English

 الكاتب:

عبدالله جناحي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

سوسيولوجيا الفن‮ (‬2‮)‬ حب الفن والطبقات الاجتماعية
القسم : ثقافة و أدب

| |
عبدالله جناحي 2008-06-21 13:34:37



أغلب أشكال سوسيولوجيا الفن تركز على المجموعة الاجتماعية المحيطة بالقطعة الفنية‮. ‬ولا تتعامل معها كطبيعة ذاتية منفصلة‮. ‬أي‮ ‬أن صفة الفن في‮ ‬هذا الميدان العملي‮ ‬لا تكون محايدة أبداً،‮ ‬بل هي‮ ‬مكبلة بالسياسة حتى لو أدعت بعض الأطراف بأن القطعة الفنية توجد في‮ ‬مكان أرفع أو ما وراء المجتمع وأسمى من الواقع،‮ ‬مؤكداً‮ ‬على أن المرء عليه أن‮ ‬يدرك دائماً‮ ‬بأن الشيء لم‮ ‬يعد‮ »‬فناً‮« ‬إلا لأن مجموعة من الأشخاص أو الجماعات ذات النفوذ قد عرفته على أنه كذلك‮.‬ لندخل في‮ ‬بعض التفاصيل،‮ ‬فعلى سبيل المثال‮ ‬يطرح عالم الاجتماع المعرفي‮ ‬كارل مانهايم ومن المنظور الماركسي‮ ‬بأن في‮ ‬المجتمعات التي‮ ‬يوجد فيها تمييز طبقي‮ ‬بين الحكام والمحكومين،‮ ‬فأن الثقافة تنقسم على النسق نفسه وستكون هناك ثقافة للطبقة الحاكمة توصف بأنها‮ »‬عليا‮« ‬وثقافة للطبقات الدنيا توصف بأنها‮ »‬أدنى‮«.

‬ولذا فأن القطع الثقافية التي‮ ‬ينتجها الأفراد من الطبقة الدنيا سينظر إليها على إنها ذات قيمة ضئيلة نسبياً،‮ ‬وهكذا فأن قيمة‮ »‬الفن‮« ‬حسب هذا المنظور تكون شديدة الصلة بذوق وتفضيلات المجموعات الاجتماعية سواء كانت طبقات اجتماعية أو جماعات أثنية كما حدث لدى بعض المثقفين الأمريكيين من ذوي‮ ‬الأصول الأفريقية الذين اعتبروا الأعمال العظيمة في‮ ‬الأدب مرتبطة قيمتها بالمركزية الأوروبية وليست تصويراً‮ ‬محايداً‮.‬

في‮ ‬دراسة لنوربرت إليس حول الموسيقار‮ »‬موتسارت‮« ‬أكدت على أن الشبكات الاجتماعية المعقدة والمتداخلة للسلطة والتأثير التي‮ ‬كان الموسيقار مطوقاً‮ ‬بها كان‮ ‬يتعين عليه في‮ ‬الغالب إنتاج موسيقى مبهجة للأفراد الذين كلفوه بإنتاج الموسيقى وليس إبداع ما كان‮ ‬يريده في‮ ‬قرارة نفسه‮.‬ غير أنه من الأهمية التوضيح بأن هذه الرؤية الاجتماعية للفن لم‮ ‬يقصد بها التعامل الجامد للتقليد الماركسي‮ ‬الذي‮ ‬يرى في‮ ‬الأعمال الفنية نتاج الحالة المادية للمجتمع في‮ ‬مرحلة زمنية معينة،‮ ‬أو ما سمي‮ ‬في‮ ‬أدبيات الماركسية بالبناء التحتي‮ ‬الاجتماعي‮ ‬الاقتصادي‮ ‬للمجتمع الغربي‮ ‬الذي‮ ‬يشكل طبيعة‮ »‬البناء الفوقي‮« ‬أي‮ ‬البنية الثقافية لذلك المجتمع،‮ ‬وهي‮ ‬رؤية تركز على الطبيعة الإيديولوجية للأعمال الفنية،‮ ‬وبالتالي‮ ‬ترى بأن هذه الايدولوجيا السائدة والتي‮ ‬هي‮ ‬نتاج تفكير الطبقات الاجتماعية الخالقة لهذه الأعمال الفنية‮.

‬ أن مثل هذه الرؤية الماركسية تحمل مشاكلها معها،‮ ‬فلا‮ ‬يمكن القول بأن العمل الفني‮ ‬هو تعبير تلقائي‮ ‬عن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية،‮ ‬وبالتالي‮ ‬تجاهل أداء المبدع وخصوصية التعامل معه باعتباره بوقاً‮ ‬لإيديولوجية معينة وتجاهلا لوجود نوع من الاستقلالية للمبدع عن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية أو لنقل على الأقل‮ ‬غير خاضع لها بشكل مباشر‮.‬

ولقد تنبه المفكر الماركسي‮ ‬والمحلل الفني‮ ‬الهنغاري‮ »‬لوكاتش‮« ‬لهذه الإشكالية حيث رأى أن القاعدة المادية لا تنتج البنية الفوقية الثقافية مباشرة بل هناك سلسلة معقدة من العلاقات،‮ ‬بل أن البنية الاقتصادية والاجتماعية هي‮ ‬بحد ذاتها تتأثر بشكل‮ ‬غير مباشر بطبيعة‮ »‬الثقافة‮« ‬وبدلاً‮ ‬من ربط هذه العلاقات بالسببية المباشرة بين أجزاء المجتمع استخدام مصطلح‮ »‬الوسائط‮« ‬أي‮ ‬العلاقات‮ ‬غير المباشرة‮.‬

قدم كل من الفيلسوف هربرت سبنسر وإيميل دوركايم رؤية مستجدة حيث أعتبر أن تطور الحداثة قد أدى إلى تطور أنظمة فرعية أكثر تخصصا كل منها مؤسسة تدور حول نشاط مركزي،‮ ‬وهذا عكس العصور الوسطى التي‮ ‬لم تكن هناك مؤسسة مستقلة تدعى‮ »‬الفن‮« ‬وإنما كان مجال الإنتاج الثقافي‮ ‬مرتبطاً‮ ‬مع بقية المجالات الثقافية،‮ ‬خصوصاً‮ ‬الدينية،‮ ‬أي‮ ‬أن معظم الأعمال الفنية قد أنتجت لأغراض دينية،‮ ‬في‮ ‬حين في‮ ‬العصر الحديث أصبح للفن مؤسساته المستقلة‮.‬ نختتم مقالنا هذا بأطروحة‮ »‬بورديو‮« ‬كأحد العلماء المرموقين في‮ ‬سوسيولوجيا الفن والذي‮ ‬نفذ مشروع سماه‮ »‬بحب الفن‮« ‬وهو مسح إحصائي‮ ‬لتعدد الإقبال على صالات الفنون الأوروبية والمحددات الاجتماعية والتاريخية وراء دوافع الطبقات الاجتماعية المختلفة لزيارة هذه الصالات ومن ثم تقدير الفن والثقافة‮. ‬ووصل إلى نتيجة خلاصتها بأن الأعمال الفنية تحمل رسائل تتطلب معرفة مسبقة للشفرة الملائمة لحلها أو تفسيرها بشكل وافٍ‮.‬

وأظهرت الدراسة بأن تردد أفراد الطبقة العاملة أو المنحدرين من أصول ريفية على قاعات الفنون أقل إحصائياً‮ ‬لأنهم‮ ‬يفتقرون إلى‮ »‬الشفرة‮« ‬المطلوبة والتي‮ ‬يتمكنون بها من تفسير معاني‮ ‬الأعمال الفنية‮ »‬التشكيل أو الموسيقى أو‮ ‬غيرها‮« ‬ويحلل هذه الظاهرة من بعدها الاجتماعي‮ ‬والاقتصادي‮ ‬حيث‮ ‬يرى بأن سبب ذلك أن هذه الطبقات الاجتماعية الكادحة لم‮ ‬يتلق أبناؤها سوى قدر ضئيل بل ومنعدم من التعليم النظامي‮ ‬لمبادئ تذوق الفن،‮ ‬فالمدارس كانت تتخلى عن مسؤولياتها وتفشل في‮ ‬تزويد كل تلامذتها بالأدوات الضرورية التي‮ ‬تمكنكم جميعاً‮ ‬من فهم‮ »‬الفن‮« ‬أما البرجوازيون أو الارستقراطيون فقد ولدوا في‮ ‬وسط اجتماعي‮ ‬متعلم ومثقف ولقوا منذ طفولتهم المبكرة تشجيعاً‮ ‬على زيارة المسارح وقاعات الفنون والمتاحف‮.‬ وكذلك أوضح كتاب‮ »‬حب الفن‮« ‬بأنه حتى لو أزيلت الحواجز الاقتصادية والجغرافية المثبطة لزيارة الصالات الفنية من خلال تخفيض سعر التذاكر أو جعله مجانياً‮ ‬وتوفير المواصلات وغيرها فإن تذوق الفن‮ ‬يظل محصوراً‮ ‬اجتماعياً‮ ‬في‮ ‬نطاق ضيق‮.‬

وحتى لا نظلم هذا العالم الاجتماعي‮ ‬فإننا لابد أن نوضح بأنه قد رفض القراءة الأحادية للأعمال الفنية،‮ ‬بمعنى رفض القراءة الداخلية للأعمال الفنية التي‮ ‬تكتسب معناها وقيمتها من أنها تتجاوز الظروف التاريخية التي‮ ‬انتجتها،‮ ‬كما‮ ‬يرفض القراءة الخارجية التي‮ ‬تختزل نشأة العمل الفني‮ ‬في‮ ‬الأصل الاجتماعي‮ ‬والطبقي‮ ‬لصانعه،‮ ‬بل‮ ‬يرى بأن العمل الفني‮ ‬هو تعبير وحيد عن عبقرية فنية وليس فقط انعكاسا للأصل الاجتماعي‮. ‬




صحيفة الأيام
Saturday, June 21, 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro