English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

تأملات حول الكلمة الأخيرة
القسم : عام

| |
2008-03-07 12:34:44


 

 

برنامج "الكلمة الأخيرة" الذي شاركت في حلقته المتعلقة بالأحداث الأمنية أثار كثرة من التساؤلات والانتقادات بجانب القبول والتأييد، ولقد تابعت المقالات والتعليقات التي نشرتها الصحف، سواء من قبل الأخت الفاضلة سوسن الشاعر أو الأستاذ عقيل سوار أو ممن نشر رأيه بأسماء وهمية.

وبتأمل لما أثير حول البرنامج فلقد أحسست مدى الانشطار الخطير في هذه الجزيرة وبمدى الاصطفافات الطائفية، بل والشعوبية لدرجة أحسست بحزن شديد أكثر إيلاماً من حزن عقيل سوار كما أشار لذلك في عموده الصحفي (فكنه يا شيخ).

وأود الإشارة في هذا المقام بأن مشاركتي في الحلقة المذكورة لم تكن بهدف المبارزة والمباراة ليخرج أحد الطرفين منتصراً وبالتالي منتشيا بالمديح في المنتديات والمجالس والآخر مهزوماً وبالتالي حزينا على النقد والهجوم عليه كما نظر إلى الموضوع الأستاذ عقيل، ولم يكن الهدف الحصول على أصوات مؤيدة ومراضاة (للغوغاء) ولم يكن الهدف التشهير والاتهام، بقدر ما كان هدفي توضيح موقف جمعية (وعد) من الأحداث الأمنية الأخيرة ومسبباتها وأثارها وطريقة التعامل معها، وكنت واضحاً وصادقاً في مداخلاتي.

في ضوء ذلك أريد أن أؤكد على المسائل التالية:

أولاً: إن نظرتنا للتعامل الأمني مع الأحداث قد أكدت صحتها، فلقد أعلنا بأن الاستخدام المفرط للقوة لن يحقق الهدف المنشود في الاستقرار والسلم المطلوبين وإن المزيد من القوة وخرق مبادئ حقوق الإنسان والعقاب الجماعي للقرى التي يمارس فيها الحرق والتخريب لن يخلق سوى ردود فعل سلبية، ويكفي هنا الإشارة الهامة بأن بعد عرض الحلقة في التلفزيون وتبيان موقفنا فقد خرجت أكثر من مسيرة غير مخطر عنها أو غير مرخصة وأكثر من اعتصام احتجاجي في القرى وأيضاً غير مخطر عنه أو غير مرخص وتعاملت معها وزارة الداخلية بشكل حضاري وتركته دون تفريق بالقوة، بل وفي معظم هذه المسيرات والتجمعات لم تحضر قوات الشرطة ولا قوات الشغب وانتهت بسلام ودون حرق أو تخريب للممتلكات العامة والخاصة، وأحياناً كانت المفاوضات بين الضباط والمعتصمين تنتهي بالسماح لهم بالتعبير عن احتجاجهم لمدة ساعة أو أكثر وتنتهي بفض الاعتصامات، بل إن عدد المسيرات أو الاعتصامات المرخصة التي حدثت بعد الحلقة التلفزيونية قد ازداد وهذا مؤشر إيجابي لاستيعاب وزارة الداخلية والتزامها بعدم استخدام القوة والملاحقات والمداهمات الليلية الأمر الذي خلق نوعا من الارتياح والاستقرار وهو يعني بضرورة استمرار هذا النهج السلمي في التعامل مع الاحتجاجات غير المخطر عنها وبذل المزيد من الوقت والجهد للاقناع بديلاً عن الإسراع في استخدام القوة، وربما لو مارست وزارة الداخلية هذا النهج السلمي مع مسيرة 17 ديسمبر لما حدث من تداعيات وسقوط الجرحى وموت مواطن من شدة استنشاقه لغاز مسيل الدموع وحرق سيارة الشرطة وغيرها من الممارسات غير القانونية. وعندما أكدنا بأن هناك مساس بحقوق الإنسان أثناء المداهمات واقتحام البيوت، فلم نكن مبتعدين عن الصواب، ويكفي تصريح سعادة وزير الداخلية أمام مجلس النواب بأن وزارته على استعداد لتصليح البيوت التي تضررت من هذه الاقتحامات.

وحسنا فعلت وزارة الداخلية من تغيير نهجها ولم تنجر وراء دعوات موتورة من قبل البعض ممن يحرضها للمزيد من استخدام القوة، وكأن لسان حالها يدعو للمزيد من التوتر الطائفي!!.

ثانياً: إن تعامل وزارة الداخلية مع المسيرات غير المخطر عنها بشكل سلمي وتفاوضي يتطلب الاعتراف بقصور واضح في قانون التجمعات الذي يخنق الحريات أكثر مما ينظمها والمطلوب أن تتقدم وزارة الداخلية قبل غيرها بمقترح تعديلات على القانون من واقع تجربتها الراهنة والدروس التي استفادت منها ليكون القانون المعدل تسهيلاً لمسؤوليات وزارة الداخلية في حفظ الأمن وتطبيق القانون، والاهم تجسيدا لمقولة شراكة الامن مع المجتمع وبناء الثقة كما يطمح سعادة الوزير والذي اشار اليه في لقائه مع الصحافة والنواب، ومن جانب آخر تسهيلاً لمن يرغب في تنظيم مسيرات واعتصامات دون القيود الكثيرة التي في القانون الحالي ولتحقيق مقاصد القانون في تعزيز وتنظيم الحقوق والحريات بدلاً من تقييدهما. وآخر الامثلة التي تؤكد صحة موقفنا منع اعتصام الجمعيات الشبابية ضد زيارة بوش وهو حق مشروع لمن يرى في هذا الرئيس الامريكي سببا في تدمير امتنا العربية والاسلامية!!.

ثالثاً: عند تحقيق هذا الهدف بوجود قانون ينسجم ومع الحالة السياسية الراهنة والحيوية الكبيرة الموجودة في البلاد ويتم استيعاب ومراعاة حقوق المواطنين في التعبير عن أرائهم عبر التجمعات في ظل استمرار الجمود والبطء في حل الملفات السياسية والحقوقية والاجتماعية والاقتصادية الراهنة والتي تثمر مثل هذه التجمعات، الأمر الذي يعني قيام المواطنين برفع أصواتهم لغاية تحقيق مطالبهم، وهو الاحتمال الوارد لقادم الأيام، والمؤشرات عديدة على هذا الصعيد فهناك أكثر من محاولة مناطقية لجمع التواقيع على عرائض تطالب برفع الأجور والرواتب والحد من ارتفاع الأسعار، ومن الممكن أن تتحول هذه الجهود إلى استخدام حق التجمع والاعتصامات المتكررة في كل المناطق ولأي مطلب أو مشكلة، سواء المعيشية أو تدمير البيئة والسواحل أو سرقة الأراضي والحدائق والممشى أو البيوت الآيلة للسقوط أو العاطلين أو المفصولين عن العمل أو المتضررين من برامج التخصيص أو الفقر أو ضحايا المرحلة الأمنية السابقة أو التجنيس وعشرات من المشكلات التي تؤدي إلى تحركات قد تتحول إلى تحركات يومية وأسبوعية لابد من وجود قانون مرن ومستوعب لمثل هذه الظروف. ومتفهم من قبل الجميع بما فيهم رجال الامن بان وراء كل ذلك اسبابا ومشكلات وقهر وآلام لم تشف ولم تحل تلك المطالب، وهذا ما اكدنا عليها في تلك الحلقة، واعتقد بأن وجود عقلية مرنة ومتسامحة ومستوعبة لمثل هذه الأمور من قبل أصحاب معدي مشروعات القوانين كفيلة بإنهاء الأزمة و بناء ثقة جديدة بين الأمن والمواطنين. وفي هذا السياق أنا على ثقة تامة بأن المصفقين لأعمال التخريب والحرق وإلقاء المولوتوف وغيرها من الوسائل غير القانونية سيقل عددهم تدريجياً وستصبح هذه الأعمال محل إدانة كبيرة ومرفوضة من قبل أغلبية ساحقة من النشطاء السياسيين والمواطنين والجمعيات السياسية والحقوقية والأهلية، خاصة إذا ما استمرت وزارة الداخلية في تجسيد روح القانون وممارسة الوسائل الهادئة والنصح والحماية بديلاً عن القوة والمداهمات، وخاصة إذا ما مارست النيابة العامة والسلطة القضائية دورها المستقل وطالبت بالمزيد من الاستقلالية وتعديل القوانين الراهنة التي تعيق أيضاً حرية الدفاع عن المتهمين.

والاهم الابتعاد عن ممارسة منهجية مرحلة أمن الدولة من التعامل الامني البحت مع الاحتجاجات والبحث عن تهم وتأويلات للاحداث. وما حدث ابان التصويت على الميثاق من اجراءات انفراجية والغاء قانون ومحكمة أمن الدولة والعفو العام وتبييض السجون من قبل جلالة الملك الا اعتراف واضح بخطأ وخطيئة الاساليب الامنية السابقة التي مورست، ولذلك فان تسمية المشروع بالمشروع الاصلاحي آنذاك كانت صحيحة لان ماقبل المشروع لم يكن هناك إصلاح بقدر ما كان المنهج الامني هو السائد وعندما بدأ طرح الازمات السياسية على الطاولة وتراجع الحل الامني سار الاصلاح الى الامام وان اصابه بعد حين عوارض التراجع والتوقف.

رابعاً: إن الظاهرة الأخطر التي برزت بعد عرض الحلقة تلك الحوارات التي شككت في الولاء للوطن الذي لا يساوم عليه أحد، وبدلاً من أن يتركز الحوار والانتقاد للرأي والرأي الآخر حول مضمون الأحداث ومسبباتها توجه التركيز حول أصل ومذهب المتكلمين في الحلقة المذكورة، فها هو السني الهولي جناحي يدافع عن الشيعة وها هو الشيعي سوار يدافع عن الحكومة وها هي الشعوبية الفارسية قد طفحت وأصبح الاتهام حول الولاء الوطني، بل ازداد الانحراف في الحوار بأن وقف أغلبية الشيعة مع جناحي بما فيهم كبار البرجوازيين واصحاب الملايين، ووقف قطاع ليس بقليل من السنة مع الطرف الآخر بما فيهم صغار الفقراء والمعدمين، وكل ذلك نتيجة ذلك الحشد والتعبئة الطائفية، وهو الأمر الخطير جداً والذي يكشف هشاشة النسيج الاجتماعي في وطننا ويكشف ضعف الوحدة الوطنية التي ننشدها ويفضح عن خلل كبير في عدم استيعاب حق الاختلاف والانتقاد للأجهزة الرسمية بحيث يفسر ما قيل بتفسيرات مرضية وغير صحية وتعطي لها مدلولات تمس الولاء والانتماء الوطني.

واعتقد بأن الدولة بأجهزتها التعليمية والإعلامية والتعبوية ولجانها وغرفها المغلقة والمفتوحة أمام مسؤولية ضخمة في التفكير الجدي للبحث عن جذور هذا الاصطفاف الطائفي الخطير، تلك الجذور التاريخية والسياسية والاقتصادية والفكرية التي آن الأوان أن تقف أمامها بصراحة وبعقل مفتوح وبعيداً عن العصبيات والمؤامرات (البندرية) التي لن تحقق سوى المزيد من الاحتقانات والاصطفافات والتي لن تترك البلاد تسير نحو الاستقرار والتنمية المنشودة والتي تبذل عليها الأموال والأوقات والطاقات دون فائدة وطنية، فقدرنا كأبناء هذه الجزيرة أن نعيش في ظل تنوع طائفي وأثني ولابد من إعادة النظر بصدق في التربية الوطنية وفي التوزيع العادل للثروة والخدمات لجميع مناطق البلاد دون تمييز وخلق مصالحة وطنية مع التاريخ والحاضر لبناء مستقبل مشترك.

خامساً: إن فكرة (التخوين) لابد من تأصيلها بدلاً من تشويه المواقف، فالموظف الحكومي ورجل الأمن والمدافع عن الحكومة وسياساتها سواء الناشط السياسي أو الصحفي أو أي مواطن يجب أن لا يتهم بالخيانة، وكذلك الأمر بالنسبة للمعارض السياسي سواء الفرد أو الجمعية التي تعلن مواقفها الانتقادية ضد بعض سياسات وبرامج وأداء الحكومة وإصرارها على كشف الفساد المالي والإداري وانتقادها لعدم التزامها بالقانون وغيرها يجب أن لا يفسر أو يعبأ بأنهم خونة ومأجورون للخارج.

إن الخيانة التي لا خلاف عليها هي الولاء للخارج الأجنبي بحيث يكون الفرد أو المؤسسة أو حتى الحكومة ترتهن لأوامر دولة خارجية وتسلمها الأسرار وتنفذ مخططاتها التأمرية ضد الوطن، وما عدا ذلك فالمسألة تنحصر في إطار الوطنية والاختلافات والخلافات بين أبناء الوطن الواحد.

إن تعزيز هذه الثقافة ضرورة لتعزيز مبدأ المواطنة والديمقراطية وحق الخلاف والاختلاف والمعارضة والقبول، ومن ينادي بالمولاة للحكومة عليه أن لا يخجل من ذلك وعلينا أن لا نتهمه بالخيانة، ومن ينادي بالمعارضة ضد الحكومة عليه أن لا يخجل من ذلك ايضا وعلى الآخرين أن لا يتهموه بالخيانة والمؤامرة ضد الحكم.  بل هي الديمقراطية التي ننشدها كما في الديمقراطيات العريقة التي تم التبشير بها في محاور الميثاق فهناك من يقف مع حزب الحكومة ويدافع عن برامجها وحتى يبرر اخطائها وهناك من يقف ضد ذلك من اجل التغيير نحو الافضل!

 

Jnahi2000@yahoo.com

 

نشرة الديمقراطي -44 - يناير /فبراير 2008

 

 

 

 

      

     

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro