English

 الكاتب:

كاتب بحريني

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نجل المناضل البحريني عبدعلي العليوات يعود إلى الماضي متألماً
القسم : سياسي

| |
كاتب بحريني 2008-07-08 12:56:24



حينما زار جزيرة «سانت هيلانة» التي تبعد مسافة 1200 ميل عن شاطئ إفريقيا في السبعينيات، لم يكن يسعى إلى لقاء الوالد العزيز.. وقتئذ، كان الوالد راحلاً عن هذه الدنيا بأسرها وليس عن البلاد التي عشقها وناضل من أجلها فقط... كان أبعد بكثير عن مسافة آلاف أميال تفصل البحرين عن جزيرة سانت هيلانة... لكن السجن/البيت/المبنى الذي احتضنه مع اثنين من رفاقه مدة خمسة أعوام لايزال صامداً هناك... على رغم ما تلقى من أوجاع الزمن وتعاقب السنوات...
في المبنى المهجور، الذي كان سجناً أو بيتاً - سمه ما شئت فقد كان يا ما كان منفى بعيداً عن الوطن - لثلاثة من أشهر مناضلي البحرين وهم: عبدعلي العليوات، عبدالرحمن الباكر، وعبدالعزيز الشملان، كان عبق من رحلوا لايزال ماثلاً في الذاكرة... لم تتحدث الجدران... حتى مع وجود عبارات كتبت بلغة لا يعرفها عما تحمل من ذكريات... معذورة هي لأنها جمادات لها قساوة لا تلين... لكن الذكريات، باقية في النفس.
يتذكر نجل المناضل البحريني الحاج عبدعلي العليوات الكثير الكثير مما ترسخ في الوجدان من انتماء حقيقي لبلاد عزيزة اسمها البحرين... حتى منتصف الليلة التي جاء فيها الإنجليز لاعتقال والده، في يوم من أيام شهر ديسمبر/ كانون الأول من العام 1956، كان يتذكرها، وهل تنسى؟ يتذكرها عبدالكريم العليوات الذي كان عمره وقتها 26 عاماً. لقد كان الإنجليز يفتشون بيوت الجيران عند الساعة الثالثة من بعد منتصف الليل، وكأنهم لا يعرفون أين يقع بيت عبدعلي العليوات! استيقظ والدي مبكراً وارتدى ثيابه بعد أن علم بما يجري، وطلب مني أن أفتح الباب بدلاً من مرورهم على بيوت الجيران في هذا الوقت، فرفضت، وقلت: «لا أستطيع فتح الباب»... لكن، في الحوار التالي سنعرف المزيد:
سنبدأ الحوار، من مشهد مؤثر... ذلك المشهد الذي يمثل لمسة حنان الأم البحرينية، وكل أم، ولا أشك في أنه مؤثر لدرجة تجعلك تشعر برغبة في البكاء حين تتخيل ما تقوم به الأم؟ كيف؟ سنرى:
يعود محدثنا عبدالكريم العليوات المولود في العام 1929 بفريق المخارقة إلى طفولته حين بلغ سن التاسعة من العمر، وهي السن التي التحق فيها بالمرحلة الابتدائية في المدرسة الجعفرية بالمنامة، يقول: كان جدي من الأثرياء، لكن الزمن تغير فشحت يده، وتأثر نتيجة لذلك وضعنا المعيشي، وأتذكر أنني وإخوتي نخرج من البيت صباحاً متوجهين إلى المدرسة دون تناول طعام الإفطار، وكان والدي المناضل عبدعلي العليوات يخرج إلى السوق في ذلك الوقت ليدبر الأحوال، ويحضر بعض المال ويعطيه إلى والدتي فتقوم بدورها بتحضير طعام الإفطار لنا وتحضره إلى المدرسة وقت الفسحة حيث كانت تنتظرنا في مكان محدد اعتدنا عليه خارج المدرسة حيث نذهب إليها لنتناول الطعام.
كنا أطفالاً، والأطفال يعايشون الكثير من المشاهد الحياتية التي يمرون بها في محيط الأسرة والمجتمع... فيما بعد، عمل الوالد (رحمه الله) في بيع المواد الغذائية، وما هي إلا فترة من الزمن، حتى تحول للعمل في مجال تجارة الحديد، وكنت في ذلك الوقت أساعد والدي في العمل، وأتذكر أنه ذات مرة، استأجر باخرة من شركة «كانو» لتوريد ألف طن من الحديد وصل منها 800 طن، ولم يكن هناك متسع من الوقت لتحميل الشحنة، فطلب من الشركة تمديد فترة الاستئجار لكن الباخرة غادرت دون إكمال عملية إنزال الحمولة، وكانت هذه الحادثة بمثابة مشكلة، وخصوصاً على مستوى التمويل إذ إن البنك الذي كنا نتعامل معه لا يسلم المبلغ إلا بعد إنزال الشحنة لكن الباخرة غادرت، ولم نحصل وقتها على التمويل.
 
* هذه تجربة فريدة على ما يبدو بالنسبة لك... متى حدث ذلك، وماذا حدث بعد ذلك.. ماذا كان دورك؟
- هذه القصة حدثت في أوائل الأربعينيات، وقد بذلنا عدة محاولات، منها أنني توجهت إلى المملكة العربية السعودية لمقابلة المسئولين في بنك اسمه «أندوشيه» لطلب التمويل، لكن المحاولة لم تفلح، وفي ذلك الوقت، عملت في المحكمة وجمعت مبلغاً من المال وكنت متهيئاً لمتابعة موضوع الشحنة، فسافرت إلى بيروت وإلى بغداد أيضاً للتفاهم مع مكتب الشركة هناك، وأتذكر أن والدي لحق بي إلى العراق، لكنني في ذلك الوقت عدت إلى لبنان مرة أخرى، لكن النتيجة هي أن البضاعة شحنت إلى إيطاليا وتم تخزينها هناك باعتبار أن إيطاليا هي بلد المنشأ، ثم بيعت الشحنة بثمن بخس بعد أن ارتفعت رسوم تخزينها.
مرت الأيام وكبرنا، وأتذكر فترة صباي حيث كانت تربطني علاقة مع كل مني رسول وماجد الجشي حين كانا يعيشان في فريق «الحطب» المعروف باسم (كانو حالياً)، وارتبطت بهم بصداقة عمر... يقول مازحاً: «إلى أن أصبح ماجد وزيراً فتكبر علينا... يضحك... أما رسول الجشي فصداقتي معه بقيت حتى اليوم».
 
* يقال إنك توليت إدارة المكتبة العامة بالمنامة في سن مبكرة، هل هذا صحيح؟
- بعد المرحلة الابتدائية في المدرسة الجعفرية، التحقت بالمدرسة الشرقية التي كان موقعها مكان مخبز «حسن محمود» اليوم، وواصلت دراستي فيها، وكانت المدرسة الثانوية تقع أمامها في الطابق العلوي من المبنى المقابل وفيه تقع إدارة المعارف سابقاً أيضاً، وكانت هناك مكتبة عامة في الطابق الأول، فأنا أول بحريني يتم تعيينه أميناً عاماً للمكتبة في العام 1944 وكنت في ذلك الوقت ماأزال طالباً، ولكن المدير اقترح أن أكون أميناً عاماً وأداوم بالمكتبة فترة العصر، وكان مساعدي في ذلك الوقت الأخ خالد عبدالعزيز القصيبي، وكان إنساناً طيباً متعاوناً فعملت أميناً للمكتبة لمدة ثلاث سنوات، وبعدها تخرجت والتحقت بأعمال أخرى.
 
وفي العام 1950، أودع أخي المرحوم فيصل السجن لنشاطه السياسي، وفي فترة سجنه حاولت تأسيس مكتبة، وهي مكتبة الأندلس، وقد عملت على تأسيسها والعمل فيها إلى حين خروج أخي فيصل من السجن، وبالفعل، عملنا معاً المكتبة فترة من الزمان إلى أن توفي أخي فيصل وتحولت المكتبة إلى الشركة العربية للوكالات والتوزيع، وكان معنا رسول الجشي شريكاً، لكن بعد وفاة أخي فيصل بقيت الشركة العربية لي وحدي.
 
* جميل أن نعرف وضع التوزيع والنشر في تلك الفترة منكم شخصياً، فكيف كانت حركة التأليف والنشر، وما هي أكثر الكتب مبيعاً؟
- المكتبة كانت تستورد كتباً، حيث بدأ بعض الناشرين من دولة الكويت يتعاملون معنا لتوزيع بعض الكتب في سوق البحرين، ومن الكتب التي أتذكرها مثل «موت صاحب العظمة»، لمحمد عبدالملك وكتاب «أرض الشهداء» للمرحوم إبراهيم العريض وكذلك كتاب «البحرين عبر التاريخ» لإبراهيم عبدالكريم، وهناك الكثير من الكتب التي قمنا بتوزيعها لكنها لم تلقَ نجاحاً في ذلك الوقت لأسباب تعود إلى أن المكتبات لا تشتري إلا نوعية معينة من الكتب... يضحك... لم يشتروا شيئاً من عندنا! ومن المؤسف القول إن السبب كان يعود إلى الطائفية التي كانت تدور في خلد البعض.
لكن نشطت السوق بعد ذلك، فقد كنا نستورد الكتب من القاهرة وبيروت بمعدل مرتين في الأسبوع عن طريق الشحن الجوي بعد أن كثر الإقبال عليها، وأتذكر أننا كنا نستورد شحنة من 1000 نسخة من بعض الكتب فكانت تباع في الحال، وأشهرها ديوان شعر «حبيبتي» للأديب المرحوم نزار قباني، فقد بيعت منه نسخاً كثيراً.
 
* إذاً، كانت مرحلة الشباب مفعمة بالنشاط، ولكن ماذا عن العمل السياسي بالنسبة لك؟
- هكذا كانت فترة الشباب بالنسبة لي، وفي الحقيقة، أنا لم أشارك في أي نادٍ من الأندية، ولم أكن شغوفاً بالعمل السياسي حينها رغم أنني كنت أعايش انشغال الوالد بالحركة السياسية مع أصحابه في هيئة الاتحاد الوطني: عبدالرحمن الباكر، إبراهيم بن موسى، السيدعلي السيدإبراهيم كمال الدين، عبدالله أبوذيب، محسن التاجر، إبراهيم فخرو، وعبدالعزيز الشملان، وكان مجتمع البحرين في ذلك الوقت معروفاً بالتآلف والمحبة الحقيقية، لذلك، حين أطلت «فتنة» في أوائل الخمسينيات من قبل أناس مغرضين لإثارة الضغائن وتصنيف الناس بالتعاون مع الإنجليز، بدأت فكرة تأسيس الهيئة التنفيذية التي تحولت فيما بعد إلى هيئة الاتحاد الوطني بقيادة المجموعة المذكورة.
لقد اعترفت الحكومة بالهيئة بعد أن أصر المستشار تشارلز بلغريف على تغيير اسمها من الهيئة التنفيذية إلى هيئة الاتحاد الوطني، وقبل ذلك، كانت مجموعة المؤسسين قد اتفقت على عقد جمعية عمومية بين المواطنين سنة وشيعة، ففي شهر أكتوبر/ تشرين الأول من العام 1954 تم تأسيس الهيئة التنفيذية العليا في مأتم بن خميس في السنابس، كما عقدت في الشهر ذاته اجتماعاً في مسجد «مؤمن» بالمنامة، واجتماعاً آخر في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني عقدت الهيئة اجتماعاً في جامع العيد، فشقوا الطريق لوحدة الوطن، ولم تكن هناك أية فوارق، وقد خشيت الحكومة في ذلك الوقت من الهيئة، وكانت الهيئة تقدم مطالبها إلى المستشار بلغريف الذي يرفعها بدوره إلى الحكومة لكي ترفضها بإيعاز من دار الاعتماد البريطاني التي كانت الهيئة تقلق وجودها، واستمرت الحركة إلى العام 1956 حيث بدأت فترة مرحلة الاعتقالات، وعقدت محاكمة في 23 ديسمبر/ كانون الأول من العام 1956 صدر فيها حكم بنفي قادة الحركة ممن ألقي القبض عليهم وهم: عبدالرحمن الباكر، عبدالعزيز الشملان ووالدي الحاج عبدعلي العليوات إلى جزيرة سانت هيلانة لمدة 14 عاماً، فيما تم سجن كل من المناضل إبراهيم فخرو والمناضل إبراهيم بن موسى لمدة 10 سنوات في سجن جزيرة «جدا».
 
* لا يعرف الكثيرون ماذا حدث للمناضلين الثلاثة بعد «سانت هيلانة»... هل لك أن تخبرنا؟
- بقي المناضلون الثلاثة في جزيرة سانت هيلانة مدة خمس سنوات ثم عادوا إلى البلاد، وحسب ما أتذكر، فإن كل من المناضلين عبدالعزيز الشملان وعبدالرحمن الباكر غادرا إلى العاصمة البريطانية (لندن) لعدة أسابيع، ثم بقي الوالد والشملان في سورية في حين توجه الباكر إلى بيروت، وفي سورية، عشنا مع الوالد مدة ثلاث سنوات، وفي تلك الأثناء، تعرف على شخص اسمه مدحت الحاج سري، وكان عميداً في الجيش العراقي، وعرض على والدي العيش في العراق، وكان الحاج سري ذاته لاجئاً في سورية ثم سمح له بالعودة إلى العراق، لذلك اقترح على والدي السفر معه إلى العراق.
وتم الأمر بالفعل، فالوالد أخذ العائلة معه من سورية إلى العراق، ولكن في ذلك الوقت، كان اللاجئون هناك يحصلون على منح إعاشة من الحكومة السورية، وفيما بعد، حسبما أتذكر، قال البعض إن «هؤلاء ليسوا بعثيين فلماذا تمنحونهم منحاً للإعاشة؟»، وللأسف، كان هناك من هم من أقرب الناس إلى والدي ممن ساهموا في حرمانه من المنحة فاضطر للسفر إلى العراق، وهناك، حططنا الرحال مع والدنا كلاجئ سياسي وتعرف على الكثير من الناس في العراق، وحصل على منح إعاشة له ولنا، وبقي في العراق إلى أن اختاره الله في العام 1968 ودفن في مدينة النجف الأشرف.
 
«سنعود إلى الليلة التي تم فيها اعتقال والدي»... هذه المحطة لا يمكن أن تفارق مخيلة محدثنا، ففي الحلقة الماضية بدأ الحديث بمرحلة الطفولة، ومر بما مر من ذكريات الدراسة والعمل وصولاً إلى مرحلة الخمسينيات بكل ما فيها من تحولات مذهلة في المجتمع البحريني مع انطلاق حركة هيئة الاتحاد الوطني... أما في حلقة اليوم، فيعود محدثنا مرة أخرى إلى ليلة اعتقال المناضل الحاج عبدعلي العليوات إذ يقول: «كان هناك الكثير من الجنود الإنجليز يطوقون المنطقة بالكامل، واستيقظ الوالد من نومه قبل العادة لأنه كان يسمع جلبة تفتيش البيوت بيتاً بيتاً للبحث عن بيتنا، فاستيقظ ولبس ثيابه وطلب منا الخروج وفتح الباب للإشارة إلى بيتنا، لأن الوالد كان يرى أنه من غير المناسب أن يفتشوا بيوت الناس! فرفضت وأبلغته بأنهم إذا وصلوا إلى بيتنا سنفتح الباب.. هكذا كنت أفكر فقد كنت شاباً يافعاً كما قلت لك... المهم، أنهم جاءوا إلى بيتنا واعتقلوا الوالد وأعلنوا بعد ذلك أن (العليوات سلم نفسه)... كل ذلك جرى في توقيت الساعة الثالثة من بعد منتصف الليل.
بالمناسبة، أتذكر هنا موقفين بقيا في ذاكرتي، الأول، هو أن أحد الضباط الإنجليز رأى صندوقاً حديداً وأشار إليه قائلاً إنه سيأخذه! فقلت له إن هذا الصندوق يخص الوالد وكان لزاماً عليكم إبلاغه قبل أخذه حين كان موجوداً هنا من باب الاستئذان... ابتسم... وقال لي حينها: سنأخذ هذا الصندوق يعني سنأخذه، ولكنني قلت ذلك لكي نأخذه بأسلوب أخلاقي»!
 
والموقف الثاني؟
- الموقف الثاني، هو أن شخصاً بحرينياً، كان رفيع الشأن من دون شك، حضر مع الإنجليز الذي انشغلوا بتفتيش الغرف في الطابق الأرضي... ذلك الشخص خاطب الإنجليز بصدق قائلاً: «لا يوجد هنا سوى أطفال نائمون... ما الداعي لتفتيش الغرف هنا؟» وبناءً على قوله، ترك الإنجليز المنزل وغادروا... أريد أن أقول إنه في السابق، كان بعض زوار الليل من ذوي القلوب الرحيمة في هذه المواقف على الأقل.
 
سينتقل الحديث مع ابن المناضل البحريني المرحوم الحاج عبدعلي العليوات إلى مرحلة أخرى، فبعد أن تخلصت البحرين من الاحتلال البريطاني في 14 أغسطس/ آب من العام 1971، وبعد ذلك، كانت الحوادث تتوالى بظهور الدعوة الإيرانية لفرض السيادة على البلاد، لكن العلامة البارزة، هي أن البحرينيين رفضوا تلك الرغبات بشدة، وكشف استفتاء الأمم المتحدة الذي أشرف عليه ممثل الأمين العام لأمم المتحدة جينو سباردي موقف شيعة البحرين، والبحرينيين عموماً، ورغبتهم في الاستقلال تحت قيادة سمو الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه.
وفي العام 1972، أصدر سمو الأمير الراحل مرسوماً بقانون رقم (12) لسنة 1972 بشأن إنشاء مجلس تأسيسي لإعداد دستور للدولة. وجاء في مقدمة المرسوم أنه «رغبة منا في إرساء الحكم في البلاد على أسس قويمة من الديمقراطية والعدل، وفي ظل نظام دستوري برلماني يوطد حكم الشورى ويتفق مع ظروف البلاد وتراثها العربي والإسلامي، وبناء على ما عرضه مجلس الوزراء، وبعد موافقة مجلس الوزراء، رسمنا بالقانون الآتي... المادة الأولى... ينشأ مجلس تأسيسي لوضع مشروع دستور للبلاد».
انتخب البحرينيون 22 عضواً للمجلس التأسيسي المكلف بوضع الدستور، وعيّن الأمير 8 أعضاء وانضم إليهم 12 وزيراً بحكم مناصبهم (الغالبية للمنتخبين)، وانعقدت الجلسة الأولى لهذا المجلس يوم 16 ديسمبر/ كانون الأول 1972. وفي الثلاثين من الشهر نفسه أقر المجلس لائحته الداخلية وأصدرها ونشرها في الجريدة الرسمية، وأقر المجلس التأسيسي يوم 9 يونيو/ حزيران 1973 دستور (دولة البحرين آنذاك)، وصادق عليه الأمير يوم السادس من ديسمبر 1973 وتم نشره في الجريدة الرسمية واشتمل على 109 مواد.
 
يبدو أن المقام مناسب للحديث عن تجربتك مع المجلس التأسيسي... فكيف كانت البداية؟
الحديث الآن، في هذه المرحلة السياسية المهمة من تاريخ البلاد لمحدثنا عبدالكريم العليوات الذي دخل معترك العمل السياسي بالترشح للمجلس التأسيسي عن منطقة المخارقة أمام اثنين من المنافسين هما سعيد محمد جعفر ومترشح آخر من عائلة كازروني لا يتذكر اسمه، كما كان لكل من صديقيه رسول الجشي وكذلك المرحوم حميد العريض حظوة كبيرة، إذ فازا في الانتخابات وبدأت تجربة محدثنا في المجلس.
- دعني أدخل إلى التجربة من باب حفل عشاء... ففي إحدى الليالي، وبعد انتهاء الانتخابات، دعينا إلى العشاء في قصر القضيبية كوننا أعضاء مجلس تأسيسي، وحين ذهبنا إلى هناك، وجدنا أننا باعتبارنا أعضاء مجلس تأسيسي نجلس في آخر الطاولة! عدا الرئيس المرحوم إبراهيم العريض كان يجلس في أول الطاولة، وقد اعترضت على هذا الأمر ولم ألبِ الدعوة التالية لأنني رأيت أنه من غير المناسب أن نجلس نحن الممثلين عن الشعب في المؤخرة، وأتذكر أن الصحف كتبت في اليوم التالي عني: «تغيّب أحد أعضاء المجلس التأسيسي لأسباب بروتوكولية».
كانت المنافسة على رئاسة المجلس بين اثنين هما المرحومان إبراهيم العريض وعبدالعزيز الشملان، فأنا وبعض الأعضاء كنا نؤيد إبراهيم العريض حتى أن مندوب مجلة «الحوادث» سألني: «من تتوقع أن يكون رئيس المجلس؟»، فقلت: إبراهيم العريض، فقال لي إن هناك منافسة شديدة بين العريض والشملان، فقلت له: ومع وجود هذه المنافسة، فإن إبراهيم العريض سيفوز... وجاء كلامي في محله.
في بداية عمل المجلس، وبعد ستة أشهر، عرضت علينا الحكومة أن نتحول إلى مجلس نواب، وقد رفضنا كوننا مجلس تأسيسي أن نتحول الى مجلس نواب، لأن مجلس النواب يجب أن يكون مجلساً منتخباً بكامل أعضائه، ورفضنا الفكرة بالإجماع، وبقي المجلس التأسيسي يباشر عمله إلى أن أتينا إلى بعض المواد المثيرة للجدل: «هل البحرين دولة إسلامية كما نادت بعض الأصوات، أم أن البحرين دولة دينها الإسلام وتستمد أحكامها من القرآن الكريم كما ترى الحكومة؟».
 
* بمناسبة الحديث عن الجدل بشأن دين الدولة... هل زرت المرحوم الشيخ باقر العصفور وناقشت معه الأمر؟
- كنت في زيارة للمرحوم الشيخ باقر العصفور، طيب الله ثراه، في منزله الكائن بالقرب من مسجد مؤمن بالمنامة فسألني: «ما أخبار المجلس؟»، فأبلغته بأننا نعيش جدلاً بشأن دين الدولة وطرحت عليه الرأيين فقال: «لا يمكن أن تكون البحرين دولة إسلامية!»... استغربت من قوله وشعر بذلك فقال موضحاً: «أنا أقول لك، وأنا عالم دين أتقاضى راتباً من الحكومة، وأعرف أن راتبي من الجمارك، وجزءاً كبيراً من مدخول الجمارك هو من المشروبات الروحية، فما حيلة المضطر..؟».
 
*وماذا عن النقاش بينك وبين المرحوم عضو المجلس حسن المتوج؟
- اتصلت ببعض علماء الدين، وقلت لهم: «يا أصحاب الفضيلة ما رأيكم؟»، فقالوا لا يمكن أن تكون دولة إسلامية، وأتذكر أنني اتصلت برسول الجشي وأبلغته بما قاله بعض العلماء، كما اتصلت بأحد أعضاء الكتلة الدينية وهو المرحوم حسن المتوج، وناقشته في الموضوع مؤيداً فكرة أن تكون البحرين دولة دينها الإسلام وتستمد أحكامها من القرآن الكريم، فقال معارضاً: «لا يمكن... لابد أن تكون دولة إسلامية»، ونقلت إليه رأي أحد العلماء - لا أريد أن أذكر اسمه - فقال المرحوم المتوج: «أنا سأذهب إلى الرجل وأسأله»، فقلت له لنذهب، وكنت مطمئناً من جواب الرجل، وجئنا إلى العالم المذكور وذكرته بما قاله من إن البحرين لا يمكن أن تكون دولة إسلامية، وأخي المتوج يقول شيئاً آخر أنت قلته له؟!... وقتها تراجع الرجل وقال: «المسألة فيها وجهة نظر»، واختلف رأيه بعد ذلك، وهو على أية حال لم يكن عضواً معنا في المجلس... كان معنا الشيخ عيسى قاسم، والمرحوم عبدالله المدني، وكان المرحوم المدني متفاهماً مع الجميع حقيقة.
 
* يقال إن الوزير المرحوم يوسف الشيراوي تحداكم في تمرير «مخصصات الأمير» وكسب التحدي.
- من الموضوعات المثيرة للجدل مخصصات الأمير، فكانت الحكومة تدفع في اتجاه الموافقة على المخصصات، وكنا نرفض، فماذا فعلنا؟ اجتمعنا في منزل الأخ جاسم مراد لمناقشة الموضوع والإصرار على رفض إقرار المخصصات، وفي تلك الأثناء، كان المرحوم يوسف الشيراوي يقول واثقاً: «ستوافقون على موازنة الأمير كما تريد الحكومة»، فقلت له: «لن نوافق»... المهم، اجتمعنا لكي نقرر ووجدنا أنفسنا أكثرية وأننا سنتغلب وسيكون لنا الصوت الأول... بحثنا الموضوع من كل جوانبه استعداداً للجلسة... وحضرنا الجلسة فطرحت الحكومة رأيها، وطرح المعارضون رأيهم الذي كان الأفضل بالنسبة إلي... ففوجئنا بأن غالبية الأعضاء صوتوا مع الحكومة عدا ثلاثة أعضاء هم: علي الصالح ورسول الجشي وأنا... وبعد الجلسة جاء الشيراوي وقال: «ألم أقل لكم أنكم ستصوتون مع الحكومة؟».
(يضحك)... كان هناك في المجلس ثلاث كتل رئيسية: الدينية، والحزبية كما اسميها، والثالثة محايدة، وكان أعضاء الكتلة المحايدة يلتقون مع الحزبية حيناً والدينية حيناً آخر... (يعود ليضحك)... في إحدى الجلسات، انسحبت الكتلة الدينية فانسحب معهم أحد الأعضاء ولم يكن من الكتلة أصلاً! سألناه بعد ذلك: «لماذا انسحبت مع الكتلة الدينية؟ فقال، انسحبت معهم لأنني كنت على موعد مع صديقتي وحتى لا يفوتني الموعد، قررت الانسحاب... هكذا قال.
ومن باب المواقف الطريفة، كان يجلس بقربي أحد الأعضاء في الجلسة لا أريد أن أذكر اسمه... وكنت أدون ملاحظاتي التي تتعلق بسير المناقشات في ورقة، وتفاجأت بأنه كان يقرأ ما أكتب من ملاحظات ثم يطلب الحديث ويسبقني في طرح الملاحظات التي أدونها... هذا جزء من التجربة (يبتسم).
 
* وماذا بعد فترة انتخاب وحل المجلس الوطني؟
- بعد حل المجلس التأسيسي وانتخاب المجلس الوطني في العام 1973، دخلت البلاد مرحلة جديدة من العمل السياسي، ولكنني شخصياً أعتقد أننا قمنا بواجبنا... وأعود لأقول إننا كنا نعمل لصالح البحرين، قيادة وحكومة وشعباً... سواء تركز حديثي على فترة النضال التي قادها رموز النضال في البلد وحملوا أمانة الدفاع عن بلادهم والنضال من أجلها... أو الكيفية التي كانت تسير عليها حياة الناس في البحرين إلى قبل حل المجلس الوطني في العام 1975 ودخول البلاد في مرحلة قانون «أمن الدولة».
في ذاكرتي الكثير من المواقف التي لا أنساها بعيداً عن كل هذه الضجيج السياسي... سأعود إلى العام 1948 إذ عينت أول مدير لسينما البحرين وكان موقعها في الحورة، وكان مساعدي الشيخ عبدالعزيز بن جابر آل خليفة، وكان إنساناً طيباً في الحقيقة كما عرفته، تلك السينما كانت مملوكة إلى الشيخ علي بن أحمد آل خليفة وأسسها في العام 1948 وكنت في وقتها أعمل في المحكمة، قبل أن أنتقل لإدارة السينما.. كان الشيخ علي طيب الأخلاق، حتى بعد مرور سنين... فقد التقيته في حفل العشاء الذي أقيم بعد الانتخابات في قصر القضيبية، وكان البعض يقدم إلي التهنئة بالفوز في الانتخابات، وكان هو يرد على المهنئين: «هذا ولدي».
في حقبة الخمسينيات، ارتبطت بصداقة مع الشيخ مبارك بن حمود آل خليفة، يستدرك ليقول: «انظر، حتى أبناء العائلة الحاكمة كانوا قريبين من الناس. سافرت معه إلى سورية والعراق ولبنان بالباخرة، وكنا نسكن درجة ثانية، وفي الليل، كانوا يرفعون الأسرّة إلى أعلى السفينة، وكان صديقي الشيخ مبارك إذا جلس من النوم لشرب الماء، فإنه كان يشرب ويملأ لي كأساً آخر مع أنني نائم، فكان يوقظني من النوم لأشرب الماء».
 
هذا اللقاء الطويل قارب على نهايته، ولا أستطيع أن أعبر لك عن شكري، وخصوصاً وأنت في وضع صحي متعب... لكن، وأخيراً، كيف تنظر إلى التجربة البرلمانية الحالية؟
- العمل النيابي اليوم سيئ للغاية، ووضعنا في الحقيقة من سيئ إلى أسوأ، والسبب في ذلك هو تغيير الدستور، لأن الدستور السابق أقره أناس منتخبون أما الدستور الجديد فهو جاهز ووافق عليه غالبية الشعب، وهذا ما أدى إلى وصول أناس إلى قبة البرلمان ممن هم غير قادرين على التعاطي مع قضايا البلد، ولا أعتقد أنه ستكون لدينا ديمقراطية محترمة لأنها أقفلت، وأرى أن التكاتف بين جميع المواطنين هو المطلوب، وخصوصاً ونحن نعيش مرحلة مهمة بمشروع إصلاحي لجلالة العاهل، فالفرص لاتزال قائمة لتقويم مسار التجربة والقضاء على كل ما يعكر صفو المواطن في هذا البلد.
يصمت لحظة، ليقول: «النضال، كان من أجل البلد وشعبه وقيادته لا غير... البحرين كلها أسرة واحدة لكننا في حاجة إلى شعارات حقيقية للمصلحة العليا بين الحاكم والمحكوم... مما يجول في ذاكرتي، أن البعض كان ينقل بعض المواقف التي عرفها عن الوالد... فيشير أحدهم إلى أنه عرف عن والد موقفاً لا يعلمه الكثيرون، وهو أن إحدى الشخصيات الكبيرة عرضت عليه القيام بانقلاب على الحاكم على أن يتم تولية تلك الشخصية في الحكم، لكن الوالد رفض بشدة هذا الأمر ورده على قائله... فيما سمعت من آخرين، أن البعض كان يناقش الوالد في أمر تحويل نظام الحكم إلى جمهورية، وهو الأمر، والعهدة على الراوي، الذي رفضه المناضل عبدعلي العليوات بشدة أيضاً... ولا أعلم ما إذا كانت هذه الروايات صحيحة أم لا، لكن الذي أعلمه جيداً هو أن المناضل عبدعلي العليوات، عاش ومضى ابناً باراً للبحرين ماضيها، وحاضرها ومستقبلها».

بقلم: سعيد محمد

الوسط – 7 و 8 يوليو 2008

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro