English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

اللعب على كل الحبال
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2008-03-26 00:51:19


أستعير عنوان هذا المقال وأغلب مضمونه من مقال كتبته فريدة النقّاش[1] حديثاً في صحيفة «الأهالي» التابعة لحزب التجمع التقدمي في مصر. يتناول المقال ظاهرة «المثقف الانتهازي» باعتبارها إحدى الظواهر الخطيرة التي تعاني منها كثير من الحركات السياسية في بلدان عدة. وهي ظاهرة تستغلها السلطة لإعاقة نمو النضال الديمقراطي وانتشاره. وتبرز هذه الظاهرة خصوصاً في الأزمنة الرديئة - بحسب تعبير النقاّش - أي «حين تغيب الأهداف الكبيرة وتتغلب الأنانية المفرطة على التضامن والإخاء والعمل الجماعي وتقديم المصلحة العامة وتصبح الأنا الفردية هي محور كل شيء وبوصلة الرؤية، ما يؤدي لتحلل الجماعات وتآكل الأنسجة». وفي الأزمنة الرديئة هذه «تتدهور أنماط السلوك والأخلاق العامة، وتتفسخ القيم الإيجابية تحت ضغط المصالح الشخصية الضيقة والصراع غير المبدئي على المغانم كبيرها وصغيرها لحد التقاتل الوحشي للفوز حتى ولو بطرق غير مشروعة ولا أخلاقية».

مقال النقاّش مهم، ومن المفيد أن يقرأه المهتمون بواقع العمل السياسي في البحرين، خصوصاً المهمومون منهم بالبحث عن مخارج من الأزمة التي يمر بها. وسأحاول فيما يأتي أن أعرض، بعينٍ بحرينية، بعض الفرضيات المهمة التي تطرحها فريدة النقاش. وهي فرضيات تمزج بين ماركس وابن خلدون وتستحق أن يجرى التأمل فيها عند مناقشة الدور الذي يلعبه المثقفون الذين ينحدرون من الشرائح البرجوازية الصغيرة. فهؤلاء يحملون موروث هذه الشرائح المتأرجحة ويعبرون عن قلقها. فمن جهة هي فئة لا تنتمي إلى الطبقة العليا والشرائح المتنفذة في المجتمع ولا تتمتع بامتيازات هذه الطبقة. ومع أنها محرومة من ثمرات جهودها العقلية التي تحتكرها الطبقة العليا وحلفاؤها، إلا أنها تحظى بقدرٍ متفاوت ومشروط من الرعاية التي تجعلها تستمر في العطاء. ومن جهة أخرى، لا تنتمي هذه الفئة إلى الطبقة العاملة والفئات الكادحة ولا تعاني مما تعانيه هذه الطبقة من قهر واستغلال.

لهذا يقف مثقفو هذه الشرائح حيارى بين الطبقات الأخرى. علاوة على ذلك فإن رؤوسهم مليئة بالأوهام عن أهميتهم وعن دورهم في المجتمع. فهم يروْن أنفسهم أهل الفكر والإبداع والمعبرون عن روح «الأمة» وتاريخها وحماة راياتها الثقافية. إلا أن المثقف البرجوازي الصغير يعاني من موروثه الطبقي الذي يكبح مساعيه ويُشِّل قدرته على الارتقاء إلى مستوى طموحاته المعلنة. ولهذا سرعان ما نراه يستسلم لموروثه. ولهذا أيضاً نرى المثقف المنحدر من هذه الشرائح ينظر باحتقار ممزوج بالعطف الاستعلائي إلى الطبقة العاملة والفئات الشعبية. غير واعية أو أن وعيها مزيفٌ إذا ما اختارت طريقاً غير الذي رسمه لها خيال المثقفين من خارجها. في مقابل هذه النظرة الاستعلائية ينظر المثقف البورجوازي بِوَلهٍ وإعجاب للطبقة العليا والشرائح المتنفذة في المجتمع. ونراه يتشبه بها ويسعى «للتعلق بذيلها واللحاق بركبها، وتقليد أنماط سلوكها واستعارة رؤيتها للعالم».

وعلى أساس ثنائية «احتقار الطبقة الأدنى/ الوله بالطبقة الأعلى» يمكن فهم السرعة العجيبة التي يتوصل هذا النوع من المثقفين إلى ضرورة القبول بالواقع والتعاطي معه كما هو بدلاً من التعلق بآمال تغيير الواقع ناهيك عن الثورة عليه. ولهذا يتم التخفي تحت غطاء ترويج أفكار الإصلاح من الداخل. وهنا نرى كيف يمكن تفسير الانقلاب من مواقع المعارضة المبدئية إلى مواقع الاستتباع. ثمة يأس تاريخي لدى هذا النوع من المثقفين واقتناع راسخ بأن انقسام المجتمع إلى «ناس فوق فوق وناس تحت تحت» هو حقيقة من حقائق الطبيعة وقَدرٌ لا مفر منه. ولهذا أيضاً يرى هؤلاء المثقفون أن وجودهم في المنتصف بين الناسيْن خطأٌ مؤقتٌ لابد من سرعة تصحيحه. وما على الواحد من هؤلاء قبل أن تطير الطيور الأخرى بأرزاقها أن يستعد لاقتناص الفرصة حين تحين للقفز إلى الأعلى والارتماء في ظلال الطبقة العليا والشرائح المتنفذة في المجتمع.
لن يحتاج القارئ البحريني إلى وقت طويل للتعرف على عدد من الأمثلة للمثقف الانتهازي الذي يستطيع اللعب على كل الحبال وخصوصاً بين النشطاء السياسيين في السنوات الأخيرة. فهو شخص نراه في كل الألوان التي تتراوح بين الفاقع البرّاق والظليل الباهت. إلا أن القاسم المشترك بين هذا أفراد هذه الفئة في كل صورها وألوانها هو استماتتهم في التدافع للوقوف بالقرب من أهل السلطان، مالاً أو سيفاً، حتى ولو كان الثمن هو إحناء الرأس وانكسار العين والتضحية بمصالح الناس.

أسارع للتأكيد على أمريْن؛ أولهما أن هذه الظاهرة ليست محصورة في أوساط الناشطين في صفوف الحركة التقدمية وحدها، بل هي داءٌ يصيب جميع الحركات السياسية. فنحن نرى بعض مثقفي الحركة الدينية يبررون انقلابهم عبر الإشارة إلى المبررات نفسها التي يستخدمها أمثالهم في الحركات التقدمية. علاوة بالطبع على الإشارة إلى الغطاء الشرعي الذي وفرت مطاطيته التبريرات لكثيرين على اختلاف النحل والملل. أقول، لقد رأينا جميعاً كيف تفشى التدافع نحو أهل السلطان بين المثقفين والنشطاء السياسيين. ورأينا كيف صارت الناس ترى المثقف والناشط السياسي الذي لا يستحي من الإعلان عن استعداده للتخلي عن ماضيه، بل وكما تقول النقاش «لمقايضة المبادئ والأخلاق والقيم والأهداف العليا بمصالح صغيرة وعابرة معتنقاً أسوأ ما أفرزته الثقافات الطبقية من عبودية وإقطاعية ورأسمالية». ولهذا نرى أيدي الكثيرين رافعة رايات تحمل الشعارات التبريرية من قبيل «السياسة فن الممكن» و«الغاية تبرر الوسيلة» ناهيك عن «اللي صار صار».

أما الأمر الثاني الذي يتوجب التأكيد عليه فهو أن مقال فريدة النقاش لا يوحي باليأس. رغم سواد الصورة التي رسمها سلوك بعض أصحابنا في السنوات الأخيرة، إلا أنهم ليسوا أول ولا آخر من ينهار عند سماع رنين ذهب المعز. فالحياة فيها هذا السواد الذي يمثله السلوك الانتهازي. وفي الحياة أيضاً أولئك الذين يرسمون الأمل بصمودهم وبكفاحيتهم. فالنضال الشعبي - كما تقول النقاش - لا يتوقف عن تكوين المثقفين النقديين والثوريين وأصحاب الضمائر حتى ولو كانوا قلة. ويستمر هؤلاء رغم الخذلان في أداء «أدوارهم الباسلة في أوساط الكادحين ويلهمون المؤسسات المستقبلية منشئين رأس مال رمزياً لا يقدر أبداً بمال يراكمونه من اختيارهم الثوري وتماسكهم الأخلاقي، وسلوكهم المبدئي، وولائهم الحقيقي للمصالح العليا للكادحين ولمشروع المستقبل الذي يكافحون من أجله من أجل عالم أجمل ترفرف عليه رايات العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية».

[1] فريدة النقاش، «اللعب على كل الحبال»، الأهالي، 12 مارس/ آذار .2008 
 

صحيفة الوقت
‏25 ‏مارس, ‏2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro