English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

عبدالنبي العكري
القسم : عام

| |
2008-03-11 10:19:42


 

 

 

المفارقة العجيبة في العرب »إحدى المفارقات لنكون أكثر دقة« هي أنهم - بطبعهم - أمة عاطفية تنوء فيها المشاعر وتتفجر فيها نثرا وشعرا.. ولكنهم - في الوقت عينه - أمةٌ تخجل من التعبير عن عاطفتها إلا في حالة واحدة، عند ما غيب الثرى الشخص/ الشخصية التي يقدرون ويجلون.. عندها - وعندها فقط- تنطلق الجموع للتعبير عن مشاعرها وعمق تقديرها له بعد أن صار - أخيراً- غير قادر على سماعها والتمتع بدفئها..!!

أما المفارقة الأعجب.. فهي أن كثيراً منا لا يجد غضاضة في مصارحة الناس بمشاعره السلبية تجاههم ولكنه يتحرج من توجيه ثناء أو كلمة لطيفة لهم وإن استحقوها!!

كان هذا أول ما عبر على خاطري وأنا أرى صور حفل تكريم أقامته صحيفة زميلة للمناضل الصديق عبدالنبي العكري في إطار تكريمها لعدد من الرموز الثقافية والوطنية.. وهو مسعى لا شك محمود لا سيما وأنه يطال »الأحياء« على غير العادة في مناسبات كهذه. الأحياء الذين هم أحوج من الراحلين لمعرفة أنهم مقدرون ومبجلون من مجتمعهم الذي أعطوه وضحوا من أجله بالصحة وسنوات الشباب..

ولا أقل من ذلك لرجل مثله؛ وهب الـ ٠٤ عاماً التي مضت من حياته لذات الحلم الذي نزح من أجله لظفار وهو ابن الـ ٥٢ عاماً.. حلم الكرامة والعدالة والاستقلال والحرية للجميع.. وهو الحلم الذي تحمل من أجله الغربة والاعتقال والجوع والنوم في العراء.. في هذا أذكر أنه قال لي في ذات حديث:

كان تعريفي للنوم السعيد أن أجد صخرة ملساء مستوية السطح لأتوسد عليها في عراء الصحراء.. صوت الطائرات المحلقة فوقنا لم يعد يزعجني فقد تعودت عليه. وحده القصف الجوي ما كان يوقظني، قال ذلك واستدرك مردفاً:

هذا هو تعريفي للنوم الجيد وسادة » صخرة جيدة.. « وأن لا أقصف وأنا نائم !!

المؤلم فيما يتعلق بأبي منصور »أو حسين موسى« كما عُرف أبان النضال، أنه عاد مثخناً بإجهاد عقود من العطاء والتضحيات متوثباً لمزيد من النضال والعطاء - ولكن - بشكل جديد يتناسب مع المعطيات الجديدة؛ ولكنه لم يُقَدّر حق قدره ولم تعامله الجماهير بالمعاملة التي تتناسب مع جهوده وجهاده.. بل ووضعه البعض في مرتبه أدنى من بعض الرموز الطارئة التي لم تقدم عُشر ما قدم لثلاثة أسباب في تقديري ..

لأنه لم ينخرط  وسط جماعة إسلامية ولم يدعِ التقوى والورع - الذي بات على ما يبدو من متطلبات العمل السياسي - ، ولأنه من القلة التي لا تقيم وزناً لأي اعتبارات فئوية ومذهبية.. ولأنه من القوى المؤمنة بالإصلاح والتحركات السلمية والاحتكام للمصلحة العامة، وهو ما لا يروق لكثير من المعبئين بعقلية المواجهة أياً كان ثمنها.

وتلك هي - بالمناسبة - الأسباب ذاتها التي تدفع النخب المخلصة لتقديره وتوقيره ..

عموماً.. لقد ساءني أني »فوّتُ« حضور الحفل وسألت نفسي ماذا كنت لأقول لو حضرته..

كنت سأقول على الأرجح أن العكري واحد من الشخصيات القليلة التي لم تصدمني .. وأقول »لم تصدمني« لأني خلال عملي قابلت كثيراً من الشخصيات التي كنت أكنُّ لها جليل الاحترام والتقدير فلما قابلتها اكتشفت زيفها وتهشمت صورتها وتساقطت ككسف الثلج منذ الدقائق الأولى..

ولكن ليس العكري..

فقد وجدته تماماً كما توقعته.. إنسانا لا يقول إلا ما يعنيه.. شفافا لا مراء فيه ولا نفاق..لا يُؤلّه رأيه ولا يزدري رأي غيره.. لا يشتهي الأضواء ولا المناصب الرفيعة ولا يسعى لمكاسب شخصية؛ لذا فهو من القلة الذين لا يملكون لليوم عقاراً ولا حساباً بنكياً..

أو ربما كنت سأوجز وأقول:

عبدالنبي العكري رمز حقيقي وسط غابة من الزيف .

 

صحيفة الأيام

Tuesday, March 11, 2008

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro