا جاءت محدودية توفير تلك الحقوق.
قد يبدو تقديم عبدالناصر بهذه الصيغة وهذه الأهمية أمرا مستغربا هذه الأيام، ويكاد يبدو نابعا من مصلحة، خصوصا في وقت رجحت كفة الهجوم على عبدالناصر عربيا وإسلاميا وتخاذل مؤيدوه برغم انه وراء انطلاق ووجود معظمهم. وحتى إذا لم يوجد العامل الذاتي، إلا أن منتقدي عبدالناصر اجتزأوا حوادث ووقائع وأحيانا إشاعات وراحوا يحاسبون عبدالناصر عليها، فهناك من اختصر عبدالناصر عربيا في سلبيات حرب اليمن، ونسوا انه عربيا أيضا أنقذ لبنان من أزماته مرتين إن لم يكن أكثر: الأولى عام 1959 بعد انفتاح الأزمة اللبنانية عام 1958 بسبب توجه الغرب الأمريكي ومعه الأوروبي لتجديد حكم الرئيس اللبناني الأسبق كميل شمعون لإبقاء السياسة الغربية في لبنان، فنتج عن ذلك نزاع مسلح وحوادث دامية كان لعبدالناصر الدور الرئيسي في وقفها والمساعدة في مجيء عهد الرئيس اللبناني الأسبق اللواء فؤاد شهاب الذي كان يعتبر عهدا وطنيا لبنانيا وعربيا. وأما الأزمة الثانية فكانت مع المقاومة الفلسطينية، بعد أن نقلت حركة فتح عملها المسلح إلى لبنان عام 1968 سرا، فتطور الوضع لأن يصبح ذاك العمل المسلح علنيا ويتسبب بأزمة هددت سلامة لبنان، ولم يستطع إلا عبدالناصر معالجتها بما عرف بـ اتفاق القاهرة الذي جرى توقيعه برعايته رغم ما لكثيرين من ملاحظات عليه، لكنه اتفاق خدم لبنان والمقاومة معا. وكانت لعبدالناصر أدوار عربية كبيرة وكثيرة في كل قطر عربي، معظمها ايجابي على امتداد المنطقة العربية كلها: في الجزائر، وليبيا، والسودان، وصولا إلى العراق وسورية والأردن. حتى أن من الممكن القول أن المراحل السياسية الراهنة في المنطقة العربية مازالت نتاج مرحلته في مصر وخارجها. يوصف الشاعر نزار قباني كارثة فقدان القائد المعلم فيقول: «أنادي عليك أبا خالد وأعرف أني أنادي بواد../ وأعرف أنك لن تستجيب/ وأن الخوارق ليست تعاد..!« . تختلف وتتباين وجهات النظر حول جمال عبدالناصر، وأفكاره وسلوكه، وتأثيره على التاريخ العربي المعاصر، إذ يعتقد العديد أن العرب بحاجة الآن لقائد مثل جمال عبدالناصر لقربه من تطلعات الجماهير وآمالها في قراراته، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالقضية الأولى في العالم العربي، وهي القضية الفلسطينية. بينما يعتقد آخرون أن من أسباب التخلف والفشل العربي الفكر الناصري والقومي، وأن آثار أفكار جمال عبدالناصر لا تزال موجودة لليوم، وتؤثر بشكل سلبي، ويستند المناهضون لجمال عبدالناصر لأسباب هزيمة 1967، ولسياسة جمال عبدالناصر بالتعامل مع الأحزاب والجماعات الإسلامية في مصر أثناء حكمه، وسياسة التأميم للممتلكات التي تبناها.. معارك قاصمة خاضها هذا العملاق الأسمر المنحوت من طمي النيل حتى وجد نفسه حزينا.. فمات بالسكتة السياسية قبل أن يموت بالسكتة القلبية.. ولم يهدأ الأعداء بموته.. فقد راحوا يمثلون بسمعته.. وبدأت عملية الاغتيال الثاني له.. الاغتيال المعنوي لإزالة كل ما آمن به.. وما سعي جاهدا لتحقيقه.. ومنذ أن توفي وحتى الآن ومحاولات تحطيم شخصيته مستمرة.. فالزهور التي تنبت في الصخور يجب أن تسحق كاملة. كم نحن بحاجة إليك يا أبا خالد، لقد كنت خالدا في حياتك، وستبقى خالدا في قلب كل عربي حر وشريف إلى يوم يبعثون. 

 أخبار الخليج – 23 يوليو 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro