English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

000 ,000,000, 51 دولار
القسم : عام

| |
2008-02-26 14:46:35


 

       

بلغ الإنفاق العسكري في مجلس التعاون للعام الماضي (2007) ما يقارب خمسين مليار دولار ويُتوقع أن يرتفع إلى أكثر من واحد وخمسين مليار في العام الحالي[1]. ولكي لا يضيع الرقم في زحمة الكلمات فإنني أرجو من القارئ والقارئة أن يتخيلا الرقم 51، وأن يضعا على يمينه تسعة أصفار. هكذا: 51000000000 فهذا الرقم الضخم يعني أن دولنا قد رفعت إنفاقها العسكري بنسبة تزيد خمسين بالمائة عما كان عليه قبل أربع سنوات. لاستيعاب هذا الرقم، 51 وتسعة أصفار، علينا أن نلاحظ أنه يزيد عن إجمالي ما تنفقه الدول الخمس الكبرى في الشرق الأوسط أي مصر وسوريا وإسرائيل وتركيا وإيران[2] مجتمعة. فحسب معطيات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام بلغ الإنفاق العسكري لجميع هذه الدول في العام 2006 ما يزيد قليلاً عن أربعين مليار دولار. أي ما يعادل أربع أخماس ما تنفقه دول مجلس التعاون. ولا حاجة للتذكير هنا بأن حجم القوة العسكرية في أيٍ من هذه الدول الخمس الكبرى في الشرق الأوسط يفوق حجم القوة العسكرية في دول مجلس التعاون مجتمعة. ولا يخفى أيضاً أن لأغلب هذه الدول الشرق أوسطية طموحات استراتيجية تتعدى مجرد الدفاع عن نظام الحكم فيها بل هي تستخدم قوتها العسكرية لتحافظ على دورها الإقليمي كما هو حال مصر وسوريا أو للتأثير على ما يتعدى إطار الشرق الأوسط كما هو حال تركيا وإسرائيل وإيران.

أشار أخونا عبيدلي العبيدلي[3] مؤخراً إلى أن قيمة الأسلحة والتجهيزات والخدمات ذات الصلة التي باعتها الولايات المتحدة الأميركية وحدها إلى دول مجلس التعاون الخليجي خلال خمس وعشرين سنة (من 1981 وحتى 2006) بلغت 72 مليار دولار. وإذا ما أضفنا ما اشترته دولنا من فرنسا وبريطانيا وغيرهما لأمكننا استيعاب ما جاء في الأخبار[4] عن دراسة نشرها مركز الخليج للأبحاث أن الإنفاق العسكري التراكمي لدول مجلس التعاون الخليجي ارتفع بين العام 2000 و2005 إلى 233 مليار دولار أي ما يوازي 70% من إجمالي الإنفاق العسكري في العالم العربي.

مرة أخرى أرجو من القارئ والقارئة أن يضعا تسعة أصفار على يمين الرقم (233). ومعلومٌ أن تصاعد الإنفاق العسكري في بلداننا ليس أمراً طارئاً بل هو جزءٌ من المسار التصاعدي الذي شهدناه منذ الطفرة النفطية الأولى في منتصف السبعينات. هذا الإنفاق الضخم هو ''على حساب الاستخدامات المدنية للموارد المالية، أي على حساب حياة الناس ورفاههم وتحسين مستويات معيشتهم وتمتعهم بخدمات أفضل في الصحة والتعليم، وتطوير البنى التحتية[5]''.

لا تصمد التبريرات التي تساق لتبرير تصاعد الإنفاق العسكري في بلداننا أمام أية محاولة للتمحيص. فحتى لو قبلنا ما تروجه الولايات المتحدة الأميركية حول أن مبيعاتها في السنوات الأخيرة من المعدات العسكرية لدول مجلس التعاون هي لحمايتها من التهديدات الإيرانية فإن الأمر لا يستقيم. فقد يكون ذلك معقولاً، كما لاحظ الكاتب عبدالجليل المرهون[6]، فيما يتعلق بالمعدات العسكرية الجوية والبحرية. لكن ما هو تبرير شراء الأسلحة البرية طالما أن إيران لا تمتلك القدرة اللوجيستيكية لمهاجمة أي بلد خليجي من البر؟

رغم الهدر غير العقلاني للموارد والمستمر منذ منتصف السبعينات، فإن الرأي الغالب بين الخبراء الاستراتيجيين يعتبر أن دولنا ليست قادرة على توفير متطلبات الدفاع عن أمنها القومي وحماية حدودها وسيادتها. بل هناك من يرى أن عدم القدرة هذه ستستمر لعقود أخرى. فرغم ارتفاع ما ننفقه على المشتريات العسكرية، بل وبسبب هذه المشتريات، سنبقى عالة على الغرب ومرتهنين لإرادته.

يعتبر بعض المتابعين، كما يشير العبيدلي، أن زيادة الإنفاق على التسليح لا يرتبط باحتياجات فعلية للسلاح لمواجهة عدوٍّ حقيقي أو محتمل بقدر ما يرتبط بالمساهمة في استمرار عمل مصانع غربية في إنتاج السلاح. ''ويبدو أن ذلك يعد اتفاقاً ضمنيا أو مكتوباً بين هذه الأطراف لضمان الدفاع والحماية''. هذا الإتفاق الضمني أو المكتوب هو أساس التوصيف البليغ الذي أورده أحمد الديين للإنفاق العسكري الخليجي بأنه ''أتاوة سياسية''. ما معنى الأتاوة؟ هي نوع من الجزية التي يدفعها الضعفاء عن يدٍ إلى القوي نظير حماية من تهديد حقيقي أو متخيل، فعلي أو متوقع. قد تكون الأتاوة مالاً أو عيناً أو التزامات تتأسس علاقة غير متكافئة بين القوي والضعيف. ليس مهماً دائماً حجم الأتاوة بل دورها الرمزي. لذا يصر القوي على استحصالها لكي يتحقق من إستمرار هيمنته، كما يلتزم الضعيف بأدائها ليؤكد قبوله بالوضع القائم. وتتراوح الأتاوات نوعاً وكماً. فقد تكون اتاوة يفرضها ''الفتوة'' على الناس في حي شعبي. أو يفرضها رجل شرطة أو مفتش بلدية على أصحاب المحلات في السوق ليتغافل عن مخالفاتهم الحقيقية أو التي سيدّعيها عليهم. وقد تكون اتاوة تفرضها عصابة. أو قد تكون في صورة ما نراه في الخليج، اتاوة تفرضها دولة عظمى على دول ضعيفة. وسواء أكان من يفرض الأتاوة ''فتوة'' في حي شعبي أو موظف رسمي أو عصابة من عصابات المافيا أو دولة عظمى، فثمة حاجة إلى استمرار اقتناع الضحايا بأن المخاطر والتهديدات التي يتعرضون حقيقية وداهمة. كما أن على من يفرض الأتاوة تثبيت الخوف في قلوب الضحايا وإقناعهم بأنهم غير قادرين على مواجهة تلك الأخطار بدون ما يوفره لهم من حماية مقابل ما يدفعونه من أتاوات. فالخوف هو جزء من مكونات قوة القوي كما هو جزء من مكونات ضعف الضعيف.

لكن الأتاوة ليست بوليصة تأمين. فمعلومٌ أن الشاه الإيراني أهدر ثروات بلاده على شراء الأسلحة من الغرب حتى قيل إنه القوة العسكرية السادسة في العالم. وبلغ غرور الشاه مبلغه بعد نجاحه في ضرب الثورة في عمان واحتلال الجزر الإماراتية الثلاث وفرض اتفاق الجزائر. ولأن الأتاوة ليست بوليصة تأمين لم تسعفه الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية رغم كل ما دفعه لها من أتاوات مالية وعينية والتزامات. فلا شيء يُلزم القوي بأن يأتي للدفاع عن الضعيف حتى لو أهدر هذا ثروته في شكل أتاوات. قد يحصل هذا في أفلام نادية الجندي ولكنه لا يحصل في واقع إقليمي ودولي يحكمه توازن القوى وحساب المصالح الاستراتيجية للدول.

 

[1] راجع: Forecast International, GCC Membrers Seek Closer Defense Cooperation, 28 November, 2007 . الرابط: www.forecastinternational.com

[2] راجع: SIPRI, Military Expenditure Database. http://www.sipri.org/contents/milap/milex/mex_database1.html

[3] عبيدلي العبيدلي، ''فواتير التسليح''، صحيفة ''الوسط''، 81 فبراير/شباط 2008.

[4] انظر موقع ''بي بي سي'' على شبكة الانترنت ''افتتاح معرض(ايدكس) الدفاعي في ابوظبي''، الاحد 18 فبراير/ شباط 2008.

[5] احمد الديين، ''انفاقنا العسكري الخليجي..اتاوة سياسية''، صحيفة الوقت 10 فبراير/شباط 2007.

[6] عبدالجليل زيد المرهون ''التسلح الخليجي في اتجاهاته الراهنة''، جريدة الرياض السعودية، 22 ديسمبر/كانون الثاني 2006.

 

صحيفة الوقت

Tuesday, February 26, 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro