English

 الكاتب:

قاسم حداد

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

موهبة ابتكار العدو
القسم : ثقافة و أدب

| |
قاسم حداد 2008-06-19 10:16:28



1
كلما انشغلتَ بابتكار عدوك اليومي، انصرفتَ عن عملك، وصارت حياتك، هدراً مجانياً، ذاهباً عكس الإنتاج والنماء.

2
الموهوبون في ابتكار الأعداء هم أكثر الناس غربة عن العمل. العمل بالمعنى الجميل للحياة. فالكاتب يتحقق بالكتابة، بالنص، وليس بالكلام عليه.

3
ثمة من لا يقدر على العيش من دون عدو، كأنما العدو هو قرين الوقت لديه. لا يفعل شيئاً إلا صدوراً من العدو أو وهمه، وغالباً العدو.. ووهمه.
ثمة من لا صنيع له إلا سعياً نحو عدو يجري إنتاجه، ليكون معادلاً موضوعياً لوجوده. كأنه لا يقدر على وجودٍ إلا بوجود قرين عدوٍ ما.

4
تلك هي موهبة لا يستهان بها، ليس لضرورتها، لكن لدرجة ضررها على بنية الحياة. ولفرط خطر العدو، حاضراً أو غائباً.

5
لن تفاجئنا تلك المصادفة التي جعلت كلمة «شيطان» في اللغة العبرانية تعني «العدو»، حتى لكأننا نرى في الصلة دلالة القول إن الإنسان لا يستوي عيشه من غير «شيطانه».

6
تلك هي الموهبة الفاجرة التي سوف تقدر دائماً على صرف الإنسان عن دوره الطبيعي في هذا الكون، وهو إنتاج الحياة. ولنا أن نتخيل إنساناً لا يستقر له قرار إلا وهو في ورشة دائمة للبحث عن عدو، حتى إذا لم يجده نشأ في ابتكاره، أو سارع إلى التحاجز مع نفسه ذاتها، بوصفها العدو المحتمل.
أي مقدار من الطاقة الإنسانية يمكن أن يهدر في هذا الشأن.

7
وفي النقيض من هذا، أليس ثمة أمل وجمال في العناية بالبحث عن صديق يؤنس الوحشة في كونٍ سادر في الاتساع واللانهائية؟

8
كنت أفكر في هذه المسألة، فيما أرى إلى شريط حياة مثقف عربي كثيف التجربة، غني الخبرة. كأن هذا المثقف لم ينجح طوال سنواته الطويلة في خلق شيء حقيقي مثلما نجح في البحث، بلا هوادة، عن الأعداء، أو ابتكارهم، أو توهمهم، وبالتالي صياغة جميع مشروعاته وبرامجه بناء على هذا العدو الماثل، أو العدو الوشيك.

9
هذا الأمر سيجعل كل مشروعات المثقف بمثابة ردود فعل في هامش العمل والإنتاج الإبداعي الصادر عن الداخل الإنساني للكائن، ما يجعله مشغولاً، وبالتالي مفصولاً، عن مهماته الكونية الآخذة في التعاظم والتنوع والتعقيد، مهماتٌ لا أحد يقدر على التصدي لها نيابة عنه، كمثقف كونيّ، متحرر من سلطاته، هذا المثقف الصادر بأفعاله الأصيلة، لا المتوهمة، فليس من الحكمة الذهاب إلى العالم بوهم العدو، ففي هذا تأكيدٌ على إخفاقنا الفادح في العثور على صديق محتمل، يؤنس وحشتنا الكونية.

10
هل ثمة ما يدفعنا لتأمل التجربة الدائمة التي تجعلنا ضحية مستمرة لضرورة العدو،
هل نحن سادة الخسارة الدائمة،
هل لدينا من الوقت ما يكفي للالتفات إلى إنتاج النص، بدل الكلام عنه، والكلام عليه،
وأين الأفق الذي يأخذنا إلى صديق كونيّ،
يساعدنا على تفادي العدو اليومي؟

 

 

صحيفة الوقت
Thursday, June 19, 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro