English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

مانديلا والحاج عباس
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2008-04-22 14:18:33




أستعيد الآن صورة مناضلٍ أعرفه جيداً كان يتقدم الصفوف وكان يعاني ما يعانيه أمثاله من ملاحقات أجهزة الأمن ومن مضايقاتهم حتى في لقمة العيش. مناضلٌ من جملة مناضلين كادت زنزانة المعتقل أن تصبح بيتهم الثاني يدخلونها المرة بعد المرة لساعات أحيانا أو لأشهر أو لسنوات من دون محاكمة أو حتى توجيه تهمة.

مناضلٌ صمد في كل فترات اعتقاله حتى حين يشتاق لأهله ولأحبته أو حين تأتيه الرسالة الشهرية اليتيمة المسموح له بها من أمٍ أو زوجة أو ابنة ويرى كيف شوَّه قلم الرقيب الأمني تلك الكلمات البريئة تشطيباً وتسويداً. مناضلٌ لم تهزه اعترافات رفاقه المنتزعة تحت التعذيب ولم تُفقده الأمل في مهرجان قادم. مناضلٌ لم يستوحش الطريق لقلة سالكيه لأنه يعرف أن الطريق طويل وشائك ولكنه يصر على المضي فيه مع غيره من المناضلين والمناضلات ممن قرروا أن يصبح الحلمُ مشروعاً يوفر أسباب السعادة للناس. أستعيدُ صورة ذاك المناضل الذي أعرفه جيداً فيعتصر الألم قلبي خصوصا حين أستعيد أيضاً كيف انهار سريعاً أمام المغريات حال عُرضت عليه. ظل صامداً لعشرات السنين في وجه سيف المُعِزِّ وسياطه لكنه سقط سريعاً لحظة هزّ المُعِزِّ صرة ذهبه. فما فائدة أن يصمد إنسانٌ ببطولة أمام التحديات التي يمثلها البقاء في المعتقل أو في المنافي أياماً أو سنين لكنه يفشل في الصمود ساعة واحدة أمام رنة دينار أو لفتة حنان من صاحب سلطان؟

لا أمتلك القدر الكافي من الموضوعية لمحاولة تفسير مثل هذا التحول. نعم، لقد حاولتُ وأشرتُ إلى هذا ''السبب'' أو ذاك. فالمناضلون، مهما كانت صلابتهم، هم بشر من لحم ودم ومشاعر وفيهم نقاط ضعف يستغلها الطرف الآخر. ففيهم من يتعب ومن يفقد الأمل. وفيهم من يصيبه الطمع في مالٍ أو رزّة وفيهم المتذاكي ''الفهلوي'' وبطبيعة الحال فيهم، حسب تعبير اهلنا في مصر ''ثور الله في برسيمه''. ولأنني لا أستطيع أن أحافظ على قدر لازم من المسافة بيني وبين من أحاول تفسير تحولهم ''الفجائي'' في السنوات الأخيرة ظلت محاولاتي قاصرة عن تفسير التحولات التي شهدناها في سلوكهم السياسي. ولهذا يبقى السؤال محيراً: كيف نفسر أن مناضلاً كان يدعو الناس للتحرر من كل أنواع العبودية قد صار يتباهى بانتقائه ليكون واحداً من عبيد المنزل؟ أسارع للإشارة هنا أنني لا أحصر الظاهرة في لفيفٍ يساري أو قومي أو ديني. فالعلة مشتركة. ولقد كان لي أصحاب من بين هؤلاء على اختلاف الملل. ولعل من المفيد تكرار القول إن متابعة تاريخ الحركة الوطنية منذ الخمسينات يشير إلى تأثير ما أسميتهما بحاجز الخوف لدى الناس ومنزلق الطمع بين بعض القيادات والرموز. ففي حين يتكرر نجاح الناس في تخطي حاجز الخوف وحتى إزالته يتكرر سقوط بعض النخب السياسية في منزلق الطمع. ولهذا فمن المفيد أيضا تكرار أن ما شهدناه في السنوات الأخيرة يشير إلى أن السقوط في منزلق الطمع ليس حكراً على تيار سياسي دون آخر، كما أن الإصرار على إزالة حاجز الخوف ليس حكراً على هذا دون ذاك.

وعلى أية حال فإن ما أسميه تساقطاً يعتبره آخرون خياراً سياسياً مدروساً لا يحق لأحدٍ انتقاده. بل أعرف من يرى فيما أقوم به من نقد انتهاكا لحرية الرأي بما فيها حرية تغيير الموقف السياسي. ومعلومٌ أن هناك من يحاجج بأن ما أسميه خذلاناً للناس هو موقف سياسي صحيح قد زّكت صحته تطورات الأحداث. لهذا قد يكون مجدياً عدم حصر النقاش في هذا العدد القليل من المتساقطين ممن كان لهم في السابق إسهام نضالي مشهود وعدم إضاعة الوقت في البحث عن الأسباب التي دفعتهم إلى ما هم فيه. بعد أن نترك هؤلاء جانباً وننظر بدلاً منهم إلى الأعداد الكبيرة من المناضلين ممن لم يرهبهم سيف المعز ولم يغرِهم رنين ذهبه سنستبشر بما نرى. ولهذا يتوجب طرح السؤال بصياغات جديدة: لماذا يصمد مناضلٌ أو مناضلة حتى بعد أن يريا بعض رفاقهم ينهارون أمام أول ابتسامة أو عطية يتلقونها من صاحب سلطان؟ بل كيف يصمد مناضلٌ أو مناضلة بعد أن يريا بعض القيادات والرموز تبيع تاريخها وتاريخ غيرها لتتدافع للالتحاق بركب عبيد المنزل؟ وأخيراً، ما الذي يجعل صاحب السلطان سواء أكان يحمل سيفاً أو صرة مال عاجزاً أمام إصرار تلك الأعداد الكبيرة من المناضلين الذي يصرون على المضي في طريقهم نحو مجتمع تسوده العدالة والمساواة؟

قبل سنوات سُئل الرئيس نيلسون مانديلا كيف استطاع أن يصمد في سجنه طوال ما يقارب ثلاثين سنة. كان جوابه بسيطاً ولكنه قاله كمن يكشف سراً. قال ''أريد أن أخبر العالم كله أننا حين نكون مستعدين للصمود أمام التحديات سنستطيع تحقيق كل الأحلام، وحتى الخيالية منها''. وهذا يعني أن المناضل يستطيع الصمود حين يصر على اعتبار الانخراط في الشأن العام والنضال من أجل حقوق الناس نضالاً من أجل تحويل الأحلام الكبيرة منها والصغيرة إلى واقع ملموس. أما إذا كان يرى أن النضال هو ''فن الممكن'' فلا أمل في استمراره لأن الممكن هو ما يقبل به صاحب السلطان ويفرضه.

قبل سنوات سمعتُ نقلاً عن الخال الحاج عباس بن فضل كلاماً أراه يُكمل ما قاله مانديلا. أطال الله عمرَ الاثنيْن. وفي كلام الحاج عباس حكمة جيل سبقنا ولكنه يعايش ما نعايش. فلقد أجاب على كل الأسئلة المذكورة أعلاه في عبارة من كلمتيْن: ''عزة النفس''. فمن لا يحافظ على عزة نفسه أو يستخف بها لا يستطيع أن يرفع رأسه في وجه صاحب سلطان سواء أكان هذا يحمل سيفاً أو صرة ذهب. وبدون عزة النفس يباع التاريخ والمستقبل وتنكسر الأعين وتمتد الأيدي ذليلة تطلب العطايا بدل أن تطالب بالاستحقاقات. وبدونها يباهي عبدُ المنزلِ بمركزه الجديد بل ويعتبر كل من يعيب عليه تحوله حاسداً أو حاملاً لمعول هدم. وبدون عزة النفس يتحول من كان مـــناضلاً إلى تابعٍ ينافس أمثاله حتى على لفتة حنـــان، نظرة أو ابتسامـــة أو لقاء، بل ويحزن حين يحظى بتلك اللفتــة غـــيره.


صحيفة الوقت
Tuesday, April 22, 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro