English

 الكاتب:

كاتب سياسي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

من هم الإرهابيون حقاً؟
القسم : سياسي

| |
كاتب سياسي 2008-07-15 18:17:39



   بقلم: عبدالهادي خلف

 
 أثار ما كتبتُه في الأسبوع الماضي تساؤلات عدة سوف أشير إلى بعضها. كيف تتسق الإشادة بالدور المقاوم لحزب الله مع الالتزام بالدعوة للاعنف؟ ألا يمكن اعتبار الزهو بانتصار المقاومة في لبنان بقيادة حزب الله في حرب تموز 2006 مشاركةً في الترويج لما يسمى في بعض إعلامنا الرسمي ''ثقافة الموت''؟ هل يندرج إحناء الرأس لذكرى الشهيدة دلال المغربي تحت عنوان ''ترويج فكر المقاومة'' الذي يتقزز منه بعض إعلامنا ومسؤولينا؟ وقبل هذا السؤال وذاك هل بلغ سوء حال وضعنا السياسي درجة اليأس بحيث ليس ثمة أمل في إصلاحه بأساليب المقاومة المدنية؟
لا أرى في الموقفيْن تنافياً. فحتى المهاتما غاندي، وهو من هو، لم يجد غضاضة في إعلان إنه يتفهم إضطرار الفلسطينيين في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي لاستخدام العنف في مواجهة التنسيق بين سلطات الانتداب البريطانية في فلسطين ومشاريع الاستيطان الصهيونية فيها. نعم كان المهاتما يدعو إلى الالتزام بأساليب النضال التي لا تتطلب اللجوء إلى العنف ولكنه لم يكن يدعو للاستكانة لإرادة الغاصب أو الظالم. فقد يتولد عن الاستسلام والاستكانة شرورٌ أكبر من الشرور التي قد تتولد عن العنف. وهذه فكرة يستعيدها عددٌ من الباحثين التقدميين في هذا الحقل. فلا توجد طريقة واحدة أو وصفة معتمدة للمفاضلة بين أساليب النضال العنفية واللاعنفية خارج إطار الوضع التاريخي المحدد. فلكل وضع أسئلته ولكل وضع إجاباته على تلك الأسئلة.
لم يكن العنف الثوري بمعناه التحريري والتقدمي ناجعاً على الدوام. وبالمقابل لم يكن اللاعنف أيضاً ناجعاً على الدوام. ليس ثمة طريق واحد للتحرير ولإنجاز مهمات نقل المجتمعات من واقعها المستضعف وغير العادل والمتخلف. فليس الأمر خياراً بين استراتيجيتيْن متنافيتين أي إما أن تكون استراتيجية حرب تحريرية شعبية أو أن تكون استراتيجية لشن مقاومة مدنية سلمية. فأغلب التجارب التاريخية الناجحة حتى لو غلب عليها أحد النهجين تؤكد أن نجاحها كان دائماً مشروطاً بقدرة القيادات على الربط بين استخدام النهجيْن.
وبهذا المعنى فإن العودة إلى مسيرة تحرير الجزائر أو فيتنام أو جنوب إفريقيا، على سبيل المثال، تشير إلى أن انتصار حركات التحرير فيها لم يكن ممكناً لولا امتلاك قياداتها القدرة الميدانية والذهنية على المزاوجة بين النهجين. ناهيك عن استعداد تلك القيادات للتخلي عن أحد النهجيْن تماماً حين تكون الظروف السائدة غير مؤاتية لاستخدامه. من جهة أخرى تُعلمنا الخبرات الغنية لحركات التحرير الجزائرية والفيتنامية والجنوب إفريقية أنه من غير العقلاني أن يتخلى المناضلون عن أيٍ من الخيارات الاستراتيجية المتوفرة لهم فعلاً أو المحتمل أن تتوفر لهم. بطبيعة الحال لم يكن قادة التجارب الناجحة في حركة التحرر الوطني العالمية هم الوحيدون الذين استوعبوا هذه الحقيقة. فلقد استوعبها أيضاَ أعداؤهم. ولعل هذا يفسر العنف الزائد الذي تستخدمه قوات الأمن في البلدان القمعية حين تتصدى لتظاهرة سلمية هنا أو لاعتصامٍ صغيرٍ هناك.
من أبرز الأمثلة الأخيرة على تلك التجارب التاريخية الناجحة التي أشير إليها هو الكفاح طويل الأمد الذي خاضته حركة التحرر الوطني في جنوب إفريقيا بقيادة المؤتمر الوطني الإفريقي، وهو كفاح امتد طوال الحكم الاستعماري واستمر بعد إقامة نظام الفصل العنصري. ومعلومٌ أن ذلك الكفاح زاوج بقدر كبير من الواقعية بين العملين المسلح والجماهيري. فالعبرة أن تجعل غريمك يألَم كما تألَم. العبرة هي أن توفر المقاومة، بأشكالها، احتمالات جدية لاستنزاف قدرات الغريم على إدامة الوضع على حاله. ولهذا ظل قادة المؤتمر الوطني الإفريقي وفي مقدمتهم المناضل نيسلون مانديلا حتى وهم في السجن يرفضون إدانة الكفاح المسلح. ولقد أدى إصرارهم على موقفهم المبدئي إلى أن تعتبرهم الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية إرهابيين. لم يصبح المناضلون إرهابيين في نظر قوى الغطرسة الغربية لمجرد لجوئهم إلى العنف بل بسبب الأهداف التي يناضلون من أجلها. ففي الوقت الذي كانت هذه الدول تعتبر مانديلا في سجنه إرهابياً كانت تفرش السجاد الأحمر وهي تستقبل قادة المجاهدين الأفغان وقادة الكونترا في نيكارغوا. ولعل هناك من بين قراء هذه الكلمات من يتذكر صورة الرئيس الأميركي ريغان وهو يستقبل في مكتبه في البيت الأبيض قادة الجهاد الأفغاني ويعلنهم أبطالاً في النضال من أجل مصالح العالم الحر. ومعلومٌ أن ريغان هو نفسه الرئيس الأميركي الذي وقع قرار اعتبار المناضل نيلسون مانديلاً إرهابياً. وهو القرار الذي ظل نافذاً حتى بعد أن خرج مانديلا من السجن وحصل على جائزة نوبل للسلام وأصبح رئيساً لبلاده.
في الأول من هذا الشهر وقع الرئيس الأميركي بوش قراراً بشطب اسم المناضل نيلسون مانديلا من قائمة ''الإرهابيين'' في العالم. بعد مرور أكثر من خمس عشرة سنة على حصوله على جائزة نوبل للسلام وبعد انتخابه رئيساً لدولة جنوب إفريقيا سيتمكن الآن مانديلا من دخول الولايات المتحدة الأميركية. إلا أن المبادرة بشطب اسم الرئيس مانديلا من تلك القائمة لم تأتِ من طرف الحكومة الأميركية نفسها. فلا أحد يتوقع مبادرة كهذه من إدارة يقف على قمتها شخص يعتبر سفاح صبرا وشاتيلا ارييل شارون مثالاً يُحُتذى به. وهي الإدارة التي وزيرة الخارجية فيها اعتبرت مجزرة ''قانا'' وغيرها من المجازر التي ارتكبتها إسرائيل في جنوب لبنان وفلسطين المحتلة ليست سوى آلام مخاض ولادة شرق أوسطها الجديد. ولقد كان محقاً عبدالعزيز المقالح حين كتب أن البعض سيرى في الموضوع ما يبعث على الضحك والسخرية[1]. فبقاء اسم المناضل الإفريقي والأممي الكبير في قائمة الإرهاب هو أمر يثير السخرية من عقول العقلية التي تحكم الولايات المتحدة الأميركية وتتحكم بالتالي في مصائر العالم برمته. إلا أن للخبر جانباً آخر أكثر مرارة. فهو يكشف بوضوح كما يقول المقالح كيف ''تستطيع القوة الغاشمة أن تشوّه الحقائق والناس وأن تواصل رؤيتها الظلامية تجاه حركات التحرر وقادة التحرر في أي مكان من الأرض وتحت مزاعم لا أساس لها من الصحة بقصد إرهاب المناضلين وإسكات كل صوت ينادي بالمقاومة المشروعة أو يبارك وجودها''.
[1] عبدالعزيز المقالح، ''مانديلا يخرج من القائمة الأميركية للإرهاب''، شبكة اعلام المرأة العربية، راجع الوصلة:
http://www.moheet.com/show_files.aspx?fid=144678&pg=2
- كاتب بحريني- أستاذ علم الاجتماع في جامعة (لوند) - السويد

الوقت – 15 يوليو 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro