English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الاشاعة الصادرة من الغرف السوداء
القسم : عام

| |
2008-03-02 15:08:40


 

 

رأيان متوازنان بشأن منبع الاشاعات واسبابها، الأول يؤكد بأن وراء الاشاعة تخطيط صارم من فريق رسمي قابع في حجرة تسمى بالحجرة المظلمة، يهدف من وراء اطلاقها قياس ردود الفعل الشعبية أو المعارضة والموالية ومدى حجم النتائج، ومحليا ودوليا ثبت بوجود مثل هذه الغرف السوداء في مفاصل عديدة سياسية او اقتصادية أو امنية، ليأتي الاعلام وبالاخص الصحافة وشبكة الانترنيت باعتبارهما جهازين لا يمكن السيطرة المركزية الصارمة عليهما ليخلقا من الشائعة طاقتها الذاتية المحركة الدائرية الانتشار.

والرأي الآخر يرى في الشائعة اسبابها النفسية المرتبطة بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

الشائعة وسيلة استخدمت في الحروب والاحتقانات السياسية كالحرب الباردة، بل ومنذ عصر الانبياء حينما كان يأتي فاسق بنبأ، وهي مستخدمة بين الناس ايضا لاراحة التوتر، ومستخدمة بين الشركات المتنافسة وتصرف الملايين من الدولارات لمواجهتها، كما هي مستخدمة بين التيارات الفكرية والسياسية المتنافسة في الحقل السياسي.

في كتاب (علم النفس الشائعة) ينطلق من نظرية نفسانية تسمى( الجيشنالت) التي تكشف بان الادراك الحسي للاشياء ينحو دائما نحو البساطة والانتظام والاحساس بالكمال وبأن الشائعات تنبثق لتشرح المواقف المميزة التي تهمنا ولتريحنا من توتر الحيرة.

يقول عالم النفس (يونغ) بأن الاثارة العاطفية ضرورية لاستمرار حياة الشائعة، ولذلك فان كثرة من الدراسات الميدانية والاختبارات التي نفذت في المعاهد كشفت بان احد اهم اسباب انتشار الشائعة وجود افراد قلقين هم الذين يتسابقون في نشرها وان الافراد الهادئين يتأنون في ذلك ويفكرون ألف مرة قبل ان ينشروا خبرا سمعوه او وصل اليهم عبر الاعلام الالكتروني.

لدى الناس اسبابا لتلقي الشائعة ونشرها، فعلى سبيل المثال في المجتمعات المحافظة والتي تتشرب بكثرة من الافكار الخرافية والغيبية ما ان تلقط شائعة عن وحش غريب او حيوان اسطوري او نور سماوي فاذا بالشائعة تتحول الى حقيقة لديهم وهي ما يسميها يونغ بالشائعات التخيلية، غير ان في جميع المجتمعات التي توجد فيها عوامل القلق وعدم الاستقرار وغموض المستقبل فان الشائعة تحصل على تربة خصبة فيها للانتشار، وخذ على سبيل المثال قصص الصحون الطائرة والذين هبطوا من السماء وهي شائعة موجودة منذ القرن السادس عشر ولكنها ازدادت في عصرنا الراهن وهي ناجمة عن توتر عاطفي وكرب جماعي عن حالة العالم اضافة الى رغبة لا واعية بمجيء قوة خارقة من وراء الطبيعة لتخفيف المخاوف او زيادتها، ولذلك فان مثل هذه الشائعات ترتبط بهبوط مخلوقات طيبة عليا لانقاذ الانسانية او شريرة لتهديد اهل الارض.

كما ان المواقف الكارثية تفرز الشائعات الغريبة دائرية الانتشار والتوسع اما لاراحة الذات من تانيب الضمير او القاء الذنوب والاخطاء على قوى ما وراء الطبيعة.

يقول توماس كارلايل بان (التاريخ هو عملية تقطير للشائعات) وأن اوهامنا تتفاعل مع احتياجاتنا وآمالنا وتنتج عنها ظروف خصبة تعيش فيها الشائعات. ومن الصعوبة اذا ما كتب وروج مثل هذا التاريخ بان يتخلص المتشرب به لانه يعتبرها حقائق واركان وثوابت واساس ينمو فكريا وقيميا وصحيا عليها وهدمها بل والتشكيك بها يخلق انهيارا نفسيا وفكريا ضخما ليس على مستوى الفرد وانما على المستوى الجمعي المحتضن مثل هذا التاريخ!!.

الشائعات بكل أنواعها تتراجع وتضعف عندما يصبح المجهول معلوما وتزول اسباب الغموض، وعند هذا المفصل يأتي دور الاعلام ليقوم بهذه المهمة كسلطة رابعة مستقلة ومسؤولة او أن يقوم بالترويج لها كاعلام تابع للغرف السوداء و صحافة صفراء، ولذلك فان العلاقة بين الحقيقة والاعلام كوسيلة تواصل واتصال هي علاقة اساسها الايمان بمباديء الحرية ومدى مصداقية السلطة السياسية او الدينية او غيرها بالتشرب الحقيقي لمثل هذه المباديء التي تكسر التابو والمقدس الوهمي والزائف والتمجيد والتضخيم للذات الحاكمة.

حرية التعبير كأعلى مكتسبات الديمقراطية وحارسها الاساسي ومؤشر دال على وجود الحريات الاخرى في أي مجتمع هي مكون اساسي من مكونات الحق في المعلومة الصحيحة وانتفاع الناس من الخبر، والاعلام له دور كبير في هذا الخصوص.

واذا كانت الحكومات تنشأ لنفسها ليس فقط حجراتها المظلمة لبث الشائعات بل ومراكز السيطرة على الشائعات المضادة وهي معروفة في المجتمعات ذات الديمقراطيات العريقة والتي تهدف السيطرة على الشائعات التي تصيب المجتمع بالهلع والخوف فتعلن عن الحقائق بالشفافية وكشف المعلومات، وهذا عكس المجتمعات ذات اللاديمقراطيات حتى البدائية والترقيعية منها، فانها تنشا مراكز السيطرة على الشائعات المضادة للاستبداد وتعمل على نشر انصاف الحقائق او حقائق مزيفة او تواصل سريتها ولا شفافيتها خوفا من ان تتحول المعلومة الى طاقة مادية تحملها الناس لتخفيف الاستبداد.( أنظر للمقال المعنون "بالمستشار" كنموذج للاشاعات الصادرة عن الغرف المظلمة)

الاعلام في هذا الصراع المخفي لا يمكن ان يمارس منزلة بين المنزلتين بل عليه الاختيار بين تعزيز فلسفة الغرف السوداء او فضحها!.

Jnahi2000@yahoo.com

 

صحيفة الأيام

Sunday, March 02, 2008

 

 

 

 

      

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro