English

 الكاتب:

عبدالله جناحي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

هندسة الجينات‮.. ‬صناعة المستقبل
القسم : عام

| |
عبدالله جناحي 2008-06-07 14:07:13



أقامت جامعة الخليج العربي‮ ‬حفلاً‮ ‬أعلنت فيه عن اكتشاف جديد في‮ ‬علم الجينات قام به فريق من العلماء والمختصين في‮ ‬الجامعة،‮ ‬حيث كشف لنا الجهد العلمي‮ ‬للجامعة وتسجيل الاكتشاف عالمياً‮.‬ ورغم أنني‮ ‬لست مختصاً‮ ‬في‮ ‬هذا العلم إلا أنني‮ ‬من المتابعين لنتائجه الاجتماعية والقيمية والفكرية منذ ثمانينات القرن الماضي‮ ‬حيث ظهرت سلسلة من الكتب التي‮ ‬تستعرض الاكتشافات الخطيرة لهندسة الجينات،‮ ‬خاصة عندما تم الإعلان عن خلق ضفادع من تلقيح نواة من أنسجة أمعاء ضفدعة أنثى في‮ ‬البويضة،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬أثار ضجة أخلاقية كبيرة حيث انتهى دور الضفدع الذكر في‮ ‬الإنجاب وما‮ ‬يعني‮ ‬ذلك من تداعيات قيمية وأخلاقية ودينية إذا ما تم تطبيق هذه التقنية على الثدييات ومنها الإنسان‮.‬ ومنذ ذلك التاريخ قفزت هندسة الجينات قفزات هائلة نحو الأمام ليس فقط في‮ ‬قدرتها على اكتشاف معظم شجرة الجينات في‮ ‬الإنسان بل وتمكنها من إدخال ثورة ملموسة في‮ ‬الزراعة والثروة الحيوانية،‮ ‬هذا إضافة إلى الاختبارات التي‮ ‬أثمرت إنتاج حيوانات دون تلقيح كالنعجة‮ »‬دوللي‮«‬،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن اختبارات سرية لا‮ ‬يعرف العالم نتائجها لغاية الآن‮.‬ الدول المتقدمة خصصت الملايين من الدولارات لمختبراتها وتجاربها المتعلقة بهندسة الجينات وذلك من منطلق بأن هذا العلم هو علم المستقبل الذي‮ ‬سيقتحم ليس فقط مجال الخلق وإنتاج السلع الزراعية والحيوانية،‮ ‬بل وحتى في‮ ‬علوم التقنية التي‮ ‬بدأت تمزج بين المادة الجامدة والمواد العضوية الحية لإدخال المشاعر والتفكير فيها‮.‬ هندسة الجينات وقد تحولت إلى صناعة،‮ ‬وفي‮ ‬قادم السنوات قد تتحول إلى قطاع اقتصادي‮ ‬جديد بسبب تطور البشرية واقتصاد القطاع الصناعي‮ ‬ومن ثم قطاع الخدمات والقطاع المالي‮ ‬والمصرفي‮ ‬بعد ان كانت المجتمعات تعيش فقط على القطاع الزراعي‮ ‬والصيد‮.‬

صناعة الجينات تدر حالياً‮ ‬ملايين الدولارات من الأرباح على تلك الدول التي‮ ‬بدأت مبكرة في‮ ‬خلق بنية مختبرية وعلمية ومؤسساتية وقاعدة معلومات وكوادر واجهزة،‮ ‬والأهم حسمت الصراعات القيمية والأخلاقية والفكرية الناتجة عن هذا العلم الجديد وقررت الدخول في‮ ‬هذه الصناعة المستقبلية بصمامات امان وضمانات تشريعية وأخلاقية حتى لا تنفلت هذه الصناعة صوب خلق كائنات جديدة،‮ ‬رغم أن هذه الضمانات لن تقف في‮ ‬وجه طموحات وأحلام العلماء الذين‮ ‬يبحثون عن الجديد دوماً‮.‬

المتأمل لحال دولنا العربية من المحيط إلى الخليج في‮ ‬اهتمامها ورعايتها لهذا العلم الجديد والصناعة الجينية‮ ‬يصيب المرء ليس فقط بالاحباط واليأس من أنظمة سياسية وعقول متخلفة،‮ ‬بل بخوف شديد على مستقبل هذه الأمة،‮ ‬فلا جامعاتنا لديها ذلك الاهتمام والدعم لفتح كليات لهذا العلم الجديد وان فتحت أقسام فهي‮ ‬تركز على جزئيات وراثية وزراعية وحيوانية محددة،‮ ‬ولا الحكومات وضعت استراتيجيات واضحة المعالم وخصصت لها الاعتمادات المالية الضخمة لتأسيس البنية والقاعدة الأساسية لهذه الصناعة‮.

والأهم لم تبادر هذه الحكومات العربية بفتح المجال لحوارات فكرية حول إفرازات هذا العلم الجيني‮ ‬الاجتماعية والقيمية والأخلاقية،‮ ‬حيث‮ ‬غياب تام لثقافة هندسة الجينات وآثارها الإيجابية والسلبية‮.‬ مئات من العقول العربية المبدعة في‮ ‬هذا الحقل تهاجر وهاجرت صوب الغرب الأوروبي‮ ‬والامريكي،‮ ‬والكيان الصهيوني‮ ‬يعمل ليل نهار لاستقطاب بعض من هؤلاء واغرائهم لتقديم محاضرات أو أوراق عمل في‮ ‬الورش المتخصصة لالتقاط الجديد من الأفكار والإبداعات،‮ ‬وإذا‮ ‬يئِس من ترويض أحد العلماء العرب المهاجرين فإن احتمال تصفيته وارد‮.‬ فقر شديد في‮ ‬تعزيز ثقافة الجينات وضعف أشد في‮ ‬تمويل مراكز االبحوث والدراسات العلمية وخوف اكثر شدة من اقتحام هذا العلم رعبا من تداعياته ومراضاة للفتاوى الدينية الصادرة عن رجال دين‮ ‬يخشون من كل جديد علمي،‮ ‬ما‮ ‬يلبثون بعد أن‮ ‬يصبح الجديد أمراً‮ ‬واقعاً‮ ‬ومطلباً‮ ‬للناس ومصالحهم وصحتهم ومستقبلهم أن‮ ‬يتراجعوا عن فتاويهم القديمة ليعلنوا عن فتاوى أخرى تضع قيوداً‮ ‬وشروطاً‮ ‬جديدة ما تلبث ان تنهار أيضاً‮ ‬تدريجياً‮ ‬أمام ضرورات الحياة،‮ ‬وخير مثال على ذلك أطفال الأنابيب حيث المتتبع للفتاوى الرافضة التي‮ ‬خرجت منذ بداية اطفال الانابيب إلى أن انتهت بفتوى قبولها ودخول هذا العلم لجميع المستشفيات العربية‮.‬

ورغم أن هذه الفتاوى ومن‮ ‬يقف وراءها لم تتعلم من الحياة وأن عليها التأني‮ ‬وترك هذا الحقل العلمي‮ ‬لأصحابه،‮ ‬إلا أن وجود مثل هذا القيد الشرعي‮ ‬المستمر هو أحد أسباب تأخر أمتنا في‮ ‬اقتحام العوالم الجديدة الجريئة والخطيرة أحياناً،‮ ‬وبالطبع الأسباب الرئيسية الأخرى تتمثل في‮ ‬عدم وجود أنظمة عربية مؤمنة بالعلوم والحداثة والتجديد وغير مستعدة أن تقدم جزءا من الثروة الوطنية للاستثمار طويل المدى حيث انها كأي‮ ‬طفيليات تريد الأرباح السريعة والتكاليف القليلة؛ فلا رؤية مستقبلية ولا إيمان بعلم المستقبليات‮.‬ بيد أن الفرصة ما زالت متوفرة للحكومات التي‮ ‬تؤمن بالتقاط الفرص؛ فمثلما ضيعت هذه الأمة فرصة التصنيع عندما كان في‮ ‬بداياته والتقطته دول شرق آسيا بعد الاستقلالات السياسية،‮ ‬ومثلما ضيعت الأمة فرصة بناء قاعدة لعلم الحاسوب ومدخلاته ومخرجاته والتقطتها الهند والصين،‮ ‬فإن أمام هذه الأمة خيارين الأول الاستمرار في‮ ‬غيبوبتها العلمية واللهاث وراء البورصات والأموال المليارية الطيارة وبناء الأبراج والجزر السياحية والمصارف والعقارات التي‮ ‬تدر المليارات من الأرباح اليومية،‮ ‬ولكنها لن تخلق تراكماً‮ ‬مادياً‮ ‬وصناعياً‮ ‬وعلميا وفكرياً‮ ‬ولا انسانا منتجاً،‮ ‬أو خيار التفكير في‮ ‬بناء قواعد لصناعة الجينات،‮ ‬كعلم مستقبلي‮ ‬سوف‮ ‬يفرض نفسه على الاقتصاد العالمي‮ ‬قريباً،‮ ‬ان لم‮ ‬يكن قد فرض نفسة فعلاً.

 

 

صحيفة الأيام
Saturday, June 07, 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro