English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

أمة عربية واحدة.. ذات رسالة خالدة
القسم : عام

| |
2008-03-15 13:33:51


 

 

  

 

  عندما يعيش الإنسان شطرا من حياته في بلد ما، ومن ثم يغادره ويعود لزيارته بعد سنوات طويلة، فإنه يشتاق لزيارة بعض الأماكن والمعالم التي كانت له فيها ذكريات، ولابد له من ان يعقد بعض المقارنات بين ما كان وما هو موجود. قضيت سنوات في سوريا وبالذات في عاصمتها دمشق، غادرتها قسرا قبل أكثر من ثلاثة عقود، لم يخطر ببالي اني سأعود إليها ثانية، حيث ان من طبيعة الأجهزة الأمنية في بلداننا العربية عندما تدرج أسماء المبعدين لأسباب سياسية في قوائمها، فإن تلك الأسماء وتلك القوائم تظل خالدة ابد الدهر .

بعد تلك الغيبة الطويلة عدت إلى دمشق الفيحاء في زيارة لها مشتاقا.. كان لابد لي من عقد مقارنة في بعض الجوانب بين ما كان قبل اثنين وثلاثين عاما وبين ما هو كائن الآن، محاولا تكوين بعض الانطباعات الشخصية. بالتأكيد ان بعض ما أراه انا سلبيا يراه آخرون انه قمة الايجابية، والعكس صحيح قد يكون هناك ما أراه أنا ايجابيا يراه آخرون سلبيا .

بدءاً من مطار دمشق، فهو لم يتغير كثيرا، المواطنون السوريون والمواطنون العرب يقفون سواسية في طابور واحد لختم جواز السفر، المواطن العربي لا يحتاج الى اذن دخول (فيزا) مسبق. كان لابد لي من السير في بعض الشوارع التي كنا كطلاب دائما ما نسلكها، وخصوصا تلك التي كانت تقودنا من مناطق سكننا الى مقر الاتحاد الوطني لطلبة البحرين، حي المزرعة والأحياء المجاورة له كانت من الأحياء التي يسكنها الطلبة، تغير حال المباني والكثير منها أصبح متهالكا، أرصفة الشوارع تشكو الحال، الزحمة الشديدة، ألوان المباني تحولت الى اللون الأسود بفعل التلوث وأدخنة المازوت .

المقار العسكرية ومقار أجهزة المخابرات كما هي منتشرة في كل شارع وفي كل زاوية.. في الصباح وبالقرب من هذه المقرات تأخذ طاولات صغيرة أماكنها ومعها كتبة العرائض بمعداتهم، أساليب قديمة لم تمسها يد التطور، وظيفة هؤلاء الكتبة تتمثل في قيامهم بكتابة الخطابات على أوراق بيضاء يلصق عليها طابع (دمنة). موضوع الخطابات يتمثل في طلب رخصة زواج، كفالات سفر، اذن باستخراج جواز سفر، طلب تجديد جواز سفر.. كل هذه الطلبات وأمثالها لا يمكن ان تتحقق لطالبها من دون موافقة الأجهزة الأمنية!! لازالت إعلانات الوفيات تلصق على جدران الشوارع وتعمل على تشويها .

زرت جامعة دمشق، تلك الجامعة العريقة، يبدو لي ان سنة التطور لم تطلها، بل بما في جوانب من مظاهراها الخارجية عادت القهقرى، الصيانة لها قد تكاد تكون معدومة، عقبات السلالم متشققة ومتهدمة، وكذلك بعض حيطان الممرات، أسقف البهو والممرات تشكو الحال، مظلمة في عز النهار، المصابيح مكسرة وأسلاك الإنارة متدلية .

طريقة اعلان النتائج كما هي قبل اكثر من ثلاثة عقود، القوائم تلصق بمادة الصمغ على حيطان الممرات وتشوهها، معدلات الدرجات كما هي معروفة، نسب الرسوب عالية، من يحصل على 50 درجة من مئة او أكثر بقليل فهو من المحظوظين .

لفت نظري انتشار الحجاب في الجامعة بشكل لم يكن مألوفا ابدا قبل عقود، بل هناك بعض المنقبات من بين طالبات الجامعة،. مما لفت نظري وجود الآلاف من الفتيات في كلية الشريعة، تجرأت وسألت بعضهن عن الوظائف التي يمكن ان يشتغلن بها بعد تخرجهن، فكانت الإجابة في التدريس للعلوم الشرعية واللغة العربية! باصات بها طالبات في عمر الزهور يدرسن في مدارس ثانوية شرعية !

اعلان معلق في احد ممرات كلية الشريعة يقول: ''على جميع الرفاق العاملين والأنصار الذين سجلوا حديثا في كلية الشريعة استثناء عن طريق الحزب للعام الدراسي 2007/2008 مراجعة الفرقة الحزبية في الكلية خلال أسبوع''. اذا كان نظام القبول في الجامعات له مثل هذه الاستثناءات ومثل هذه المعايير، فإن مثل هذا الحزب لن يربي الا مجموعات من الانتهازيين وأصحاب المصالح. كليات الجامعة المختلفة لازالت تدرس ضمن مقرراتها مادة الثقافة القومية الاشتراكية الذي لم تمسه يد التغيير منذ اكثر من أربعة عقود .

دخلت سوق الحميدية، ذلك السوق العتيق الذي يؤدي الى المسجد الأموي ومسجد السيدة رقية، المئات من الإيرانيين في مواكب عزائية يخترقون السوق براياتهم وأهازيجهم الحسينية. في قاعة المسجد الأموي وفي قاعة مسجد السيدة رقية يتحلقون في مجموعات متفرقة، كل مجموعة يقودها قارئ حسيني والجميع يبكي وينتحب..المواكب العزائية الإيرانية كما هي في المسجد الأموي ومسجد السيدة رقية وجدتها كذلك في مسجد السيدة زينب .

الإيرانيون هم من يقوم بإدارة مسجدي السيدة رقية والسيدة زينب، وكأننا في احد الأماكن المقدسة في إيران. عشرات الآلاف من الإيرانيين يجوبون أسواق دمشق ويتبضعون، حيث ان وجودهم قد خلق حركة غير عادية لم تكن موجودة قبل قيام الثورة الايرانية .

دمشق تستعد هذه الأيام لانعقاد مؤتمر القمة العربي المزمع انعقاده في نهاية الشهر الجاري. دعوات السوريين لا تختلف عن دعواتنا اثناء انعقاد قمم مجلس التعاون، فهم يقولون كما نقول: اللهم اكثر من هذه المؤتمرات حتى يتم تبليط الشوارع وتنظيفها وتزيينها .

في متحف سوريا الوطني وفي مساحته الخارجية وقفت إحدى الجميلات وفي يدها مايكروفون واجهزة التصوير التلفزيونية تصورها وهي تتلو ما يراد منها ان تقوله، اقتربت من موقع التصوير كي استمع لما تقوله، التقطت منها بعض العبارات التي بدأتها بالقول: ''كثيرة هي الأغنيات التي عبرت عن وحدة الانتماء العربي.. فريد الأطرش في أغنيته بساط الريح''. قالت كلاما كثيرا يتناول احلاما قديمة لم تجد طريقها للواقع، كانت تتمنى وطنا عربيا واحدا من المحيط للخليج من دون حواجز ومن دون نقاط جوازات! سألت المشرف عن التصوير عن الهدف، فرد انه يتم بمناسبة انعقاد مؤتمر القمة العربي !

اللافتات بعباراتها التي كانت قبل اكثر من ثلاثة عقود كما هي لم تتغير، ''8 آذار استجابة لآمال الجماهير''.. ''وحدة.. حرية.. اشتراكية''.. ''قائدنا الى الابد.. الامين حافظ الاسد''.. ''أمة عربية واحدة.. ذات رسالة خالدة''. هل هي احلام؟ هل هي أماني؟ هل هي أوهام؟

 

صحيفة الوقت

Saturday, March 15, 2008 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro