English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

النائبان وحادثة «كركزكان»
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2008-04-15 13:15:06



قبل يوم من حادثة ''كرزكان'' الأخيرة تحادثت مع أحد الأصحاب في البحرين حول تداعيات لقاء لندن وما قيل عن صفقة تطلبت إلغاء مسيرة وتسريب احتمال إطلاق سراح معتقلي أحداث ديسمبر/ كانون الأول الماضي. فلمحادثي موقف إيجابي من بعض أطراف السلطة وهو بحكم مهنته متابع يومي لما يعتبره تغييرات إيجابية شهدتها وزارة الداخلية في عهد وزيرها الحالي ومحاولاته تغيير ''تراث'' تلك الوزارة المثقل.
من جهتي لم يكن ثمة ما أضيفه إلى ما أكرره من أسباب تجعلني لا أثق في الوعود الرسمية ناهيك عن البيانات المتعلقة بالأمن. وهي أسباب تتعدد بتعدد منطلقاتي كمواطنٍ عادي طالما شرّقت به البيانات الرسمية وغرّبت، أو كمعارض عانى شخصياً مما تحويه تلك البيانات من مبالغات وكذب، أو كأكاديمي يفترض تأهيله أن يسائل حيثيات كل معلومة قبل تصديقها.

قلتُ لصاحبي شيئاً من قبيل إنه حتى بافتراض وجود صفقة لندنية تتطلب إطلاق سراح معتقلي أحداث ديسمبر/ كانون الأول فإن هذا سيسبب إحراجاً واضحاً لوزارة الداخلية. فلقد رفعت في بياناتها سقف الاتهامات ضد المعتقلين لديها بحيث سيبدو التراجع عن تلك الاتهامات بمثابة النزول من قمة جبل. فكيف ستبرر الداخلية والنيابة العامة إطلاق سراح من اتهموا علناً وفي المحاكم بحرق سيارات الشرطة ومحاولة قتل رجال أمن وسرقة سلاح رسمي؟ والمسألة لا تتعلق بالجمهور المساند للمعتقلين فحسب بل بالجمهور الآخر الذي تم تحشيده طوال ديسمبر الماضي عبر الإعلام والبيانات التي أصدرتها جمعيات تطالب بالضرب بيد من حديد، بل طالبت باجتثاث ما سمته البيانات ببذرة العنف.

كعادتنا مع صاحبي حين نناقش العلاقة بين السلطة والناس لم نتفق هذه المرة أيضاً. ولم يكن أيٌ منا يرجم بالغيب حين اتفقنا على أن غداً لناظره قريب. إلا أن الغد كان أقرب مما ظننا. ففي اليوم التالي عرفنا عبر البيان الأمني المقتضب عن وفاة أحد عناصر الأمن أثناء مشاركته في ''دورية مدنية''. ولم تتأخر ردود الفعل. فلم يعد أحدٌ يجرؤ على التذكير بالصفقة اللندنية وبإطلاق سراح المعتقلين مقابل تهدئة الأوضاع كشرط لازم لإطلاق مشاريع تنمية اقتصادية تراها بعض أوساط السلطة ضرورية. وكمن يضغط على زر ارتفعت الأصوات في الاتجاه المعاكس للتهدئة مطالبة بتعليق المشانق للاقتصاص من ''المتسببين'' في مقتل الشرطي المدني. وتواترت الأخبار عن اعتقال أفراد وصل عددهم حسب بعض المصادر إلى ثلاثين ثم عاد الرقم إلى الانخفاض. لقد بالغ الإعلام الرسمي في تهييج الوضع حتى بدت البلاد من خلال عناوين الأخبار في الصحافة المحلية لمن لا يعرف البحرين وأهلها بأنها على أبواب حرب أهلية كالتي تدور في أحياء المدن العراقية.

لقد صدّق كثيرون أن الأجهزة الأمنية قد استطاعت في خلال ساعات قليلة أن تكتشف من ارتكب جريمة كرزكان وحصل المحققون على اعترافات أدت إلى مزيد من المداهمات والاعتقالات. مع العلم أن هذه الأجهزة ذاتها عجزت حتى الآن أن تتوصل إلى خيط يفسر اختفاء الطفل ''بدر'' أو يكشف من أطلق الرصاص في مكان عام فقتل المرحوم الشاخوري ناهيك عن عشرات الحوادث الأمنية وغير الأمنية التي لا نسمع عنها كثيراً بعد الإعلان عن وقوعها. وبطبيعة الحال لا نعرف من يقف خلف تلك الحوادث المفتعلة منها والحقيقية أو من يستفيد من التعتيم على نتائج التحقيق فيها.

لم يتروَ كثيرون ممن كان واجبهم التروي. بل بدا كما لو كان مطلوباً تأجيج الأجواء وإشعال نار الفتنة. ومن ضمن ردود الفعل المستعجلة ذلك الموقف المتقارب من حادث كرزكان الذي اتخذه عضوان في مجلس النواب تسابقا من على منبر الجمعة إلى تثبيت التهمة على بعض الأطراف. فمن جهة ركّز النائب علي سلمان على ''الكبار'' الذين يحركون الصبية ممن يمرون بحالة من الضياع و''لا تجد في وجوههم ملامح حالة الارتباط بالله تعالى''. ولم يتخلف عن ذلك زميله النائب جاسم السعيدي حين وضع دم الشرطي الضحية ''في رقاب الذين وجهوا هؤلاء القتلة والإرهابيين''، موضحاً أن ما حدث هو نتيجة مباشرة لتحريض مشايخ سمّى اثنيْن منهم. لقد وجه النائبان تهمة التحريض في اتجاه واحد ومحدد هو ''الكبار''. ففي حين سمى النائب السعيدي شخصيْن يستطيعان إن أرادا أن يرفعا عليه قضية قذف وتشهير، لم يسمِّ النائب علي سلمان أحداً واكتفى بإشارته إلى ''الكبار''. إلا أن الأنظار اتجهت مباشرة إلى جهة سياسية معروفة تنافس النائبَ على قواعده وتستخف بأهليته السياسية على تحقيق مطالب الناس.

أقولُ تسرع النائبان في جهتين. أولاهما حين افترضا دون دليل وجود محرضين خلف الفرد أو الأفراد الذين قاموا بذلك العمل. وفي هذا افتئات كان على النائبيْن أن يتحاشيا الوقوع فيه. وهو افتئات على أناس يفترضُ العاقلُ براءتهم حتى يتوصل إلى أدلة تدينهم في محاكمة تتوافر فيها شروط العدالة. أما الثانية فحين أخذا بيان الداخلية المقتضب على علاته فلم يتبينا النبأ حتى كادا يصيبان البحرين كلها بجهالة. وهما لم يترويا أيضاً حتى يستمعا إلى أقوال شهود بمن فيهم أهل الفقيد ممن شاركوا في دفنه. أو ليطلعا على تقرير الطبيب الشرعي لتبيان سبب الوفاة وهل هي بسبب هبوط في الدورة الدموية أم نزيف الدم أم الاختناق. ألم يكن من واجب النائبيْن، قبل أن يحرضا أجهزة الأمن على الآخرين، أن يسعيا للاتصال بالجهات المعنية في وزارة الداخلية للحصول على معلومات تفصيلية عن طبيعة المهمة ''المدنية'' التي كانت دورية الشرطة تقوم بها في تلك المنطقة في ذلك الوقت بالذات؟

حريٌ بالنائبيْن علي سلمان وجاسم السعيدي التراجع عن موقفهما التحريضي الذي لا يليق بمركزيْهما. وحريٌ بهما الاعتذار عنه. إلا أنني أشك في قدرتهما على ذلك بل قد لا يجدان في موقفهما المتسرع ما يشين أو ما ويؤجج فتنة عسى الله أن يحفظ البلاد منها. والأدهى أن النائبيْن، في حدود ما اكتسباه من العلم الشرعي، قد يعتبران موقفهما أداءً لحقوق السلطان عليهما بما فيها أن ليس لهما أن يماحكاه وقد بُسطت يداه عليهما.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro