English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

تعذيب المتهم لحمله على الاعتراف (1)
القسم : عام

| |
2008-03-15 13:40:15


 

 

 

يقول المندوب الخاص للأمم المتحدة في قضايا التعذيب نيغل رودلي: «إن الواقع المظلم هو أن على رغم إجراءات المنظمات غير الحكومية والحكومية على مدى ربع قرن من الزمن، لايزال التعذيب يعد مشكلةً منتشرةً وواسعةً، ليس فقط ضد المعارضين السياسيين، بل أيضاً ضد المشتبه في ارتكابهم جرائمَ محددةً».

 

والتعذيب بصفته ظاهرة أو مشكلة ليست جديدة. فقد عرفته كل الحضارات القديمة سواء ما بني منها على الأديان أو على أفكار فلسفية أو غير ذلك. ولم يكن حظ القرن العشرين بالنسبة إلى التعذيب - على رغم ما عرفه من تقدم - بأقل من حظ القرون الأخرى، بل ربما كان هذا القرن قد عرف من الفظائع بالجملة، ومن القتل الجماعي ما لم تعرفه القرون الأخرى.

 

وأصبح المرء أمام ظاهرة بدأت تتفشى، وهي ظاهرة العنف ضد المتهمين وخصوصاً في الجرائم السياسية، إذ غدا أمراً معتاداً في كثير من البلدان، حسبما يظهر من تقارير منظمة العفو الدولية التي توضح أن الدول إنما تلجأ للتعذيب في محاولة منها للقضاء على معارضيها السياسيين، حتى أصبح التعذيب عملا روتينيا من أعمال جهات الأمن، بدأ بالاعتقال الفجائي ليلاً إلى الاغتصاب وتدبير الحوادث المميتة بشكل غامض، واستخدام العقاقير الطبية من أجل التسلل إلى ذاكرة المتهم بما يعد انتهاكاً لحقه في الخصوصية بوصفها أحد الحقوق المتفرعة عن حقه في المساواة مع غيره في الاحتفاظ بمكنونات نفسه.

 

ولقد ساعدت التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة على جعل كثير من الناس في دائرة الاتهام، وبالتالي أمكن تعريضهم للعنف بصور مختلفة. ومرجع الأصل التاريخي لإمعان المحقق في تعذيب المتهمين هو ممارسة هذا العمل من قبل المحقق على نحو التعبد للأباطرة الرومان بوصفهم ممثلين للآلة، ولما كان يبذله هؤلاء من عطايا سخية للمحقق الذي يتمكن من انتزاع اعتراف المتهم، وخصوصا إذا كانت التهمة من قبيل العيب في الذات الملكية. وكانت أوروبا عموماً تجيز التعذيب وخصوصاً في الجرائم الدينية بسبب سيطرة الكنيسة. ولم تكن بريطانيا تسمح بالتعذيب؛ لأنها كانت تنتهج سياسة مستقلة عن الكنيسة، ومع ذلك فقد مورس التعذيب واقعاً في بريطانيا في الجرائم ذات الطابع الديني وجريمة الخيانة العظمى.

 

ثم هبت رياح التغيير على يد الفيلسوف فولتير في فرنسا، الذي أدان التعذيب، وشايعه في ذلك الفيلسوف بيكاريا في إيطاليا الذي اعتبر التعذيب عقوبة توقع على المتهم قبل الحكم عليه بما يعد تطويحاً بالنظام القضائي كله. ولقد أدى تأثير كلام فولتير وبيكاريا إلى منع التعذيب في بروسيا سنة 1740م وفي فرنسا العام 1789م. وسرعان ما لحقت بلدان أوروبية أخرى بذلك بحيث منعت التعذيب.

 

ومع مطلع القرن التاسع عشر يمكننا القول أو الادعاء إن التعذيب - الذي هو طريقة غير إنسانية في التعامل مع البشر - قد انتهى. وعلى رغم ذلك حتى هذا اليوم هناك الكثير من المناطق في العالم التي يحصل فيها شكل من أشكال التعذيب على رغم إدانة المجتمع الدولي التعذيب واعتباره جرماً يُرتكب في حق الكرامة الإنسانية؛ لما يمثله من انتهاك أساسي لحقوق الإنسان، وأهمها حقه في الأمن الفردي وهو حقه في سلامة جسمه، كما حرّم القانون الدولي التعذيب تحريماً قاطعاً أياً كانت الظروف.

 

ولقد بذلت جهود دولية جبارة لمكافحة التعذيب تمثلت في المعاهدات الدولية، ومنها اتفاقية جنيف للعام 1976 والخاصة بالحقوق المدنية والسياسية التي حرّمت التعذيب، وجميع صور المعاملة القاسية، وحددت الأمم المتحدة في مشروع اتفاقية دولية لمناهضة التعذيب المقصود به والشخص القائم به بشكل تفصيلي، وقد تم فعلاً اعتماد هذا المشروع بكونه اتفاقية دولية في ديسمبر/ كانون الأول 1984 التي انضمت إليها البحرين بموجب المرسوم رقم (4) لسنة 1998 المعدل بالمرسوم رقم (34) لسنة 1999. وقد ورد تحريم التعذيب في ميثاق منظمة الدول الأميركية للعام 1959 والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان للعام 1981.

 

كما نصت معظم دساتير الدول - إن لم نقل كلها - على تحريم التعذيب. ومن هذه الدساتير الدستور البحريني الذي نص في المادة (19/د) منه على الآتي: «لا يعرض أي إنسان للتعذيب المادي أو المعنوي، أو للإغراء، أو للمعاملة الحاطة بالكرامة، ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك، كما يبطل كل قول أو اعتراف يثبت صدوره تحت وطأة التعذيب أو الإغراء أو لتلك المعاملة أو التهديد بأي منها». ثم جاءت المادة (21/د) مؤكدةً حظر التعذيب فنصت على ما يأتي: «يحظر إيذاء المتهم جسمانياً أو معنوياً»، وهو ما أكده ميثاق العمل الوطني البحريني في العام 2001.

 

ويقصد بالتعذيب كما عرّفته المادة الأولى من اتفاقية مناهضة التعذيب التي دخلت حيز التنفيذ في 26 يونيو/ حزيران 1987م أنه «أي عمل ينتج منه ألم أو عذاب شديد جسمياً كان أو عقلياً يلحق عمداً بشخص ما، بقصد الحصول من هذا الشخص أو من شخص ثالث على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو شخص ثالث، أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أياً كان نوعه، أو يحرض أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية ولا يتضمن في ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية، أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها».

 

فالتعذيب يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمتهم والجريمة والتحقيق الذي غايته اكتشاف فاعل الجريمة وجمع الأدلة على ارتكابه الجرم وتقديمه إلى المحاكمة. وللتحقيق أصول لا تعدو كونها إجراءات قانونية تخول المحقق جمع الأدلة وتحديد هوية الفاعل، وقد وضعت تلك الإجراءات القانونية لضمان سلامة التحقيق من جهة ولضمان سلامة المتهم من جهة ثانية. إلا أن الأخطار تحوق بكليهما جراء حصول بعض الممارسات الشاذة في كثير من البلدان التي ترمي إلى اختصار الطريق القانونية والسليمة بأن ينصب التحقيق بكل قوته على شخص المتهم لاستخلاص الإقرار منه، وكأن الإقرار هو الغاية من التحقيق، وكأنه كافٍ بحد ذاته لتأييد الاتهام والإدانة المتهم.

 

ولكن إذا أمعنا النظر في طبيعة الإقرار وجدنا أنه لا يشكل سوى دليلٍ من بين الأدلة الكثيرة التي يجب أن يؤيد بها الادعاء. وقد وضع العلم الحديث الوسائل الفنية الكافية التي تمكن من اقتفاء آثار المجرمين وجمع الأدلة بحقهم من دون المساس بسلامتهم وتعذيبهم لجبرهم على الإقرار. فكم من إقرار كاذب أضاع آثار المجرم الحقيقي وقاد القضاء إلى أخطاء قانونية والحكم على الأبرياء، إذ إن الذين يرغبون في أن يكونوا شهداء، نادراً ما يعترفون أو يكشفون عن أي شيء من مكنوناتهم بالإكراه. وعلى العكس من ذلك، كان آخرون قد عُرف عنهم أنهم يعترفون بأي جريمة ويقدمون أية معلومات عندما يخضعون للتعذيب. ولذلك على القاضي الجنائي ألا يقابل اعتراف المتهم بالترحاب والقبول، بل عليه أن يقابله بغاية من الحيطة والحذر والاحتراس. فالاعتراف بالجرم يورد صاحبه موارد الهَلَكَة، وليس من طبائع البشر وغرائز الإنسان أن يقبل على موارد الهلاك طائعاً مختاراً، كما أن المتهم نادراً ما يعترف بوازع من الندم أو تأنيب الضمير. فالإقرار ليس كل شيء، والأهمية التي تعطى اليوم للإقرار من قبل البعض ليست سوى من آثار ذلك الماضي القاتم حيث كان الإقرار يشكل الطريق المثلى لإثبات الجرم.

 

إن الأصل في الإنسان البراءة حتى تثبت إدانته في محاكمة عادلة تتوافر فيها جميع الضمانات القانونية في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة. ومع هذه القرينة القانونية لابد من الاهتمام بالأدلة الجنائية وتوفير الضمانات القانونية لسلامة تلك الأدلة، وكثيرا ما يتبع البحث عن الأدلة مساسٌ بالحريات الفردية للمتهم أو استباحتها.

 

ولمّا كان الهدف من الإجراءات الجنائية - كما أسلفنا - ليس كشف الحقيقة بعيداً عن احترام حرية المتهم؛ مما يتعين معه احترام تلك الحرية وتأكيد ضماناتها، فلا قيمة للحقيقة التي يتم الوصول إليها على مذبح الحرية؛ إذ من الممكن جداً إجبار المتهم على الكلام ولكن من المتعذر بل من المستحيل إجباره على قول الحقيقة. ولقد قضت محكمة النقض المصرية بأنه يجب ألا يعول على اعتراف المتهم مهما كان صادقاً، مادام وليد إكراه مهما كان قدره، وهو الأمر الذي انتظمته المادة (19/د) من الدستور البحريني التي تقدم ذكرها، كما نصت على البطلان المادة (128/1) من قانون أصول المحكمات الجزائية التي تنص على أن «لا يقبل في معرض البينة أي اعتراف يدلي به المتهم إذا تبيّن للمحكمة أن الإدلاء به جاء نتيجة إغراء أو تهديد أو وعد يتعلق بالتهمة المسندة إليه صادر من شخص ذي سلطة وكافٍ في رأي المحكمة لجعل المتهم يفترض لأسباب تبدو له معقولة سيجني فائدة أو ينفي شراً من نوع دنيوي فيما يتعلق بالإجراءات ضده»، وهو القانون الذي حل محله المرسوم بقانون (46/2002)، وتنص المادة (253) منه على ما يأتي: «يحكم القاضي في الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته، ومع ذلك لا يجوز له أن يبني حكمه على أي دليل لم يطرح أمامه وكل قول يثبت أنه صدر من أحد المتهمين أو الشهود تحت وطأة الإكراه أو التهديد به يهدر ولا يعول عليه».

 

نلاحظ على النصين سالفي الذكر أن المشرع لم يكتفِ بتحريم تعريض أي إنسان للتعذيب المادي أو المعنوي، بل مد ذلك التحريم إلى الإغراء أو المعاملة الحاطة بالكرامة الإنسانية، وجرّم هذا الفعل وأبطل كل قول أو اعتراف من قبل المتهم يثبت صدوره تحت وطأة التعذيب المادي أو المعنوي أو المعاملة غير الإنسانية للمتهم حتى مجرد التهديد بها، بمعنى أنه لا يشترط في وسائل التعذيب أن تكون من الخطورة بحيث تؤدي لوفاة المتهم حتى أن تترك آثاراً في جسمه، بل بدرجة الاعتداء على حرية المتهم أو المسّ بكرامته. فإذا صاحب الاعتراف شيء مما تقدم من صنوف التعذيب حتى مجرد التهديد بها أو بأحدها كان البطلان حكم الاعتراف المتولد عنها.

 

وتعليل ذلك البطلان من الناحية القانونية أن من شروط صحة الاعتراف أن يكون ناتجاً من إرادة حرة. وشرط الإرادة في الاعتراف شرط موضوعي يتوقف عليه وجود العمل الإجرائي ذاته. فالإرادة هي خالقة الاعتراف بصفته عملاً إجرائياً، ومن دونها لا يكون له كيان قانوني. والعجيب إن النص القانوني الملغي ذا الأصل الإنجليزي الصادر في مطلع القرن الماضي أوفق بالمتهم وأصلح له. ولقد ورد عن الخليفة عمر (رض) قوله: «ليس الرجل أميناً على نفسه إذا أوجعته أو ضربته أو أوثقته».

 

ولما كان البطلان هنا متعلقاً بالنظام العام على أساس المحافظة على المصلحة العامة وليس المصلحة الخاصة، فلا يجوز التنازل عنه كما لا يجوز افتراض صحته ولو رضي صاحب الشأن؛ لأن رضاه معناه التنازل عن التمسك بالبطلان، وهو أمر غير جائز. ويتعين على المحكمة متى استشعرت عدم نزاهة الدليل أن تقضي ببطلانه من تلقاء نفسها. ويكون كذلك إذا عرض المتهم لأي صنف من العنف، عملاً بقاعدة بطلان الدليل المتولد خلافاً للشرعية الإجرائية؛ إذ عندما يقع الإخلال بمبدأ الفصل بين السلطات، وتغدو السلطة التشريعية سائرةً في ركب السلطة التنفيذية، أو عندما يصل بها الأمر إلى حد اغتصابها السلطة التشريعية لنفسها، تتربص بالقضاء للقضاء على استقلاله، فتتقهقر حريات الأفراد، وتتسع سلطة الإدارة وتتغول، وتكون أكثر تحرراً من القانون، وهي بطبيعتها نزاعة لذلك، فإذا وقعت حوادث تتفاجأ سلطات الأمن بها، تظهر بمظهر المقصر غير العالم بما يحدث، وهو أمر غير مستحب من جانبها، في هذه الحالة.

 

فسلطات الأمن - فضلاً عمّا تقوم به من اعتقالات عشوائية - تحاول جاهدةً تدارك تقصيرها في منع وقوع الجرائم باصطناع الأدلة لمن تنسب إليهم ارتكاب الحوادث، وقد تصل سلطة التحقيق في سبيل إثبات ذاتها إلى حد ممارسة الاعتداءات الجسمية على المعتقلين علها تنتزع منهم اعترافاً يقوم مقام الدليل في إثبات التهمة عليهم، وتعمد من ثم لتأخير عرض المتهمين على قاضي التحقيق؛ مما ينطوي عليه ذلك الاحتجاز - بلا سند - من تعدٍّ على الدستور والمواثيق الدولية الملزمة. وهي تريد من ذلك أمرين أولهما: الإمعان في تعذيب من صمد من المتهمين، وثانيهما زوال آثار التعذيب ممن اعترف منهم.

 

صحيفة الوسط

Saturday, March 15, 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro