English

 الكاتب:

خالد المطوع

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

«جناح 44 - مستشفى السلمانية»!
القسم : عام

| |
خالد المطوع 2008-04-12 08:12:39


 
إن كان البعض قد استيقظ في الأول من أبريل/ نيسان على وقع كذبة مخادعة سرعان ما اكتشف سخافة زيفها، فأنا كان قدري يومها أن أستيقظ على مسامع حقيقة قدرية فاجعة تتعلق بخبر وفاة جدتي الغالية لطيفة بنت حسين الحادي وانتقالها إلى عالم الحياة الأخرى، وذلك على لسان والدتي التي انتشلتني حينها من أنقاض نوم ثقيل نحو الساعة الثالثة وخمس وأربعين دقيقة صباحاً على وجه التقريب، إذ كنت حينها مستنكراً إيقاظي في مثل هذا الوقت الباكر جداً عن موعد صلاة الفجر، وهو ما بدد وبخر حلمي الغريب حينما كنت قد رأيت في ما يرى النائم ما هو أشبه بالذكرى وأنا طفل صغير جالس في أعلى سطح بيت جدتي القديم في حالة بوماهر بالمحرق، ألعب مع مجموعة مدهشة من الطيور الزاهية التي وضعت داخل قفص، فإذا بأحد هذه الطيور الجميلة يباغتني مباغتة خاطفة، فيفلت من القفص ويغادر بعيداً جداً إلى السماء مختفياً ومتذرياً كما لو أنه شهاب ناري!

قبلها بيوم كنت جالساً مع الحاضرين في أحد مآتم قرية السنابس مستمعاً لأحد الخطباء وهو يتحدث عن حكمة وحقيقة الموت وكيف كان يشكل من رحلة سعادة لآل البيت الأطهار وغيرهم من عباد الله الصالحين، وكان هذا الحديث كما لو أنه رسالة وحكمة ربانية للتخفيف والتعويد المسبق من وقع صدمة مقبلة بيوم، وقد اتصلت حينها الوالدة بي لزيارة جدتي الراقدة تحت رحمة الله وأنابيب أجهزة العناية الطبية ورعاية ومتابعة الأطباء والمختصين في قسم الجراحة في جناح رقم 44 بمستشفى السلمانية، وأذكر أنها أصرت علي إصراراً عجيباً على أن أكثر من زيارة جدتي في المستشفى وذلك بالآونة الأخيرة على رغم انشغالاتي الحياتية الخانقة، وعلى رغم أن جدتي تلاعب مرض الزهايمر بحواسها وإدراكاتها العقلية والذي أمات خلاياها الدماغية وحينها فإن زيارتي لها لن تخفف من أذاها النفسي وتفرج من كربتها كما أنها لن تزدني إلا قلقاً وهماً وبؤساً لحال جدتي التي لم تغادرها المعاناة مذ أن فتحت عيني لأول مرة على الحياة فقالت لي والدتي حينها بحزم «هذه المرة ليست كأي مرة»!

وبالنسبة إلى المرة الأخيرة التي رأيت وسأرى فيها وجه جدتي وهي مسجاة على النعش، فقد كان يبدو لي هذا الوجه الميت كما لو كانت تسرح فيه البراءة والاطمئنان والراحة لنائم هانئ، وهو الوجه الذي كما لو أنه أدرك حلول جميع الألغاز الحياة الفلسفية وتراكيب المصائر الوجودية بعد طول رحلة عقود من الألم والمعاناة مع التهاب وتآكل المفاصل مروراً بالزهايمر وانتحار الخلايا الدماغية وانتهاءً بالتهاب الرئة إلى درجة شرب الماء عبر الأنابيب المساعدة كما لو أنه ارتشاف نار أو عملية بالغة الصعوبة والتعقيد قد تكون مجازفة لا تحمد عقباها!

إن لرحيل الجد والجدة هيبة شقية ومرارة غريبة لا يدركها إلا من عاصرها ووعاها جيداً وعرف الفرق بين ما قبلها وما بعدها، فرحيل الجد والجدة أو رحيل الوالد والوالدة بالنسبة إلى الجماعة الفردية يبدو كما لو أنه رحيل واضمحلال وتلاشي الوطن الذي حضن بدفء ونعومة ممزوجة بالمحنة جميع مواطنيه من أجداد وآباء وأبناء وأحفاد لعقود طويلة وها هم من بعده أقرب إلى الافتراق وإن هم سيلتقون فلن يلتقوا إلا على جثمانه، ولعلها كانت إحدى أكثر خواطري تعقلاً وتأدباَ جماً ساعة تلك الجنازة وحمل الجثمان إلى القبر وكأنما أودع وطناً بدأ أبناؤه من تجار السياسة والدين وأمراء الطوائف والإقطاعيين يتناهبونه شلواً شلواً وويل لمن يتصدى لمحافل التناهب المباركة المقدسة تلك فسيكون مصيره معلقاً بعدم وممزقاً بالأسهم حينها كما لو أنه جثمان القديس سان سيباستيان!

بالأمس رحلت أجيال واليوم رحلت أجيال وغداً سترحل أجيال وهي حقيقة قدرية لا مناص من التسليم بها بدهياً قبل أن يكون هذا التسليم إيمانياً عقيدياً أو أيديولوجياً أو حزبياً، ففي كل يوم تطوى صحف وتبقى صحف وتنشر صحف جديدة، وفي كل ساعة يرحل فرد بحكايته ويولد فرد آخر لم يشهد حكايته بعد، ولعل ما يفيد ويشي بالتحسر هو أن المشهد يصطخب ويضج بمغادرة جيل الغوص وغابات النخيل والعيون الطبيعية العذبة وجيل أيام المحبة وملاءات الذكريات والأهازيج البيضاء والبساطة البحرينية الأصيلة التي استطاعت حينها أن تحول جروح الذاكرة القديمة المفتوحة إلى نكات في حين تحولها هذه البساطة اليوم إلى عقائد خلاصة مدمرة!

وبالنسبة إلى الغرفة الواقعة في جناح رقم 44 بمستشفى السلمانية التي توفيت فيها جدتي في الساعة الثالثة وسبعة عشر دقيقة صباحاً في يوم الثلثاء الموافق الأول من شهر نيسان/ أبريل 2008 فسترتبط في ذهني بصورة وذكرى حزينة إلا أنها ستكون هذه الذكرى هي الماء الذي يحيي ويديم الانتعاش والتجدد في مفاصل ورحيق ابتسامات وآمال الموتى الذين لن يصبحوا موتى بكل ما في الفناء من معنى إلا إذا انقطعت ذكراهم وتذكرهم كما قال ذلك الأديب البلجيكي موريس مايترلنك!

ومثلما أن الجناح 44 بمستشفى السلمانية سيظل بالنسبة إلي هو الأيقونة الأكثر حزناً وسوداوية لكونه يحفل بآخر أيام جدتي الراحلة، فهو سيكون بالنسبة إلي وإلى غيري من أهل الراحلة العزيزة، فسيكون أيضاً هو المكان الأكثر ألقاً وإشراقاً إنسانياً ومؤسساتياً في ما يستحق التقدير والاحتفاء والإعجاب، فقد حظيت جدتي الراحلة في الجناح 44 بعناية فائقة ومتابعة لصيقة متواصلة ومضنية من قبل ممرضات وأطباء قسم الجراحة وبالأخص الطبيب راني معتز الآغا الذي أدى رسالته بكل إخلاص وأمانة إنسانية حيث وضع نفسه موضع الخدمة والطلب في كل دقيقة وثانية وذلك على رغم الضغط الهائل الذي يتعرض له المستشفى وأطباؤه وممرضوه لوحدهم، وهو ما أهل هذا المستشفى لأن يعرف بحرينياً بــ»الأم» بكل ما في الكلمة من حنان وشقاء، وعلى رغم الصورة السلبية المرتسمة في التصور الشعبي حيال المستشفى وأطبائه إلا أن هذه الصورة المناخية السوداء قد أزاحتها تلك الأيقونة التفاعلية المشرقة للأم التي تحضن جميع أبنائها وبناتها حتى آخر دقيقة من دون أن تفرط بهم أبداً، فشكراً لكم يا ممرضي وأطباء قسم الجراحة بالجناح 44 وشكراً لك يا دكتور راني على ما بذلته من جهد متفانٍ.
 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro