English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

تنزانيا عاد..؟!
القسم : عام

| |
2008-02-16 11:08:13


 

 خبران افتتحت بهما صحافتنا المحلية مطلع الأسبوع الماضي كانا قريبين إلى القلب للكتابة عنهما، أحدهما كان غير اعتيادي بالمرة، وفحواه أن مجمع السلمانية الطبي قد منع الحوامل من التعرف على جنس الجنين خشية أن تقوم الحوامل من التخلص من حملهن إن عرفن أن ما في أحشائهن أنثى وليس ذكراً. ورغم الاستياء والامتعاض الذي حمله هذا الخبر، ورغم أن أحداً ممن أعرف لم يسمع عن حوادث من هذا النوع؛ إلا أن المصدر الرسمي في وزارة الصحة عندما قام بنفي الخبر، قرّت نفوس خلائق كثيرة، حتى لا نستعيد {وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت}.

أما الخبر الثاني فقد كان من الأخبار الاجتماعية الخفيفة، ولكنه استحق وقفة للتفتيش عنه وعن معانيه، فهو قيام واحدة من المدارس الخاصة الوطنية برحلة ''إنسانية'' إلى تنزانيا من أجل التعرف على المشاكل التي يعاني منها التنزانيون الصغار، وحالات الفقر، ومن أجل فتح الآفاق والمعارف لطلبة المدرسة وهم في المرحلة الثانوية على ما يختزنه العالم من بؤس وفقر وفاقة وجوع، وعلى المدارس المتهالكة والطباشير التي لا تكاد توجد في الفصول الدراسية التي استغنينا عنها في مدارسنا منذ مدة، ولكي يقوم هؤلاء الطلبة بتقديم بعض العون الرمزي لأقرانهم التنزانيين من دفاتر وأقلام وبعضاً من الأدوات المدرسية الأخرى التي تعتبر اعتيادية بالنسبة لنا، ولكنها عالية القيمة بالنسبة لمن يُحرم منها.

أليس هذا بشيء جميل يقوم به طلبتنا لكي يتعرفوا على ما هو أبعد من محيطهم، ولكي يطلعوا على ما يجري في الأمم الأخرى، وحتى يعرفوا أن العالم ليس كله بالشكل الذي يعيشونه، ففي الوقت الذي ينغمسون فيه بمشاهدة الأفلام الأجنبية وحتى المسلسلات الخليجية التي لا تري المشاهد إلا الجانب الأرستقراطي من الحياة، بل والأرستقراطي المبالغ فيه؛ فإن العالم مليء أيضاً بالفقر والجوع والصراعات.

ولكن، أليس من الأجمل أن ننظر إلى داخلنا قبلاً؟ أليس من الأفضل أن نطوف في الشوارع الخلفية الواقعة بعد الأبراج وصف العمارات الزجاجية التي تعمي الأبصار في العاصمة المنامة عاكسة أضواء الشمس وأنوار المال وبريق المعادن الثمينة. هنا في عاصمة الثروة، في ''زرانيق'' المنامة حيث بيوت لا يمكن مجرد النظر في صورها فكيف المرور بها والعيش فيها؟ هناك في سترة حيث فقر كثير يتجذر وسيحتاج إلى علاجات جذرية وإسعافات أولية، في شرايين المحرق التي يطوف المسؤولون بسرعة البرق ذاهبين عليها وغادين من وإلى المطار مسافرين أو مستقبلين، ولا ملتفت إلى تداعي ابنيتها وأبنائها، في الشاخورة كما في القريّة، في الزلاق مثل ما في القدم، في جنوسان والهملة والديه وقلالي.. وأينما وليّت وجهك فثمة للفقر وجوه يمكنك أن تقصدها وتشاطرها دمعة وبعضاً مما أفاء عليك الله، من دون النظر إلى العرق والمعتقد والكثير من الأوساخ التي حمّلنا إياها من أوهمونا بأننا ''يجب'' أن نتبعهم ونلتحق بهم وإلا كان مصيرنا النار وبئس القرار.

هذا لا يعني الانغلاق على الداخل، ولا يعني عدم مشاطرة الناس أوجاعهم ولو ابتعدوا عنا آلاف الكيلومترات، ولا يعني عدم النظرة الشمولية للقضايا الإنسانية مع أصناف من البشر لا يجمعنا معهم سوى اشتراكنا في الصنف البشري، ولكن في هذه السن الغضة، حرّي بنا وبمدارسنا أن تجذر التعرف على الوطن من الداخل، ليس في جانبه الفقري فقط، وفي جوانبه المشرقة أيضاً والجغرافي، فمن العار أننا لا نعرف تفاصيل وتعرجات بصمات أصابع بعضنا في بلد كالبحرين، وربما يقضي بعضنا العمر كله لم يزر ولا مرة الساحل في الطرف المقابل، ولم تضطره الظروف للمرور بمنطقة ما.

حري بنا أن ندخل هؤلاء الفتية الذين يتفلتون من بين أصابعنا بالنظر إلى كل ما حولهم من دون النظر إلى أنفسهم في ''معسكر'' وطني شعبي يعيدون التعرف إلى أهلهم بدلاً ترك من يريد أن يتأمرك، ومن يصطنع البداوة قسراً لاوياً عقاله ولسانه، ومن يتطهرن قلباً وقالباً، بينما البحرين لا بواكي لها ولا مقلدين ولا ملتفتين إلى ما في خلاياها من مشاكل وما في شرايينها من انسدادات، الخشية أن تتحول إلى ما يشبه ''الفندق'' الذي لا علاقة لنا به إلا للنوم، بينما لا انتماء لنا به، ولا يشغلنا أمر المحافظة على أمنه أو نظافته، نطلب منه ونطالبه بما أننا زبائن، والزبون دائماً على حق، ولكن لا أحد سيفكر في المقابل ما الذي يمكنه أن يعطيه أو أن يقدمه لهذا ''النزل'' غير دفع سعر الإقامة، و''المنّة عليه''.

ذهاب أبنائنا إلى تنزانيا أمر لا بأس، بل هو من الأمور المحمودة تماماً، ولكنه يذكرني بأقصوصة تقول إن رجلاً وقع في حفرة وهو يمشي، فقيل له: ألم تكن عيناك مفتوحتين؟ قال: بلى ولكنني كنت أرنو إلى النجوم والكواكب في السماء البعيدة وأنا أمشي فلم أر الحفرة التي كانت تحت قدمي.

 

صحيفة الوقت

‏16 ‏فبراير, ‏2008

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro