English

 الكاتب:

عبدالنبي العكري

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

دروس هولندية للعرب-2
القسم : سياسي

| |
عبدالنبي العكري 2008-07-10 21:25:25


تعتبر الهجرة إلى هولندا ظاهرة تاريخية، ارتبطت أول ما ارتبطت بهجرة أبناء المستعمرات الهولندية مثل إندونيسيا وسيرنام وجنوب إفريقيا إلى جانب تجار من مختلف البلدان فقد كانت موانئ هولندا مثل أمستردام وروتردام من أشهر موانئ أوروبا. لكن الهجرة الكثيفة بدأت بعد الحرب العالمية الثانية مع إعادة البناء التي شهدتها أوروبا الغربية. ولقد شهدت هولندا ومازالت ازدهاراً اقتصادياً يتطلب المزيد من الأيدي العاملة، إضافة إلى ذلك هناك ظاهرة الشيخوخة في أوساط السكان ليس في هولندا وحدها بل في أوروبا عموماً، والناتجة عن ارتفاع في معدل الحياة، وبالتالي زيادة كبيرة في أعداد السكان كبار السن المتقاعدين.
وكما لخص لنا النائب الهولندي عن حزب الخضر المغربي الأصل توفيق ديبي، فإنه يمكن القول إن الهجرة إلى هولندا مرت بمراحل عدة وهي فتح سوق العمل في الستينيات والحق في لمِّ شمل العائلات المهاجرة في السبعينيات، وموجة اللجوء السياسي والإنساني في الثمانينيات، ثم رفع العديد من القيود على هجرة المهاجرين من أوروبا الشرقية في التسعينيات وأخيراً رفع القيود عنهم مع انضمام دول أوروبا الشرقية إلى الاتحاد الأوروبي.
وبالنسبة إلى جنسيات المهاجرين، فقد كان المهاجرون الأوائل من المستعمرات الهولندية السابقة، وفي الستينيات فإن معظمهم من تركيا والمغرب العربي، وبدءاً من التسعينيات فإن معظمهم من أوروبا الشرقية وخصوصاً بولندا.
من الناحية الإدارية فقد انتقلت مسئولية المهاجرين من وزارة الداخلية إلى وزارة العدل. ومن ناحية التشريعات فقد تطورت قوانين الهجرة والجنسية تدريجياً لتعزيز حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية وأخيراً السياسية حيث يمكن للمقيمين أن يصوتوا في المجالس المحلية.
أما القضية الكبرى فهي قضية الاندماج حيث هناك برامج تعليمية واجتماعية لدمج المهاجرين في المجتمع الهولندي مع حقهم في الحفاظ على خصائصهم ولغتهم.
ومن المهم التنويه إلى أن غالبية المهاجرين يحملون الجنسية الهولندية ويقدر عددهم بـ1.7 مليون من أصول غير أوروبية أي 4 في المئة من السكان.
يقدم كل من النائب توفيق ديبي من حزب الخضر، ووزير الدولة للاندماج الاجتماعي أحمد أبوطالب وعضو البرلمان الأوروبي عن حزب العمل أمينة بوزاكز نماذج ناجحة من الاندماج والتميز، فهؤلاء صعدوا في سلم العمل السياسي ضمن المجتمع الهولندي وليس استناداً إلى دينهم أو أصولهم.
وقد التقنيا خلال زيارتنا لهولندا شخصيات أكاديمية ورجال أعمال عرباً ومسلمين ناجحين، يعتزون بهويتهم المزدوجة كهولنديين وكعرب أو مسلمين.
-- المسلمون في بلد غربي مسيحي
من خلال حوارنا مع النائب توفيق ديبي ورئيس المنتدى صادق حرشو والإخوة في مجلس المسلمين في هولندا (المغربي محمد إدريس وراشد تونجا البوسني وتورجت التركي والمغربية الإدارية نورة سامي)، اكتشفنا هوة واسعة ما بين الصورة التي تنقلها أجهزة الإعلام العربية من اضطهاد المسلمين وخصوصاً العرب، وواقع التسامح والحقوق والحرية التي يتمتع بها المسلمون بمن فيهم العرب. ليس معنى ذلك أنه لا توجد مشكلات، ولكن يتوجب التعاطي مع هذه المشكلات في حجمها الطبيعي.
يقدر عدد المسلمين في هولندا بمليون، غالبيتهم من السنة وهم المهاجرون التقليديون من تركيا والمغرب العربي والقارة الهندية، أما الشيعة فهم أقلية وقد أتوا أساساً من العراق ولبنان وهناك أقلية أصغر وهي الأحمدية من القارة الهندية. إن دوافع الهجرة متنوعة، ولكن غالبيتها ذات دوافع اقتصادية. ومنذ السبعينيات فإن الهجرة تتخذ أيضاً دوافع سياسية حيث الهجرة هروباً من الاضطهاد والقمع في بلدان العالم الثالث، أو هروباً من الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة ومن ذلك العراق ولبنان والصومال.
وعلى رغم هذا التنوع العرقي والقومي والمذهبي، فإنه لا توجد انقسامات فيما بين مسلمي هولندا كما هو حادث في بلدانهم الأصلية، على رغم أن النزاعات المذهبية والعرقية في بلدانهم الأصلية تلقي بظلالها عليهم لذلك يتوجب معالجة الوضع بحكمة.
يقدم مجلس المسلمين في هولندا نموذجاً على هذا الاندماج فيما بين المسلمين والعرب، فقد وجدنا في قيادته العربي والتركي والبوسني والهولندي. والشيء ذاته وجدناه في وفد مؤسسة التعددية الثقافية للتنمية ورئيسها المغربي الأصل صادق حرشو الذي التقيناه على العشاء ويضم الجزائري الأصل، والهولندي المغربي، والتركي الأصل. من الطبيعي أن يشكل الوجود الكثيف للمهاجرين المسلمين والعرب وغيرهم وخصوصاً في المدن الكبرى إشكالات في المجتمع وخصوصاً أنه يترافق مع وجود نساء محجبات، ووجود مساجد، وصلاة الجمعة، ومطاعم الحلال وغير ذلك من مظاهر وسلوكيات تميز المهاجرين. كما أن الهجرة الكثيفة تحدث تناقضات في سوق العمل مع العمالة المواطنة.
لكن حدث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 شكل تحولاً سلبياً في نظرة الهولنديين إلى المسلمين والعرب، فحدثت هجمات على بعض المساجد والمراكز الإسلامية واعتداءات على المهاجرين من قبل شبان متطرفين، وكتابات عدائية على الجدران، وتهديدات بالقتل وغيره. وقد أسهم بعض المتطرفين في تسعير العداء ضد المهاجرين وخصوصاً المسلمين ومنهم المخرج السينمائي فان جوخ مخرج فيلم «فتنة» والمعلقة على الفيلم النائبة الصومالية الأصل حرسي. وكما نعلم فقد اغتيل فان جوخ على يد مهاجر مغربي، ما فاقم أجواء التوتر والريبة وتصوير المهاجرين المسلمين كمتطرفين قتلة يعادون الحرية. كما أن أحداثاً أخرى مثل رسوم الكاريكاتير الدنماركية المسيئة للرسول (ص) وتفجيرات لندن وباريس ومدريد وغيرها والتي خلقت شرخاً بين المهاجرين المسلمين والمواطنين الهولنديين الأصليين.
وأضحت قضية الهجرة والاندماج الاجتماعي والهوية والدين قضايا محورية لدى جميع الأحزاب التي التقينا ممثليها وهي: الاتحاد المسيحي، والخضر، والعمل، والديمقراطي المسيحي والاجتماعي الليبرالي، كما أنها أضحت الشغل الشاغل للصحافة والإعلام، ومراكز البحوث ومنظمات حقوق الإنسان. وهي ليست قضية هولندية فهي قضية أوروبية في ظل الاتحاد الأوروبي المتداخل في كل شيء حيث هناك ما يقرب من 25 مليون مسلم في أوروبا. ولا ننس أيضاً عوامل مثل الصراع العربي الإسرائيلي، والسياسة العدوانية الأميركية ضد العرب وإيران والتي تريد جرّ أوروبا وراءها، وازدياد الهوة بين الشمال الغني والجنوب الفقير.
وضعنا ممثلو المجلس الإسلامي في صورة الواقع الموضوعي للمسلمين في إطار النظام الديمقراطي والمجتمع التعددي بتأكيد ما يأتي:
1 - تعتبر حرية التعبير مقدسة ومن أعمدة النظام الديمقراطي، وهناك من يسيئون إلى حرية التعبير من المتطرفين من جميع الأطراف. وإذا كانت الإساءات الموجهة ضد المسلمين والإسلام معروفة، فإن هناك أئمة دين وغالبيتهم غير مواطنين لهم أطروحات تكفيرية ضد المجتمع الهولندي وحتى ضد مسلمي هولندا، كما أن بعضهم يروِّج للأطروحات الطائفية.
وذكروا لنا أن تعامل الدول العربية والإسلامية والقوى السياسية والجمهور عموماً والذي تميز بالهياج والمظاهرات العنيفة ودعوات المقاطعة، أضر كثيراً بقضية المسلمين في أوروبا، وأظهرهم كجسم غريب تابع لبلدانهم. والصحيح برأيهم هو ترك المسلمين ومنظماتهم في أوروبا للتعامل مع هذه الاعتداءات والإساءات، وأكدوا أن المتطرفين ضد المهاجرين أو الأجانب هم قلة. ومن ناحية أخرى فإن القضاء مفتوح لملاحقة من يثيرون الكراهية أو يمارسون التمييز.
2 - هناك حاجة ماسة إلى إعداد دعاة متنورين ومندمجين في المجتمع وقادرين ليس على مخاطبة المسلمين فقط بل غير المسلمين أيضاً. وبالفعل بدأ المجلس الإسلامي في إعداد هؤلاء من خلال التحاقهم ببرنامج الدراسات الإسلامية في بعض الجامعات ومنها جامعة لندن والجامعة الحرة، لكن هناك حاجة إلى أكاديميين إسلاميين لتدريب هؤلاء الدعاة وإعدادهم لممارسة مهماتهم.
3 - إن هناك نقصاً شديداً في وجود الإعلاميين والمثقفين والأكاديميين والفنانين المسلمين المنخرطين في الحياة الثقافية والإعلامية الهولندية، حيث إن غالبية المهاجرين هم من أصحاب الحرف والمهارات المتدنية.
4 - هناك تحد يواجه المسلمين في هولندا وأوروبا عموماً يتمثل في تأكيد الإسلام الحضاري السمح والمسلمين المندمجين مع غيرهم من مكونات السكان في جميع مناحي الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وذكر لنا تورجت، التركي الأصل، أنه وهو قيادي في المجلس الإسلامي عضو نشط في الحزب الديمقراطي المسيحي، ولا يجد تناقضاً في ذلك.
5 - هناك اتجاه بين المسلمين لتشكيل أحزاب إسلامية، وبالفعل فهناك أحزاب إسلامية محلية في مدن اوترخت وأمستردام ولاهاي، خاضت الانتخابات المحلية ولكل منها مندوب واحد في مجالس هذه المدن، كما أن الحزب الإسلامي الوحيد على النطاق الوطني (Islam den Party)، خاض الانتخابات النيابية في العام 2006 ولكنه لم يحصل إلا على 8 آلاف صوت، بينما يحتاج إلى 60 ألف صوت للحصول على نائب، فيما لا تقل أصوات المسلمين الانتخابية عن 350 ألف صوت.
وعلى رغم صوابية وجود أحزاب إسلامية محلية، فإن محاورينا يرون أن الأجدى هو الانخراط في الأحزاب الهولندية والتأثير في برامجها وسياساتها والدفع بتبنيها مرشحين مسلمين على لوائحها كما حدث لحزب الخضر.
6 - في إطار النظام التعليمي الرسمي الذي يعترف بالمدارس الدينية فإن هناك ما يقرب من 40 مدرسة إسلامية تتبع المنهاج الرسمي بالطبع، وتتلقى مساعدات من بعض الدول الخليجية، لكن التحدي برأيهم هو في المستوى الأكاديمي لهذه المدارس من خلال الحوار مع مسئولي الأحزاب والمجلس الإسلامي ومؤسسات المجتمع المدني، وهنا تظهر الحاجة إلى عدم ترك العلاقة مع الجالية الإسلامية ومؤسساتها في هولندا وأوروبا عامة، إلى الأجهزة الرسمية العربية والإسلامية، فهذه أثبتت فشلاً ذريعاً في فهم خصوصيات المسلمين في أوروبا أو المسلمين الأوروبيين، بل إن بعض الدول لا يهمها سوى أن تجيِّر مواقف القيادات الإسلامية والعربية في أوروبا لصالحها.
وعلى رغم ضعف مؤسسات المجتمع المدني في الوطن العربي والعالم الإسلامي عموماً وخصوصاً منظمات حقوق الإنسان، فقد نجحت في إقامة علاقات راقية مع مثيلاتها في أوروبا، ويمكن أن تشكل منظمات المهاجرين العرب والمسلمين في أوروبا ركائز مهمة لعلاقات حضارية بين أوروبا من ناحية والعرب والمسلمين من ناحية أخرى.
الوسط – 10 يوليو 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro