English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

التظاهر بالديمقراطية
القسم : عام

| |
2008-02-05 13:39:00


 

 

في 21 ديسمبر/ كانون الأول الماضي أي في غضون أيام قليلة من توقيف عددٍ من الشباب على خلفية ما يُعرف بأحداث ديسمبر الماضي، تقدمت الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان بطلب لزيارتهم. إلا أن النيابة لم تستجب لذلك الطلب رغم الإلحاح عليه بعد توارد أخبار عن تعرض بعض الموقوفين لانتهاكات على يد رجال الشرطة أثناء قيامهم بملاحقتهم واعتقالهم أو بعد توقيفهم أو أثناء استجوابهم. إلا أن الجهات الرسمية استمرت في عدم الاستجابة لطلب زيارة الموقوفين رغم ما أبدته أطراف عدة بما فيها الأهالي وبعض منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية من مخاوف بشأن احتمال تعرض بعض الموقوفين للتعذيب النفسي والبدني.

لم تستند تلك المخاوف على وسَاوِس أو شكوك لا مبرر لها. فللناس خبرات مريرة عمرها أكثر من خمسين سنة بما يمكن أن تفعله أجهزة الأمن بالموقوفين لديها. فما بالك وقد رأينا أن غضب الداخلية قد بلغ مبلغه من المشاركين في ‘’حوادث’’ ديسمبر/ كانون الأول الماضي وخصوصا بعد أن أُحرقت سيارةٌ للشرطة وبعدما ما قيل عن سرقة سلاحٍ. ومعلومٌ أن بعض البيانات الصادرة من جهات رسمية متعددة كادت أن ‘’تُثَّبِت’’ التهم على الموقوفين حتى قبل تقديمهم للتحقيق. في ضوء تلك البيانات الرسمية وأصدائها الإعلامية لم يكن مستغرباً أن يتخوف أهالي المعتقلين والمعنيون بالدفاع عن حقوق الإنسان من أن تتحول تحقيقات النيابة إلى إجراءات شكلية لا هدف من ورائها سوى ‘’إقناع’’ الموقوفين بأن من مصلحتهم الإقرار بالتهم الموجهة إليهم. بل لقد أعادتنا تلك البيانات إلى عقود ماضية كانت أجهزة الأمن فيها تعلن عن اكتشافها ‘’أوكار سلاح’’ أو عن قيامها بمصادرة سفينة محملة بشحنة أسلحة. فيقوم الإعلام الرسمي بترويج القصة لأيام عدة بينما تقوم أجهزة الأمن باعتقال عددٍ مناسب من الأفراد وتحتجزهم لديها لشهور أو لسنوات من دون محاكمة. وتنتهي القصص بعد ذلك وتنساها الصحف التي ملأت الدنيا ضجيجاً واستنكارا لمحاولات ترويع الناس وزعزعة الأمن. إلا أن الناس في كل مرة كانوا يعرفون أن تلك القصص هي من بعض مواريث مُسيلمة وأن السلاح لم يكن سلاحاً وأن السفينة لم تكن سفينة.

بعد أكثر من شهر من المحاولات المتكررة استجابت السلطات الرسمية استجابة مشروطة وجزئية فأعلنت قبولها أن يقوم وفدٌ من الجمعية بزيارة أربعة فقط من بين ثمانية عشر موقوفا. إلا أن النيابة العامة رفضت أن يتضمن الوفد أطباء لفحص الموقوفين. وبهذا الرفض تزايدت المخاوف لدى أهالي الموقوفين والمهتمين بحقوق الإنسان في البلاد من أن الموقوفين قد تعرضوا فعلاً إلى الأذى بما في ذلك التعذيب البدني. ولا شك أن من حق هؤلاء جميعاً أن يكرروا السؤال الذي طرحته جمعية حقوق الإنسان. فطالما كانت النيابة العامة ووزارة الداخلية واثقتيْن من أن الموقوفين لم يتعرضوا للتعذيب وإساءة المعاملة، فلمَاذا ترفضان فحصهم من قبل أطباء مستقلين؟

قبل أيام أصدرت منظمة مراقبة حقوق الإنسان تقريرها العالمي للعام 2008 بعنوان ‘’التظاهر بالديمقراطية يقوِّض الحقوق’’. ويتضمن التقرير إدانة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرهما من النُظم الديمقراطية المؤثرة بسبب سماحها ‘’للحُكام الأوتوقراطيين بالتظاهر بأنهم من الديمقراطيين من دون مطالبتهم بصيانة الحقوق المدنية والسياسية التي تجعل الديمقراطية فعالة’’. فلقد ‘’أصبح من اليسير للغاية على الحُكام الأوتوقراطيين أن يتظاهروا بالديمقراطية (...) لأن حكومات غربية كثيرة تصر على الانتخابات لا أكثر، ولا تضغط على الحكومات الأخرى بشأن قضايا حقوق الإنسان الأساسية التي تجعل الديمقراطية فعالة، قضايا مثل حرية الصحافة والتجمع السلمي وعمل المجتمع المدني التي تسمح بمنافسة فعلية مع الحكومات’’.

فيما يتعلق بالبحرين يلاحظ التقرير ما شهدته حقوق الإنسان من تدهور في العام .2007 مشيراً إلى أنه ورغم إصلاحات العامين 2001 و2002 ‘’فإن الحكومة لم تبذل إلا القليل لإضفاء المؤسسية على ضمانات حماية حقوق الإنسان المشمولة في القوانين. وتستمر الحكومة في تعريض حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات للانتهاكات، وفي فرض قيود تعسفية’’. ويمضي التقرير ليستعرض ملامح التدهور عبر أمثلة تتضمن معوقات ممارسة حريات التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات وكذلك انتقاصات حقوق المرأة عبر غياب قانون عصري للأحوال الشخصية علاوة على تعريض النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان للأخطار تحت مختلف الأغطية بما فيها تدابير مكافحة الإرهاب.

لم يتناول تقرير منظمة مراقبة حقوق الإنسان التطورات الأخيرة التي شهدتها البلاد في الأشهر الأخيرة من العام .2007 إلا أن التقرير سيكون مصدراً إضافياً لانتقادات كثيرة سيتعرض لها الوفد الحكومي البحريني الذي سيذهب إلى جنيف بعد أقل من شهرين لتقديم ‘’التقرير الوطني الأول’’ إلى مجلس حقوق الإنسان. ومعلومٌ أن أوضاع حقوق الإنسان في البحرين ستكون موضوع مناقشات طويلة كجزءٍ من آلية خضوع البحرين للاستعراض الدوري الشامل أمام مجلس حقوق الإنسان. ويهدف الاستعراض الدوري الشامل إلى أهداف عدة يعددها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (رقم 60/251) لتحديد ‘’وفاء كل دولة بالتزاماتها وتعهداتها في مجال حقوق الإنسان على نحو يكفل شمولية التطبيق والمساواة في المعاملة بين جميع الدول، ويتخذ هذا الاستعراض شكل آلية تعاون تستند إلى حوار تفاعلي يشترك فيه البلد المعني اشتراكاً كاملاً..’’. وتشمل هذه الأهداف تحسين حالة حقوق الإنسان على أرض الواقع والوفاء بالتزامات الدولة وتعهداتها في مجال حقوق الإنسان وتقييم التطورات الإيجابية والتحديات التي تواجهها الدولة.

في هذا الإطار استغربت ما نُقل عن الوزير نزار البحارنة اعتقاده بأن التقرير الحكومي الذي يقوم بالإشراف على إعداده هو فرصة تسويقية للبحرين. فلا شك أن الوزير يعرف أنه حتى لو استعان بأفضل من لديه من الخبراء ‘’الترزية’’ فلن يستطيع أن يفسر استمرار امتناع الجهات المعنية عن الترخيص لأطباء مستقلين بفحص الموقوفين للتأكد من عدم تعريضهم للأذى البدني والنفسي بعد توقيفهم واحتجازهم لدى أجهزة الأمن والنيابة العامة. ولهذا سيحتاج الوفد الحكومي الذاهب إلى جنيف في السابع من أبريل/ نيسان المقبل إلى ما هو أكثر من تقرير بليغ يعده الخبراء ‘’الترزية’’ حسب تعبير مشهور لأخينا عباس هلال. فلم يعد أحدٌ يصدق ما يقوله هؤلاء في وقتٍ تتعالى فيه أصوات الخَيِّرين في العالم لتدين التظاهر اللفظي بالديمقراطية في وقتٍ تتقلص فيه مجالات ممارسة المواطنين لحقوقهم.

 

صحيفة الوقت

Tuesday, February 05, 2008

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro