English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

حين يقتلُ الناسَ صمتُهم
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2008-06-03 09:54:49



قبل اكثر من أربعين عاماً نشرَ الشهيد غسان كنفاني روايته الأولى ''رجال في الشمس[1]'' التي تناول فيها جزءًا من حياة الفلسطينيين في نهاية الخمسينيات بكل ما فيه من مآسٍ و بكل ما كانت تحمله من إرهاصات.
إلا أن أهمية الرواية التي تُرجمت إلى أكثر من عشر لغات لا تقف عند حدود الخبرة الفلسطينية بل هي تصلح لوصف بعض جوانب حياتنا في البحرين هذه الأيام. ولكنني ولأسباب لا تخفى لا أذكر الرواية الآن باعتبارها عملاً أدبياً رائداً وحياً بل لما توفره من مادة لمراجعة المسلمات. فهي تقول لقارئها حذارِ من الصمت. فالصمتُ جريمة. ولهذا السبب نفسه أعود للرواية ذاتها كلما أتاني من يكرر ما قاله مدرسُنا الطيب في المدرسة الابتدائية وهو يشرح عبارة ''إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب''. وفي كل مرة أصل فيها إلى السطور الأخيرة في ''رجال في الشمس'' يزداد يقيني بأن السكوت ليس من ذهبٍ بل قد يكون جريمة بالفعل.

تصفُ الروايةُ رحلةَ الموت بحثاً عن الرزق قام بها ثلاثة فلسطينيين، أبوالقيس ومروان وأسعد. لكلٍ منهم تاريخه و دوافعه الشخصية لمحاولة عبور الحدود من العراق إلى الكويت. وفي الطريق إليها يلتقون بـ ''أبي الخيزران'' وهو فلسطيني أيضاً يعمل لدى أحد التجار الكويتيين سائقاً لسيارة صهريج تنقل الماء عبر الحدود. يتعهد أبو الخيزران بتهريب الثلاثة مقابل بعض المال. وهنا تبدأ المأساة أي لحظة يسلِّم الثلاثة قيادهم إلى من لا يستحق. ففي تلك اللحظة نفسها تحوّل أبو الخيزران من مجرد سائق إلى دليلٍ و قائدٍ يتحكم في مصائر الثلاثة. وفي اللحظة ذاتها تحول الثلاثة إلى أتباع مُسّيرين. وصار لازماً عليهم تصديق وعود أبي الخيزران و قبول اشتراطاته مهما بدت قاسية. فليس لديهم خيار آخر. ففي يديه كل المفاتيح وهو يعرف الطريق ولديه سيارة صهريج فارغة وله أصحاب بين شرطة الجمارك على الحدود.

لأبي الخيزران تاريخ يشفع له ويفسر قدرته على خداع الآخرين. فقبل اللجوء وقبل انتقاله للكويت للعمل كان أبو الخيزران ''سائقاً بارعاً، فقد خدم في الجيش البريطاني في فلسطين قبل العام 1948 أكثر من خمس سنوات، وحين ترك الجيش وانضم إلى فرق المجاهدين كان معروفا بأنه أحسن سائق للسيارات الكبيرة يمكن أن يُعثر عليه''. وفي صفوف الفدائيين في أثناء حرب 1948 أُصيب بانفجار لغم جعله عنيناً. فلقد صار عليه ''أن يعترف ببساطة بأنه قد ضيع رجولته في سبيل الوطن؟ وما النفع؟ لقد ضاعت رجولته وضاع الوطن''. ما لا يعرفه الناس عنه أنه خرج من تلك المحنة حاقداً على الكوْن برمته. وصار المال في عُرْفه يأتي أولاً ثم الأخلاق. ولا يخفى أن أمثال أبي الخيزران موجودون بيننا في صفات عدة. أشخاصٌ لهم ماضٍ مشرف بهذه الدرجة أو تلك ولكنهم باعوا تاريخهم في سبيل لقمة عيْش أحياناً أو سبيل جاهٍ أحياناً أخرى.

تنتهي الرواية بموت الثلاثة موتاً مأساوياً. ولكنها تبقى في ذهن القارئ الذي يجد نفسه يستعيدها ويحورها في ذهنه مستخدماً أحداثاً مرت به وصور أشخاص يعرفهم. كان الضحايا الثلاثة يحلمون بما يحلم أغلب الناس العاديين الذين تتلخص أقصى أحلامهم في العيش في سترٍ و أمان و أن يوفروا لأطفالهم سكناً وتعليماً و مستقبلاً. إلا أن الأحلام التي لا تتحقق لا تبقى أحلاماً بل قد تتحول إلى كوابيس. وخاصة حين يضطر الحالمون تحت ضغط شظفِ العيش وانعدام البدائل وقلة الحيلة إلى الوقوع في براثن أمثال أبي الخيزران.

قَبِلَ الفلسطينيون الثلاثة خطة أبي الخيزران بأن يتناوبوا الجلوس معه بينما يجلس اثنان منهم فوق الصهريج طوال الطريق. يتعرضون لحرارة الشمس ولفح رمال الصحراء إلا أنهم يتحملون ذلك في سبيل الوصول إلى غايتهم التي وعدهم بها دليلهم وقائدهم أبو الخيزران. وينفذ الثلاثة تعليماته بأن يختبئوا داخل الصهريج قبل وصول السيارة إلى مشارف نقطة الحدود الكويتية إلى حين إتمام المعاملات الجمركية. ويصدق الثلاثة وعد السائق بأنه سيقوم بعد دخول الكويت بمسافة قصيرة من نقطة الحدود بإخراجهم من الصهريج. إلا أن الأمور لم تسر كما خطط أبو الخيزران. فلقد أصر موظفو نقطة الحدود على إطالة الحديث معه. فيموت الرجال الثلاثة اختناقاً وهم محبوسون داخل الصهريج. لقد ماتوا لأنهم أسلموا قيادهم لمن لا طاقة لهم بمساءلته أو محاسبته. وتنتهي الرواية بأن يتخلص أبو الخيزران من الجثث بإلقائها على حافة الطريق بعد أن أخذ النقود من جيوبها.

ما لم يعرفه الضحايا هو أن سائقهم ودليلهم وقائدهم ليس عنيناً فحسب بل هو عاجزٌ أمام كل من هو أقوى منه أو أعلى منه مرتبة. ولهذا يسترضي هؤلاء ولا يهتم بمن هم دونه رتبة أو عزوة. فمصير أبي الخيزران رهنُ رضا مالك السيارة. ورزقه، سواء من نقل المياه أو من تهريب البشر، رهنُ علاقته الطيبة بموظفي الجمارك وشرطة الحدود. وبطبيعة الحال لم يعرف أبو القيس ومروان وأسعد أن سائقهم ودليلهم وقائدهم لا تهمه إلا مصلحته وإنه سيضحي بهم حين يجد في ذلك ما يجلب له مكسباً أو يبعد عنه أذى.

تنتهي الرواية بعدة أسئلة يطرحها غسان كنفاني على لسان أبي الخيزران. وهي أسئلة تستحق التوقف عندها أمس واليوم وغداً. ففي آخر أسطر الرواية تبدأ الصحراء كلها تردد صدى تلك الأسئلة: لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟''. تبدو هذه الأسئلة و تخرج من فم أبي الخيزران وكأنه يوجه بها اللوْم للضحايا. فمن وجهة نظره كان الثلاثة مسؤولين عن موتهم لأنهم لم يدقوا جدران خزان الصهريج. لكن هل كان ذلك بإمكانهم وقد كبَّلهم بشروط وأغراهم بوعود؟ وهل يملك البؤساء وقد غابت البدائل خياراً آخر غير السير وراء أمثال أبي الخيزران؟ على أية حال تتكرر تلك الأسئلة نفسها في كل مرة يجُّرنا أمثال أبي الخيزران إلى المهالك. لمَاذا لا نرفع الصوت؟ لماذا لا نصرخ احتجاجاً على قيام أمثال أبي الخيزران بتوريطنا في صفقات لا يربح منها إلا هُم؟ لماذا يستمر الصمت حتى ولو كان قاتلاً؟

[1] غسان كنفاني ''رجال في الشمس''/ مؤسسة الأبحاث العربية، .2002

 

 

صحيفة الوقت
Tuesday, June 03, 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro