English

 الكاتب:

من العربية

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

دلال ورفاقها: نودعهم أم نستقبلهم
القسم : سياسي

| |
من العربية 2008-07-21 16:28:15



   بقلم: معن بشور
تودع بيروت وضاحيتها ومخيماتها اليوم، الاثنين، الشهيدة دلال المغربي ورفاقها الأبطال الممتدة حكايات استشهادهم على مدى عقود ثلاثة ونيف، بل الممتدة على مساحة الوطن العربي الكبير.
فهل نحن فعلاً نودع دلال ورفاقها البررة، أم نحن نستقبلهم من جديد، نستقبل معهم زمناً تعاون كثيرون على نفيه وإقصائه وانتزاعه من ذاكرتنا والوجدان، بل لنستقبل معهم أياماً كدنا نظن أنها لن تعود، وحلة كانت فيها الحدود تتهاوى ليس بين أبناء الأمة فقط، بل بينهم وبين أحلامهم الزاهية الجميلة التي كانت تزهر فينا كما كنا نزهر فيها.
ومن يستمع اليوم لسمير القنطار ولشقيقة دلال المغربي، وللأسرى المحررين الشامخين بإيمانهم وبسالتهم كافة، بل من يستمع لأبناء الأمة كلها يتحدثون عن »عملية الرضوان«، وعن المقاومة في لبنان، وعن قادتها الشهداء، وعن سيدها ومجاهديها، يتساءل: هل نحن أمام »حديث« فرّ من قيود الحاضر ـ وما أكثرها ـ ليعود إلى وهج الماضي مستمتعاً بدفئه، أم أننا أمام إرهاصات مستقبل آت زاخر بكل عناوين الإباء والكرامة والعنفوان، مستقبل يحمل معه ذلك الشعار الهادر: »ولى زمن الهزائم وجاء زمن الانتصارات« بل ينطوي في ثناياه على ذلك التحليل البسيط والعميق الذي كان يرى منذ زمن »محدودية القدرات الاستراتيجية لأعداء أمتنا رغم لا محدود قدراتهم التكتيكية على التدمير والقتل الجماعي.
قد يبدو الجواب على هذه التساؤلات اليوم أكثر سهولة منه في وقت سابق، ذلك أن ثقة الأمة بنفسها تزداد يوماً بعد يوم لا سيما مع اندحار المحتل في أيار ٢٠٠٠ عن جنوب لبنان، ومع اندحاره عام ٢٠٠٦ عن قطاع غزة، ومع تفاقم مأزق حلفائه في العراق والصومال وأفغانستان، ولكن هذا الجواب لم يكن بالسهولة ذاتها في مطلع التسعينيات في القرن الماضي.
كان كل شيء حولنا ينهار، القطب الدولي الآخر (الاتحاد السوفياتي) بدأ ينسحب من الميدان تاركاً للقطب الأميركي حرية التحكم بمصير العالم عموماً، ومنطقتنا خصوصاً، والقوة العراقية النامية، بعد التراجع في دور مصر الذي لا يعوّض، أخذت تخرج من ساحة الصراع بفعل حروب خارج جبهتها الرئيسية، وبفعل حصار غير مسبوق، ومؤتمر مدريد، ومن بعده الاتفاقات المشؤومة، يطل علينا كخشبة خلاص لأنظمتنا المنهكة فيما مهمته كانت أن يكون خشبة إعدام لتصفية حقوقنا، فيما يشتد الحصار على الانتفاضة الأولى، انتفاضة الحجارة، وهو حصار يشترك فيه عدو متوحش، وأنظمة موزعة بين التواطؤ والعجز والصمت، ونهج يحاول استعمال قطف الثمار في مظهره، فيما يخفي تعباً وترهلاً في جوهره.
ومع ذلك، كان هناك من يسبح عكس التيار، إما بالفكر أو بالموقف، أو بالكفاح والنضال والمقاومة وهو الأهم.
كان البعض حينها، وكان مهيمناً آنذاك في المنطقة كلها، يروج بكل الوسائل بأن عصر المقاومة قد ولى، وأن عصر العولمة ونظامها الشرق أوسطي هو قدر الأمة ولو أدى ذلك إلى القضاء على كل حقوقها، بل كان يقول في كل المنابر بأن بعض حركات المقاومة التي ما زالت تتحرك، لا سيما في لبنان وفلسطين، ليست إلا بقايا من زمن غابر، ومجرد جيوب لا بد من اندثارها خلال أسابيع وأشهر وقد حددوا لاندثارها مهلاً ومواعيد.
بالمقابل، كان البعض من أبناء الأمة وقادتها الأحرار، يعتقد أن ما نراه من فعل مقاومة، مهما بدا بسيطاً في بداياته هو براعم تتفتح ليملأ أريجها الأمة بأسرها، وأن هذا الفعل المقاوم ليس بقايا مرحلة غابرة بل هو طلائع مرحلة جديدة عابرة لكل الصعوبات والتحديات والعوائق، وإذا بدت السباحة عكس التيار صعبة في البداية، فإنها بعد حين تصبح رياضة فكرية وروحية ونفسية ممتعة قبل أن تكون رياضة جسدية.
كان هذا البعض يقول ويمارس قناعاته هذه، كان واثقاً من أن الظلام الحالك »سيتبدد كالأوهام«، وأن الأزمات المشتدة من حولنا الى انفراج، وان الكفاح المقرون بالإيمان والعلم والثبات على المبادئ هو جسر العبور مما يبدو مستحيلاً الى رحاب الممكن. بل كان هذا البعض يقول ويمارس بأننا نصبح قادرين بالمقاومة والوحدة لا على صناعة المستقبل فقط، بل على إعادة صياغة تاريخنا القريب والبعيد وقراءته بعد »تحريره« من كل المفاهيم والصور المغلوطة التي حاولوا إلصاقها به.
وهكذا نجد أنفسنا نتحدث عن استقبال جثامين دلال ورفاقها، وكأنهم عائدون من هجرة قسرية أو راجعون من سفر طويل، فنراهم شهداء وأحياء في آن، نعتز بشهادتهم ونفرح بهم ونحادثهم وكأنهم قد بعثوا أحياء مع عملية »الرضوان«.
فهل نحن بالفعل أمام شهيدة ذهبت ذات يوم إلى شاطئ نهاريا في فلسطين، لتغسل بمياهه العار الذي ألحقوه بأمتها، ولتغوص روحها في أعماقه، كما المحار، وليدفن جسدها في أرض قال مغتصبوها إن شعبها، وخصوصاً الأجيال الجديدة منه، ستنساها، فيكتشفون مع الزمن أن كل جيل من شباب فلسطين والأمة أكثر إصراراً على تحرير أرضه وأشد استعداداً للبذل والعطاء في سبيل التحرير من الجيل الذي سبقه.
وهذه الأجيال الجديدة لم تعد محصورة بأبناء فلسطين، داخل الوطن والشتات فحسب، بل امتدت لتشمل كل أبناء الأمة وأحرار العالم، فنرى دلال وقد اصطحبت في مشوارها الأول والأخير الى فلسطين شاباً من شمال لبنان كيحي سكاف، ونراها تعود إلى أهلها في بيروت وهي محمولة على أكتاف شهداء من جنوب لبنان، بل نرى اليوم كل هذه الجثامين الطاهرة ستتوزع غداً من بيروت إلى تونس والمغرب ومصر وليبيا واليمن والعراق والأردن والجزيرة العربية وسوريا فتعيد بدمائها رسم خارطة جديدة واحدة لوطن قديم أمعنوا فيه تقسيماً، والرسم هذه المرة بريشة المقاومة وبمداد شهدائها.
مع وداع دلال ورفاقها بعد ٣٠ عاماً على استشهادهم نشعر أكثر من أي وقت مضى، إن المقاومة في الأمة هي صاحبة مشروع استراتيجي لتحرير الأرض والدفاع عن الوطن، كما هي صاحبة مشروع نهوض حضاري يعيد بعث الماضي بروح العصر، ويسعى لمعالجة شروخ الحاضر وجراحه حتى يخرج منها معافى، موحداً، واعداً.
دلال... لن نقول لك ولرفاقك اليوم وداعاً، بل نقول إلى اللقاء غداً.السفير – 21 يوليو 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro