English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

أتاكَ الربيعُ الطلْقُ يختالُ ضاحكاً
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2008-06-10 08:22:15



تحت هذه الكلمات التي افتتح بها أبو تمام قصيدته المشهورة كتب أحمد عبدالمعطي حجازي مقالاً تعرض فيه للفرق بين الربيع في بلدان مختلفة [1]. فالربيع كما يقول ليس مجرد زمان يمر وإنما هو زمان ومكان. بل إن طبيعته التي تختلف من بلد إلى آخر تفرض على أهل كل بلد أسلوباً خاصاً في الحياة وتنتج وعياً بالعالم وثقافة تتأثر بالواقع وتؤثر فيه. فربيع البلاد الغنية بالأمطار يختلف عن ربيع البلاد التي لا تعرف المطر إلا في أصيافٍ متباعدة. ولهذا، يقول حجازي، فمن المنطقي «أن يكون ربيع مصر مرتبطاً بالنيل وخاصة بالفيضان الذي يغمر أرض الوادي في شهور الصيف. ثم ينحسر عنها ليبدأ موسم البذار في الشتاء فتخضر مصر وتزهر وتثمر. من هنا لم تكن فصول السنة في مصر القديمة أربعة فصول كما هي الآن عندنا وعند غيرنا من البلاد التي نقلت عن الأوروبيين تقويمهم، وإنما هي ثلاثة فصول تتوافق مع ما يتعاقب على البلاد من فيضان، وارتواء، وجفاف».

بطبيعة الحال لا يقصد حجازي العودة إلى تقسيم العالم على أساس مناخي كما فعل مونتيسكيو قبل أكثر من قرنين مدعياً أن شعوب الأرض تختلف مزاجياً، وبالتالي ثقافياً وسياسياً بحسب طبيعة طقس المنطقة التي تعيش فيها. إلا أنه يقول شيئاً يشابه ما قاله ذلك المفكر الفرنسي قبل قرون. أي أن تأثيرات الطقس وتقلبات المناخ تسهم في تشكيل أساليب الحياة الممكنة في هذه المنطقة الجغرافية أو تلك وفي تحديد أنماط الثقافة التي يتمكن الناس من إنتاجها بما في ذلك الوعي بالذات وبالعالم.

ليس المقصود أن ثمة علاقة حتمية بين المناخ والمزاج السياسي كما ذهبت القراءات العنصرية لأطروحات مونتيسكيو في كتابه الشهير «روح القوانين». بل هي علاقة قائمة على اعتبار المناخ مورداً طبيعياً بذاته تتولد عنه موارد طبيعية أخرى كما تتولد عنه إمكانات ومعوقات مادية وذهنية. وبهذه الصفة يسهم المناخ في صياغة أساليب الاستفادة من تلك الموارد وتوزيع عائداتها. وبهذه الصفة أيضاً يسهم المناخ في تشكيل وعي الناس بقدرتهم على الاستفادة من تلك الموارد وتأسيس أنماط علاقات اجتماعية وأساليب تفكير ملائمة. وبهذا الفهم تصبح للأماكن والأشياء وحتى تقلبات الطقس ذاكرة تستولي على الناس وتصوغهم.

هذه الأيام هي أيام الربيع في مدينة لوند حيث أقيم والتي يشكل الطلاب المسجلون في جامعتها ثلث عدد سكانها المئة ألف. والحديث عن الربيع كما يقول حجازي «ليس معقداً ولكنه ليس بسيطاً. لأن الربيع ليس واحداً. ولأن له وجوهاً متعددة مختلفة، منها ما نشترك فيه مع الأمم الأخرى، ومنها ما نختص به وننفرد». هذه السنة أيضاً أتى الربيع إلى لوند على عادته يختال ضاحكاً ولكنه أتى على عادته متأخراً بشهر كاملٍ عن نيروز أبي تمام.

لا يتميز ربيع لوند عنه من المدن الصغيرة الأخرى المتناثرة في شمال أوروبا. فمثل تلك المدن تشمل علامات الربيع فيها انتشار الخضرة وروائح الأرض والأشجار والأزهار وألوان الطبيعة وبسمات الناس بعد شتاءٍ طويل وقارسٍ وقاتمٍ وكئيب. ولكن علامات الربيع في لوند تشمل أيضاً الاحتفال السنوي الذي يقام في نهاية شهر مايو/ أيار لتخريج الحاصلين على درجة الدكتوراه في العام نفسه. ولقد بلغ عدد الحاصلين على درجة الدكتوراه من جامعتنا وحدها هذا العام 279 شخصاً (من بينهم بحريني واحد). بطبيعة الحال يزيد عدد الدكاترة الجُدُد في سنوات وينقص في سنوات أخرى. في هذه الأيام الربيعية تتحول المدينة الصغيرة في عيني وفي أعين المتعصبين أمثالي إلى مركز العالم وجنة الله على الأرض. وفي مثل هذه الأيام من كل عام تتوارى ولبضعة أيام معدودة جميع الهويات التي ورثتُها أو التي صنعتُها لنفسي خلف هويتي «اللنداوية».

في احتفال التخريج الذي يستمر طيلة النهار وبعض الليل تستعيد الجامعة والمدينة كثيراً من طقوسها الممتدة إلى القرون الوسطى. بعض هذه الطقوس يعود إلى العام 1666 حين تأسست الجامعة لتكون جزءاً من جهود «سَوْدَنة» المقاطعات الجنوبية التي كانت تابعة للدنمارك حتى العام .1658 ولقد شملت جهود السودنة كل ترسانة القمع المعروفة في مناطق أخرى من العالم بما في ذلك فرض اللغة السويدية بالقوة كلغة رسمية وتجريم استخدام اللغة الدنماركية علاوة على ملاحقة من بقي من الأساقفة والرهبان على ولائهم للكنيسة الدنماركية. وبجانب الضرائب الجديدة التي فرضها التاج السويدي على نبلاء المقاطعات الجنوبية فلقد فرض عليهم أيضاً جامعة لوند كمركز لتعليم أبنائهم ولتخريج رجال الدين الموالين للكنيسة السويدية. لا تختلف جامعة لوند في هذه الناحية عن جامعات قديمة أخرى تأسست قبلها أو بعدها. فالسلطة تستخدم العلم كما تستخدم الدين أدوات في سبيل تثبيت دعائمها وإضعاف منافسيها. ولعل أحد أبرز الأمثلة في هذا الصدد هو الدور الذي لعبته جامع(ة) الأزهر منذ تأسيسه على يد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله حجر بهدف تخريج الدعاة الفاطميين ونشر التشيّع في مصر. ومعلومٌ أن أحوال الأزهر ودوره السياسي وتوجهاته المذهبية قد تغيرت تماماً بعد مجيء الناصر صلاح الدين الأيوبي إلى سُدَّة السلطنة في مصر.

مثل كثير من الجامعات الأوروبية القديمة لعبت جامعة لوند دورها الثقافي والسياسي في رسم الخريطة السياسية الأوروبية في نهاية العصور الوسطى. فهي أسهمت في جهود تأسيس السويد كمملكة موحدة وفي تحولها لاحقاً إلى دولة قومية حديثة. إلا أن في ذلك الدور كثيراً مما لا يشرّف. فلقد أسهمت الجامعة في تمكين التاج السويدي من فرض سلطته على المناطق التي استولى عليها بالقوة والقهر، كما أسهمت في جهوده لفرض هيمنته السياسية والثقافية والدينية عليها رغم مقاومة الفلاحين التي استمرت عقوداً عدة. إلا أن أحداً لا يستدعي بعد أكثر من ثلاثة قرون ذلك التاريخ المأسوي. ولكن أحداً لا ينكره أو يخفيه. نعم هو تاريخٌ فيه كثير من المخازي. ولكنه تاريخٌ نملكه جميعاً وعليْنا، بمن فينا الطارئون من أمثالي، أن نستخلص منه الدروس حتى ونحن نستمتع بالربيع.

[1] أحمد عبدالمعطي حجازي، «أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً!»، الأهرام، 29 مارس/ آذار .2006

 

 

صحيفة الوقت
Tuesday, June 10, 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro