English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

العلمانية ... والفهم المتشدد للدين
القسم : عام

| |
2008-03-14 17:32:35


 

 

 

 

 

ظهرت العلمانية في أوروبا نتيجة صراع رجال الدين المسيحي في تحالفهم مع سلطة الإقطاع الذي كان جاثماً على مجتمعات أوروبا من جهة وبين رموز الحركة التطويرية من مثقفين ، علماء ، وفلاسفة ، في تحالف مع البرجوازية الصاعدة وفئات اجتماعية متعددة من جهة أخرى ، حيث كان قطب الصراع الأول يعبر عن مفاهيم الثبات وبقاء الأمور على حالها في كل شيء في السلطة والمفاهيم الدينية السائدة بشأن الحياة والطبيعة والحكم والسياسة ، في حين كان قطب الصراع الثاني يمثل مفاهيم التجديد والتطور والتحرر وإعادة صياغة المفاهيم تجاه الكون طبقاً لنتائج البحوث والكشوف العلمية وبغية رفع الاستغلال أو الظلم والقيود التي تمارسها السلطات على الناس ، مستغلة في ذلك ما يطوعه لها رجال الدين من مفاهيم أو نصوص دينية تخدم الطبيعة المستغلة للإقطاع وتحافظ على سلطتهم المتشابكة معها .

 

لقد أنتجت مجريات الصراع الاجتماعي والتطورات العلمية ومستجدات الفكر السياسي في أوروبا منذ عصر النهضة شعار " فصل الدين عن الدولة " باعتبار أن الدين المسيحي يقوم على اعتقادات كانت وستبقى محل خلاف باختلاف البشر وظروف معيشتهم وثقافاتهم وتاريخ كل مجتمع حيث وصلت الخلافات والصراعات حد الاحتراب بمسميات مختلفة كان استخدام الدين أحد أوجهها ، وقد اقترن ذلك وتشابك مع ثبوت خطأ الكثير من الاعتقادات في فهم الكون وأسرار الطبيعة وعدم تحقيق الشعارات الدينية لمجتمع العدالة والمساواة بين البشر ، فاتجهت المجتمعات الأوروبية في ظروف وأزمان مختلفة للأخذ بمفهوم المواطنة لبيان علاقة الفرد بالدولة بدلاً من المفهوم الديني الذي يقوم على اعتقادات وإتباع تعاليم دينية واحدة ، تشظت وتباينت مع مرور الزمن واختلاف المصالح بين أتباع الدين الواحد أو حتى المذهب الواحد مما أدى إلى تشكيل فئة مسيطرة سواء باسم الدين أو عائلة الحاكم أو حتى الطبقة المسيطرة ، مما أدى إلى تراجع التسامح الديني والالتزام بالأخلاقيات الدينية تحت وطأة الواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ، الأمر الذي تأكد معه من خلال التجربة أن معيار المواطنة وقيام الدولة على أساس غير ديني وديمقراطي هو الوسيلة الأرقى لتجنب الاستغلال وعدم المساواة ومن أجل استمرار العيش المشترك وسيادة دولة المؤسسات والقانون الذي تصدره سلطة تشريعية منتخبة ، مما اقتضى تحييد دور المعتقد الديني أو المذهبي أو عدم السماح بإعماله في علاقة الفرد بالدولة مع السماح بممارسة الحريات والشعائر الدينية التي تمارس في أغلب الدول العلمانية بحرية واسعة بالمقارنة مع الدول الدينية أو التي تزاوج بين نمطي الدوليتين وهذا حال أغلب الدول الإسلامية .

 

وقد تجلى ذلك المفهوم في شعار " فصل الدين عن الدولة " وهو للأسف يثير حفيظة بعض المتدينين دون مبرر ، فالعديد من الحكام الجائرين والمتسلطين يمارسونه عملاً كلما دعت له الحاجة ويمارسون عكس هذا الشعار أيضاً كلما دعت الحاجة ولا يعترض عليهم أحد ويستنكره بالحدة وبالطريقة التي تثار عند بحثه من كاتب أو جماعة سياسية في إطار نقدي للمجتمع القائم في دولنا العربية أو الإسلامية والذي يثار عادة في مجرى البحث عن أساس لإقامة مجتمع العدالة والمساواة أو المطالبة بمزيد من الديمقراطية .

 

جدير بالبيان أن صياغة هذا الشعار وقيام الدولة العلمانية الديمقراطية لم يأت من باب العداء للدين أو رفضه عموماً أو من باب حب الإلحاد كما يعتقد البعض ، بل من باب التوجه نحو إشادة مجتمع يختفي منه استغلال الدولة للدين أو المذهب أو الملة في العلاقة مع أتباع الديانات أو المذاهب المختلفة في الدولة ذاتها ، والعمل باتجاه إقامة العدل والمساواة بين البشر بعيداً عن اختلاف الدين واللون والجنس خاصة وأن الأديان والمذاهب على وجه التحديد كانت محل استغلال وإساءة من بعض البشر في الكثير من التعديات والإساءات للمختلفين مع الفئة الدينية أو المذهبية المسيطرة أو الغالبة للإضرار بالمختلفين إلى حد ارتكاب مجازر بذرائع وحجج مختلفة ، وقد كان من بين هؤلاء المسيطرون من الديانة السائدة أو أفراد الطبقة المسيطرة ، من يدعي تمثيل السماء – الإله على الأرض فأضفوا على أنفسهم والمتحالفين معهم مصلحياً وعلى تفسيراتهم للنصوص الدينية أنواعاً من القداسة وبعض من صفات القدرة الإلهية وعمدوا إلى وصف أتباعهم أو المؤمنين بهم بأنهم على الصراط المستقيم أو أنهم الفرقة الناجية من النار ، في حين سيصلى غيرهم ناراً ذات لهب أو تنصب عليهم اللعنات على أقل تقدير ، بل قالوا بخلاف المسلم به من أن رب العباد يقبل التوبة وهو غفور رحيم ، فإنه حتى إذا تاب أي من المختلفين أو المنحرفين إلى بارئهم فإن من يدّعون أنهم يمثلون البارئ عز وجل يحكمون عليهم بالقتل رغم أن الخالق عز وجل شأنه يقبل التوبة من عباده !! ثم يقول من يزعمون أنهم ممثلون البارئ : أن ليس في الإسلام كهنوت ؟!! وأنهم ليسوا رجال دين بل علماء !! وأنهم يطبقون شرع الله في حين أنهم إنما يفرضون فهمهم أو تفسيراتهم المتشددة للنصوص على الناس ، ومن يختلف معهم في (الأمر) فجزاءه القتل !!

 

فأحد شيوخ الدين الشيعة بوزن المرحوم فضيلة الشيخ سليمان المدني رحمه الله وأتباعه كثر من طلبة العلم الديني يقول رداً على سؤال .. ألا يجوز إشراك جميع الفصائل الوطنية في اتخاذ القرار ؟؟ فيجيب بالآتي : أنا لا أفهم الفصائل الوطنية ، أنا عندي المواطن هو المسلم فقط ، أما من ولد من مسلمين ثم لم يؤمن بالإسلام فحكمهم في الشريعة باتفاق الفقهاء هو القتل ، وإذ أعلن التوبة نعطيه فرصة لقضاء ما فاته من صلاة وصيام ثم يقتل أيضاً حداً .. ثم يقول: .. كيف أقول أنه يجوز له أن يشارك في القرار وأنا لا أجيز له أن يشارك في الحياة !!

 

إنني أتسـأل على حد فهمي المتواضع .... أين هذا الحكم بالقتل ( المتفق عليه ) ، رغم التوبة ، من قول الحق سبحانه وتعالى : " وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها " ( الكهف 29 )، ومن قوله جل شانه : " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً " ( النساء 48 ) ، وأين هو السند القرآني لمعاقبة من كفر بعد الإسلام بالقتل حتى إذا أعلن التوبة ؟ وأرجو من أصحاب الفضيلة المهتمين بعلوم الدين توضيح ذلك لعل في ذهني التباس بهذا الشأن .

 

ربما يكون من المفارقات الغريبة أن أهل الكهنوت في أوروبا كانوا يوزعون صكوك الغفران على البشر ويعدونهم بالجنة ، في حين أن رجال الدين أو العلماء فيه ، بنظرتهم المتشددة للأمور وبتفسيراتهم الحادة والضيقة للنصوص الدينية ورفض الآخر وتحميل النص ما لا يحتمله واعتبار تفسير النصوص مهمة مقصورة عليهم ، إنما يقومون بذلك من أجل أن يستفردوا بتوزيع صكوك القتل والإعدام جزافاً على عباد الله بحجة أنهم لا تأخذهم بالكفار والمشركين ( والدائرة واسعة ) رحمة أو رأفة ، فلا مفر من القتل تاب الفرد أم لم يتب ، قال لا إله إلا الله أم لم يقل ، ليس لأن أياً من هؤلاء قتل أحداً أو عذبه حتى الموت في أقبية التعذيب أو قتله على قارعة الطريق أو لأنه مسئول عن مآسي شعب كامل أو لأنه حارب الدولة الإسلامية أو دعم عدوها وإنما لكونهم ربما ألحدوا أو أشركوا بالله الواحد القهار في يوم من الأيام أو قل لم يتبعوا الطريقة التي يريدها أو يسير عليها أرباب الفئة السائدة عموماً أو الفئة المذهبية التي ترى ذاتها فقط أنها الفرقة الناجية من النار ، بل يعتقدون أنهم المفوضون أو المخولون بتطبيق أحكام الإسلام الذي يرونه هم على الأرض !! وبالتالي مسؤولون عن استعجال تصدير من لم يعودوا يؤمنوا بالإسلام أو بتفسيراتهم له ، إلى نار جهنم وبئس المصير ، وكل ذلك لا شك يسهم في مزيد من الانعزال عن واقع الحياة والتقوقع وتشجيع ظاهرة معاداة الآخر وأحياناً تفريخ الإرهاب .

 

نشرة الديمقراطي -44

 

 

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro