English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ذكرى 38 عاماً في يوم وداع الحكيم جورج حبش
القسم : عام

| |
2008-03-07 12:45:00


 

 

حطت بنا الطائرة نحن الخمسة منى عباس، إبراهيم شريف، عبد الله جناحي، عبد الله حسين وأنا.

ولحظة وطئت رجلي المطار وقفت مشدوداً، ومشدوهاً وشرد فكري إلى 38 عاماً مضت، وكان عمري وقتها 22 عاماً. وكان قد مضى على هزيمة حزيران 3 سنوات، وهزيمة حزيران هذه هي التي هزت وجلجلت كيان كل ذلك الجيل السبعيني، وأيقظته من غفوته وشكلت شخصيته من جديد، وخرج من داخله ذاك الكائن الساكن الذي أسمه التمرد. أن تتمرد على الأشياء معناها أنك تقول لكل ما هو ساكن ومُسلم به كالقوانين الجائرة وبما يأمر به أولياء الأمر.

كانت الثورة الفلسطينية تجتذب المتمردين من كل العالم والشباب العربي المهزوم الذي كان يفتش عن الخلاص من عار الهزيمة وعن طريق الذي يسلكه.

وكانت البندقية الفلسطينية هي من سيغسل العار. وكانت جبال وأحراش جرش وعجلون وأربد تحتضن وتخبئ جبالها فتية في روعة الشباب، جاؤوا من كل مكان، يتدربون على السلاح. ويقرؤون كراسات عن الثورة الفيتنامية، والثورة الكوبية، والجنرال جياب، وجيفارا، وكاسترو، وماو، وتروتسكي. شباب يجوبون الأحراش يرتدون بدلات الفدائيين المعروفة ويعلقون بنادق لكلاشينكوف على أكتافهم وتقرأ في عيونهم نظرة الواثق الظافر ومن كل المنظمات الفلسطينية، فتح، الشعبية، الديمقراطية، جبهة التحرير الفلسطينية.

وصلنا من البحرين بالأمس 27/1/2008 إلى مطار عمان الساعة22.15 مساء.

بحثت عن معالم مطار عمان الذي جئته قبل 38 سنة "1970م"، وبالطبع ليس هو مطار عمان الذي جئته على الطيران الكويتي وكنت يومها أعمل في مطار البحرين. بحثت عن ذاك الرجل الخمسيني الذي صادفته صدفة في مطار عمان قبل 38 سنة والذي حين لاحظ أنني أحمل شيئا عن الأردن وكنت قد تبادلت معه بضع كلمات فقام بدفع خمسة دنانير ضريبة مطار عمان، ومضى بصمت حتى أنه لم يسألني عن أسمي، وكنت لحظتها شارداً سارح الفكر وأردد مع نفسي بصمت العنوان الذي حفظته عن ظهر قلب "أبو حسام، دكان لبيع الدجاج المذبوح والحي".

سكنت في فندق لا أذكر أسمه. سرحت مرة أخرى أتخيل كيف أنني وأخيراً سوف أتدرب على حمل السلاح وكان هذا الحلم قد بدأ يحضر في رأسي بعد أن أوسعنا مرتزقة حكومة البحرين ضرباً بالهراوات في ساحة مدرستنا الثانوية في مارس آذار المجيد عام 1965 وقتلوا ستة من خيرة أبناء شعبنا وملأ رصاص بنادقهم الأجساد. أخيراً يا عبد الله مطيويع بعد خمس سنوات سوف تحمل البندقية التي حلمت بها وأنت في غرفة التعذيب يوسعك ضابط المخابرات بوب وأزلامه ضرباً على جسدك الطري، لم يكن عمري يتجاوز الـ 17 سنة.

وأخيراً سوف تمسك بالبندقية وتردد أصبح عندي الآن بندقية إلى فلسطين خذوني معكم معكم   معكم.

في الدكانة الصغيرة وفي شارع فرعي وسط عمان وعلى زاوية تبدو للعيان يافطة الدكان "أبو حسام لبيع اللحوم" اقتربت من الدكان وأنا أردد في سري، كلمة السر التي لقنني إياها حلقة الوصل الذي يقيم في لبنان (ع.م.). اقتربت وسلمت وسألت الجالس عند باب الدكان (بكم تبيعون كيلو الدجاج؟؟). فرد ذاك الرجل المربوع الأربعيني العمر والذي يشبه إلى حد ما أحمد جبريل.

ويبدو أنه لاحظ لهجتي الخليجية وشكلي، وهنا بادرته بالسؤال (هل يمر عليكم هنا شخص أسمه راجي؟) وكانت تلك كلمة السر والاسم الحركي الذي حملته طوال وجودي في أحراش عجلون.

أبو حاتم وكان عمره حوالي 62 عاماً كان طباخ المعسكر وأبو أنطوان الشركس مدرب المعسكر، وأبو منصور المرشد السياسي، وأبو أحمد سائق السيارة الجيب التي لوحتها لا تزال تحمل "الكويت – حولي) .

وأبو أحمد هذا كان أكثرهم مرحاً وخفة ظل، ومنذ ركبت معه تلك السيارة الجيب، لم يتوقف عن سرد الحكايات والقصص والنكات، حتى وصلنا إلى عجلون.

بعد أن (ترضرضت) عظامي من كثرة المطبات وطول الطريق الذي بدأ لي طويلاً بالنسبة للقادم من البحرين ذات المسافات والطرق القصيرة.

في المعسكر نشئت بيني وبين أبو حاتم علاقة حميمة، لم أعرف لها مبعثاً سوى الانهيار الذي انتابني من هذا الشيخ الطاعن في السن ويعيش هنا في معسكر الثوار. والمهدد بالهجوم من قبل جيش البادية الأردني الذي نشبت عدة معارك بينه وبين الفلسطينيين كمعركة المفرق، وغيرها، أو هجوم مفاجئ من إسرائيل. كانت قواعد الثوار في جرش، وعجلون، وأربد تخرج مئات الفدائيين الذين نفذوا فيما بعد عمليات فدائية أوجعت الإسرائيليين، وسببت صداعاً ليس له مثيل لحكومة الأردن. كنت وأنا في السيارة الجيب الرانج لوفر اقرأ شعارات على الحوائط، شعارات تبعث على الخوف مثل "كل السلطة للمقاومة"، وغيرها تشير إلى سطوة وقوة المقاومة الفلسطينية في تلك الأيام السبعينية.

في اليوم التالي برغم التعب والإرهاق لم أنم ليلتها فالظلام دامس ويخيم على المعسكر، وقبيل الفجر غفت عيناي وأخذني الحلم إلى جدتي التي كانت تناديني كما أشرت وتقول عبر مسافة طويلة "يا عبود غربلتنا، دوختنا، أمك، أبوك كل أهلك"، "أعنبوك ما (تعيز) تعجز ولا تكف عن هذا الطريق الذي أنت فيه. وبينما أنا أستمع إليها، سمعت صوت الحجل يطلق صياحه كما كان يفعل دائماً. والحساسين تطلق تغريدها في "عب الشربين" في الأفق وتتبادل التغريد عبر تلك الجبال التي كان يختبئ فيها الثوار، وكان خير المجل يحجل نحو بقايا فئات الخبز الذي تركه أبو حاتم ليلاً قبل أن ينام لكي يأكله في الصباح الباكر.

ولم يوقضني من هذا الحال الذي أنا فيه إلا صوت أبو آنطون وهو يركل رجلي ويردد بصوت جهوري كعادته لكنه حنون: رفيق راجي أنهض، أنهض. ولم أكن أحتاج إلى تلك الدرس الأول فقد كنت صاحياً أستمع إلى صوت الحجل وهو يحجل كما حجل جبل طنين. وكانت بندقية الكلاشنكوف إلى جانبي فهي بمثابة الحبيبة التي حلمت بها كثيراً ولم أصدق أنها بجانبي.          

  

 

نشرة الديمقراطي 44 - يناير /فبراير             

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro