English

 الكاتب:

عيسى إبراهيم

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

التمييز الطائفي و المواطنة
القسم : سياسي

| |
عيسى إبراهيم 2008-04-21 16:25:39



يكاد أن يكون الكل سواء المشاركين في مؤتمر الحوار الوطني الثاني الذي انعقد مؤخراً أو غيره من الفعاليات الوطنية والمثقفين مجمعاً على أن الطائفية شر وأنها من الموبقات وتشكل سباً وقذفاً لمن يوصف بها إلى درجة أن الطائفية السياسية غدت أخطر من النازية حسب تعبير السيد إياد جمال الدين – رجل الدين الشيعي العراقي – لكن الخلاف يستعر إذا تم التعرض إلى أسبابها أو طريقة علاجها ، وسيزداد الخلاف استعاراً أو "شعللة " إذا تم البحث في الإجابة عن المسؤول الرئيسي عنها وما هي الخطوة الأهم والبداية السليمة للخروج من هذا الداء العضال الذي ابتليت به مجتمعاتنا العربية والإسلامية قبل الاستعمار ، لكي لا يقال أن مرض " الطائفية " والحقيقة أنه " التمييز الطائفي " إنما قدم من الخارج كما يشيع البعض بشأن الوضع في العراق أو في الأمة العربية جمعاء .
 
فإذا كان من المسلم به لدى الغالبية أن من حق الناس والجماعات اعتناق ما يشاؤون من أفكار ومعتقدات فإن الاختلاف هنا أمر يعد من طبيعة المجتمعات ، إلا أن التمييز بين الأفراد والجماعات استناداً إلى المذهب أو الاعتقادات أو الأفكار واستخدام ذلك معياراً للقرب أو البعد من ذوي السلطان والنفوذ ووسيلة سياسية لتحقيق المصالح هو المؤجج الأعظم للخلاف وتحويله إلى اختلاف " تناحري " وشر يطيح بالتعايش القائم أو المفترض لدى العقلاء في ظل الدولة الحديثة .
 
مما لا شك فيه أن المشكلة والداء ليسا في ( الطائفية ) أي وجود طوائف في أي مجتمع ، بل في وجود تمييز وصراع بين الطوائف ، يقوّض التعايش بينها ، ومما يفاقم المشكلة ، أو الحالة ويزيدها تعقيداً قيام السلطات أو جماعات النفوذ والقوى السياسية باستغلال ذلك الوضع بأشكال مختلفة بل وإشادة جسور تعلق استمراره وتربطه مصلحياً بالأفراد من أهل الطائفة المتفقة مع مذهب ذوي السلطان أولاً ثم من ذات الطائفة التي يمارس التمييز ضدها ثانياً بغية استخدام ذلك للقول بانتفاء التمييز من الأساس سواء تم ذلك داخل الدولة أو في الخارج وذلك من أجل الكسب الإعلامي السياسي البسيط أو المؤقت نظراً لتضمن الواقع لإثباتات معاشة وواقعية وبالأرقام تنفي مثل هذا الكسب الإعلامي الخادع ، ومهما كابرت السلطات وعملت على نفي التمييز لفظياً ، فإن الواقع سرعان ما ينكشف عند المنعطفات أو الأزمات حيث يتم التأكيد الرسمي أو من الموالين على أن الطائفة الفلانية ليست على " ولاء " أو أن الولاء عندها يخترق الحدود ويعبرها على بساط المذهب السحري ، وذلك من أجل مزيد من كسب عامة أتباع المذهب الآخر وتأليبهم على أهل الطائفة الأخرى وإشاعة أنهم ( أي الطائفة المميز ضدها ) عندما يطالبون بإنهاء التمييز أو الحصول على حقوقهم المهـدرة إنما يرغبون في السيطرة على مقاليد الأمور ( الحكم ) في هذا البلد حيث سيمارسون القمع والعسف بحق أتباع الطائفة الأخرى، فضلاً عن عمل السلطات على محاولة استيعاب أهل الطائفة المتفقة مع مذهب أهل السلطة وربطها مصلحياً بسياسة التمييز وتصوير المطالبة بإنهاء التمييز وكأنها ضد الطائفة الأخرى وستؤدي إلى حرمانهم من امتيازاتهم أو وظائفهم مما يؤدي حسب وصف د. نادر كاظم في كتابه (استعمالات الذاكرة) إلى المتاجرة بالولاء وتحويله إلى سلعة معروضة قابلة للبيع والشراء حيث يصبح الولاء والإنجرار إلى تبريرات السلطات أو تصديقها سلعة  يحصل من يبيعها على منافع وامتيازات خارج صيغة التعاقد الدستوري .
 
رغم كل العوامل التأريخية والمذهبية المؤثرة في الولاء للوطن كحالة وجدانية فإن كرامة المواطن وحياته المقبولة وبعد السلطات عن التمييز لا شك ستؤثر في مقدار ولائه للوطن عموماً وليس ولاؤه للنظام السائد فقط الذي يمارس التمييز على هذا المواطن مهما كانت طائفته ، فهل يمكن للمملوك ( العبد ) أن يكون في حالة وجدانية تجعله موالياً لسيده ، حتى لو عيّنه رئيساً على العبيد الآخرين الذين يشكلون جزءاً من ثروة السيد ( المالك ) ، أم أنه سيبقى عبداً وأن كان من عبيد المنازل الذين يكون عملهم مريحاً عضلياً وملابسهم أنيقة حيث انتقاهم السيد لخدمته شخصياً ومساعدته في مختلف شؤونه بما في ذلك الإشراف على عبيد الحقل وتنظيم استغلاله لهم في عملهم الشاق والمضني ، كما أشار لذلك د. عبدالهادي خلف ؟! ، مع أهمية إدراك الفارق العام بين شعور الفرد بالولاء للأشخاص والشعور الجماعي بالولاء الحر للوطن ، وهكذا يغدو الولاء للحكم صفقة مديونية متبادلة حيث يبيع ( الموالى ) ولاءه مقابل مكاسب ومنافع وخيرات يتحصل عليهـا من خيرات الدولة " السلطات " العـامة فيدفع بنا ذلك إلى الابتعاد ( كثيراً عن بناء " دولة المواطنة " لصالح دولة منحازة تغدق على جماعات المولاة من خيراتها العامة وتحرم الآخرين من هذه الخيرات ، مما يعني تجدد الصراعات ... )  ( د. نادر كاظم ، استعمالات الذاكرة في مجتمع تعددي مبتلى بالتاريخ ) .
 
إن ما يمكـن أن نصفه بإخفاق جماعي في معالجة الطائفية أو التمييز الطائفي والسياسي ، إنما يكمن في الفشل العام في إشادة دولة المواطنة أو تحقيق نظام ديمقراطي ، لا يجيّر فيه الدين أو المذهب أو الأفكار ولا يستغل لصالح تسيّد الأنظمة وديمومتها واستمرار رجالاتها إلى الأبد ، وكأن لهم الحق المطلق من الله في الحكم وإدارة شؤون البلاد والعباد وتلك مشكلة يكون الخروج منها في غاية التعقيد ولا تسمح به السلطات لأنها كما جاء في مقال الدكتور عبدالهادي خلف في جريدة الوقت بتاريخ 1 أبريل 2008 استراتيجية ( يستخدمها أهل السلطان لضمان استمرار سلطتهم ومن بين أنجع هذه الاستراتيجيات هي إدامة تشطير المجتمع عبر التمييز بين المقموعين وتفضيل فئة منهم على فئة اخرى ) .



 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro