English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

خطاب إلى فخامة الرئيس
القسم : عام

| |
2008-03-22 18:16:00


 

 

 

فخامة الرئيس الدكتور بشار حافظ الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية حفظه الله ورعاه

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مواطن عربي من مملكة البحرين، محب لسوريا، حريص على تقدمها وازدهارها، عاش فيها في بداية السبعينات طالباً في ضيافتها، لم تُقصر معه ومع الآلاف من الطلبة العرب الدارسين فيها، سوريا التي تحملت وجود الآلاف من المواطنين العرب الذين ضاقت بهم أراضي أوطانهم خلال عقود من الزمن، خصوصا بعض مواطني الجزيرة العربية ومن بلدي البحرين. جميعهم محبون لسوريا مقدرين لها مواقفها، كل ذلك رغم مضايقة أجهزة المخابرات لهم، حيث كان يصل الأمر بهذه الأجهزة إلى الاعتقالات في أوساطهم وهم ضيوف دونما أسباب وجيهة، لا تتفق مع ما ترفعه سوريا من شعارات وما تعلنه من مواقف. نقدر لسوريا مواقفها من المقاومة في لبنان، نقدر لها موقفها من المقاومة الفلسطينية. لكن، إذا كان لنا أن نثني على ما نراه إيجابياً في سوريا، فإن من حق سوريا علينا أن نقول لها ما نراه سلبياً فيها ويُسيء إليها ويجعلها في حالة ضعف في الكثير من الجوانب، كل ذلك نابع من حبنا لها وحرصنا عليها.

فخامة الرئيس: كنت في سوريا خلال الفترة من السادس وحتى الرابع عشر من هذا الشهر (مارس/آذار) في زيارة لها، وقد عدت إليها بعد نحو اثنين وثلاثين عاماً من مغادرتي لها مرغماً بفعل أجهزة مخابراتها التي لم تتغير حتى الآن، بل ربما تحولت إلى أسوأ مما كانت عليه، لذا فإنني مثل الكثيرين الذين يعتزون بمواقف سوريا تجاه المقاومة في لبنان، إلا أننا نقدم العذر للكثيرين من اللبنانيين الذين عانوا الويلات من ممارسات أجهزة الأمن السورية، والتي لا ينكرها حتى محبو سوريا ومن ضمنهم أطراف المقاومة اللبنانية.

السيد الرئيس: منذ قرابة أربعة عقود وحتى الآن، الصورة الغالبة التي ظلت قائمة في سوريا، توحي بأنها ثكنة عسكرية في مجملها. للوهلة الأولى يتأكد الزائر لها أنها محكومة بالحديد والنار، الفساد الذي يسيء إلى سوريا وموقعها يراه الزائر لها رؤيا العين ولا يحتاج إلى بحث وتقص.

لا بد لي من تعداد بعض المظاهر التي لمستها خلال الأيام القليلة التي قضيتها في دمشق وأرى أنها تُشكل إساءة بالغة لسوريا.

إن بعضا مما أعرضه في هذا الخطاب هو جزء متمم لمقال نشرته في الأسبوع الماضي وأرسلته عندما كنت في دمشق. أبدأ من قصة المقال، ففي الوقت الذي نعيش فيه في عصر ثورة الاتصالات التي لا يمكن حجبها والتحكم فيها، إلا أن العقلية المخابراتية السائدة في سوريا لا زالت تحاول التحكم والسيطرة على استخدام مثل هذه الوسائل، تكاد جميع الصحف العربية أن تكون غير موجودة في المكتبات السورية، في الوقت الذي يمكن للقارئ أينما كان أن يتصفحها على صفحات الإنترنت، فالمنع والرقابة لم يعدا مجديين اليوم. ومع ذلك فإن المعاناة تظل شديدة في توفر خدمات الإنترنت والفاكس في سوريا، الأمر الذي يحرم المواطن السوري من الاطلاع على الكثير من التطورات والعلوم والثقافة والأخبار عبر هذه الوسيلة العلمية الجبارة، فعندما كتبت المقال وهو يتضمن بعض النقد الأولي تجاه ما وجدته، لم أحصل على وسيلة سهلة لإرساله، ودخلت أحد المحلات التي لديها جهاز فاكس وطلبت من صاحب المحل إرسال فاكس، بادرني بالسؤال: '' ما فيه كلام هيك وهيك ممنوع''؟ رددت عليه والخوف يعتريني لا، ''الله ستر'' وأرسل المقال الذي هو في عرف أجهزة المخابرات يرسلني إلى زنزانة من زنازينها. فهل يجوز في هذا العصر أن يعتري المواطن العربي الخوف والرعب من وجهة نظر يود أن يبديها؟

أشرت في المقال السابق إلى القيود المفروضة على المواطن السوري منذ عقود، كل ذلك بذريعة أن سوريا في حالة حرب. نقول إن الإنسان مثله مثل السلاح، إذا لم يُستخدم يتحول إلى خردة عديمة الفائدة، ما هي الفائدة من القيود التي فرضت على المواطن السوري قبل أربعة عقود عندما كان عمره في العشرينات وأصبح الآن في الستينات؟ هل يجوز مثلاً أن يكون الحصول على جواز السفر خاضع لموافقة الأجهزة الأمنية؟

أسوأ ما يلمسه الزائر إلى سوريا هو تلك الإمكانات الهائلة من مقومات السياحة التي يجب أن تُستغل بشكل جيد، بشكل يجعل سوريا قبلة للسياحة العربية والسياحة العالمية. لكن الأمر الملموس والمحسوس هو عكس ذلك، فغياب تطوير البنية السياحية يكاد يكون فقيراً قياساً ببلدان لا توجد لديها مقومات السياحة ولكنها ببرامجها استطاعت أن تخلق بنية تجتذب السائح. إن أهم عنصر في السياحة هو العنصر البشري الذي يتعامل مع السائح. إن الأمر المؤسف في سوريا هو وصول الفساد إلى قطاع من الناس لا يُستهان بأهميتهم في إعطاء صورة ناصعة لسوريا، لكن الأمر هو عكس ذلك تماماً، فهم يعطون صورة سلبية عن سوريا وشعبها، قد تكاد الغالبية العظمى ممن يتعامل معهم الزائر إلى سوريا هم ممن يسيؤون إلى سوريا دون وجود من يوجههم ويُحاسبهم. بدءاً من الدخول إلى مطار سوريا الدولي الذي يُشكل الواجهة الأولى لبلد يُفترض فيه أن يكون بلداً سياحياً من الدرجة الأولى، الرجل العسكري العامل في المطار لا يتورع في طلب الرشوة علناً، عند دخولي طلب مني العسكري حتى يختم جواز سفري أن أعطيه المقسوم فامتنعت عن ذلك، أما عند خروجي فأكثر من عسكري طلب مني أن أعطيه، اضطررت أن أعطي كل من طلب مني، حيث الخوف كان يعتريني لأن المقال الذي أرسلته من هناك كان في جيبي! نعم كانوا يأخذون من السائح المغادر علناً ومن دون خجل أو حياء. كيف لوطن أن يثق في حماية أمنه في وجود أمثال هؤلاء الذين يُفترض أنهم مسؤولون عن أمنه؟

إن الزائر إلى سوريا كثيراً ما يرتاد أسواقها ومطاعمها ويركب سيارات الأجرة. إن العاملين في هذه المجالات يمكنهم أن يعطوا صورة إيجابية وحضارية عن سوريا وشعبها، ويمكنهم أن يعملوا عكس ذلك، للأسف الشديد أن معظم العاملين في هذه المجالات وغيرها من المجالات ذات العلاقة بالزائر هم أول من يعطي الصورة السلبية، فالفساد متفشٍ في أوساطهم، يعملون على سلب الزائر بقدر ما يستطيعون دونما ضمير أو حسيب أو رقيب. عندما كنت أسير في سوق السيدة زينب أو في سوق الحميدية ذات الشهرة الواسعة لمست درجات الاستغلال البشعة للمتسوق من الزائرين بشكل لا يُصدق، كنت أتألم وأنا أشاهد عجائز دول الخليج من النساء وكيف يتم سلبهن أثناء الشراء، فحق مشروع للبائع أن يبيعهن السلعة بأسعار قد تصل إلى خمسة أضعاف سعرها الحقيقي!

فخامة الرئيس: إن ما وجدته ورأيته خلال أيام قلائل لا يجعلني ولا يجعل الكثيرين من المحبين لسوريا والحريصين عليها أن يشعروا بالتفاؤل.

مع كل المحبة والتقدير.

 

صحيفة الوقت

‏22 ‏مارس, ‏2008

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro