English

 الكاتب:

سبيكة النجار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

مسؤولية الأطباء تجاه الأشخاص المحتجزين
القسم : حقوق انسان

| |
سبيكة النجار 2008-03-20 13:04:43


 

 

 

 كلما حاولت الكتابة في موضوع آخر يستفزني حدث ويدفع قلمي للكتابة مرة أخرى عن التعذيب وسوء المعاملة في أماكن الاحتجاز. فقد نشرت الصحف المحلية خبراً عن موافقة القاضي الذي يحقق في قضية المتهمين بالأحداث الأخيرة عرضهم على أطباء للتحقق من صحة إدعاءاتهم بالتعذيب وسوء المعاملة من قبل رجال الشرطة والمسؤولين عن أماكن التوقيف. وقد ذكرت الصحف أنه قد تم تعيين أطباء من مجمع السلمانية الطبي للقيام بهذه المهمة. إلى هنا والكلام ممتاز ويثلج الصدر ويجعلنا نطمئن إلى نزاهة قضاتنا الذين يتولون هذه القضية. ولكن هناك أموراً يجب الالتفات إليها: أولها التأكد من أن الأطباء المعينين قد تلقوا تدريباً خاصاً في مسألة محاربة التعذيب أو بمعنى أدق في مسألة التعامل مع ضحايا التعذيب. ثانياً وهو الأهم أنه مر من تاريخ شكوى أولئك المعتقلين إلى وقت صدور الأمر القضائي ما يقارب من الأربعة أشهر. وهذا الوقت كفيل بأن يمحو الكثير من آثار التعذيب الجسدية. فقد كان الأولى أن يصدر ذلك الأمر من النيابة العامة عند أول إشارة أو شكوى بممارسة أساليب تعذيبية على الموقوفين. ثم - وهذا ليس تشكيكاً في الأطباء المعينين فهم قد أقسموا بأن يحكموا الضمير والأخلاق عند ممارستهم لمهنة الطب ثم أقسموا مرة أخرى أمام القاضي بأن يبذلوا كل ما يستطيعونه من أجل إجلاء الحقيقة - إن مرور وقت ليس بالقصير على تلك الإدعاءات كفيل بأن يلتئم الجرح ولا يعود له أي أثر، وفي نهاية الأمر يصدر تقرير الأطباء بالإقرار بسلامة أجساد المشتكين. رابعاً وهو أمر مهم كذلك أرجو ألا يكتفي الأطباء بمعاينة الشاكين في عياداتهم بمجمع السلمانية الطبي حسبما ورد في الصحف؛ بل عليهم أن يوسعوا من فضاء تحقيقاتهم لتشمل البيئة المكانية لأماكن الاحتجاز؛ إضافة إلى الإطلاع على سجلات الشاكين وهي موجودة في ملفات الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان وعلى لسان الأهالي المسجلة على أشرطة الفيديو. كما أرجو أن يقارنوا تلك الإفادات مع ما سيجرونه من مقابلات شخصية ومعمقة مع الموقوفين؛ حيث يتحتم عليهم - أي على الأطباء - عدم الاكتفاء فقط بالكشف الطبي.

لقد بحت أصوات المدافعين عن حقوق الإنسان مطالبة بإنشاء لجان وطنية مستقلة لحقوق الإنسان يكون من ضمنها لجان تحقيق في سلوكيات رجال الشرطة والمسؤولين المباشرين عن أماكن الاحتجاز. ورغم الوعود الكثيرة بإنشاء لجنة وطنية لحقوق الإنسان التي رددتها الحكومة على مسامعنا وكتبتها في كل تقاريرها التي أرسلتها إلى المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان؛ إلا أن شيئاً من ذلك لم يتحقق على أرض الواقع، ولا ندري متى سترى مثل تلك اللجنة النور.

ولأهمية موضوع التحقيق في التعذيب والوقاية منه ولأنني أشفق كثيراً على أولئك الأطباء الذين أوكلوا بالمهمة الشبه مستحيلة؛ أعود فأذكر بالدور المرتقب للأطباء في لجان التقصي والوقاية من التعذيب وسوء المعاملة وسأكتفي هنا بإشارات سريعة كالتالي: 1- المشاركة الفعلية في الإعداد لزيارات أماكن الاحتجاز. 2- جمع أكبر قدر من المعلومات عن المكان موضوع الزيارة. 3- إجراء مقابلات مع الموظفين المسؤولين عن أماكن الاحتجاز. 4- تقييم مراكز الاحتجاز من حيث البيئة الصحية، كالنظافة، التهوية، توفر الهواء النقي، الماء، الإنارة ومدى الازدحام في الغرف فالنقص في تلك الأمور يعتبر من ضروب سوء المعاملة التي تُحَرِمها المواثيق الدولية؛ إضافة لتقييم الإجراءات المتخذة للحد من محاولات الانتحار؛ ومدى ملاءمة الإجراءات الانضباطية كالاحتجاز الانفرادي مع مبادئ حقوق الإنسان. 4- توفر وسائل التأهيل قبل إطلاق سراح الموقوف في حال إثبات براءته. لأن الاحتجاز يؤثر سلباً على الشخص ويكون تأثيره مضاعفاً في حال البراءة.

يجب أن يحرص الأطباء على إجراء المقابلات الشخصية مع المحتجزين. فكثيراً ما تختفي علامات التعذيب إلا أن الأطباء المدربين قادرون على إثبات وقوع التعذيب أو نفيه. أذكر هنا هذا المثال الذي شهدته شخصياً. فعلى هامش إحدى الندوات التي أقامتها الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان بشأن جريمة التعذيب وشارك فيها أطباء عرب وأجانب متخصصون يديرون مراكز لتأهيل ضحايا التعذيب؛ أن طلبوا مقابلة النساء من ضحايا التعذيب المباشر أو غير المباشر. وقد تحدثوا مع نحو خمس عشرة سيدة. وفي نهاية المقابلات سألتهم عن رأيهم فذكروا أن أولئك النساء صادقات في إدعاءاتهن ماعدا واحدة قد وصفوها لي فعرفتها وكنت دائماً أشك في صحة إدعاءاتها التي ملأ طنينها وسائل الإعلام داخل وخارج البحرين.

من الأمور الأساسية كذلك تقييم الخدمات الصحية المتوفرة بما في ذلك الخدمات النفسية والعقلية وسهولة الحصول عليها، إلى جانب كيفية تعامل المسؤولين مع الأشخاص المرضى بأمراض معدية كالسل أو الإيدز أو غيرها وأساليب عزلهم عن الأصحاء، إضافة إلى معاينة مدمني المخدرات والمرضى النفسيين والجماعات الأكثر عرضة لانتهاك حقوقهم كالنساء والأطفال والمعوقين والأجانب وغيرهم. وأخيراً سهولة الحصول على خدمات الطوارئ.

وتطول قائمة المسؤوليات على الفريق الطبي المشارك في زيارات أماكن الاحتجاز وأكتفي بالنقطة التالية لأهميتها وهي التأكد من الالتزام الأخلاقي للجهاز الطبي العامل في تلك الأماكن. فمن المعروف أن لأطباء السجون مسؤوليتين متعارضتين. فكونهم أطباء يحتم عليهم الولاء لمهنتهم وإخلاصهم لمرضاهم؛ وهذا يتناقض مع ولائهم لمسؤوليهم. وقد يقعون في المحظور حفاظاً على لقمة عيشهم فيسكتوا عن ممارسة التعذيب ويعالجوا ضحاياه بصمت، ولا يهتموا بحالة المحتجزين انفرادياً وغير ذلك. لذا على أعضاء الفريق الطبي معرفة مدى التزام أطباء السجون بالأخلاقيات الطبية والمعايير الدولية في هذا الخصوص.

أختم مقالي بالرجاء للأطباء الذين سيعاينون الموقوفين أو أولئك العاملين في أماكن الاحتجاز بقراءة وثيقة مناهضة كافة أشكال التعذيب وبروتوكولها الاختياري، إضافة إلى بروتوكول اسطنبول ؟ دليل التقصي والتوثيق الفعالين للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية واللاإنسانية والمهينة.

 

صحيفة الوقت

‏20 ‏مارس, ‏2008

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro