English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الطبقة الوسطى
القسم : عام

| |
2008-01-27 16:45:06


 

 

 

1 .       إلى أي مدى تتأثر الاقتصاديات بتلاشي الطبقة الوسطى؟

 

اولا لا أتصور في المجتمعات الراسمالية المستقرة بما فيها الدول النامية والخليجية وان كانت فيها ازمات اقتصادية وعجوزات ان تتلاشى الطبقة الوسطى، وانما يمكن القول بانها تتقلص او تتوسع حسب السياسة الاقتصادية المتبعة.

الطبقة الوسطى هي طبقة وسيطة في الهرم الاقتصادي، هي منزلة بين منزلتين، فوقها الطبقة الثرية التي عادة تكون نسبتها صغيرة عدديا وحصتها من الثروة ضخمة، وتحتها طبقات فقيرة وكادحة ومعدومة وكذلك ما تسمى بالبرجوازية الصغيرة التي تكون عادة في حالة من الحركة التصاعدية نحو الاقتراب من الطبقة الوسطى او الهبوط نحو الطبقات الاجتماعية التحتية. هذه الطبقات التحتية عادة تكون نسبتها كبيرة عدديا وحصتها من الثروة قليلة.

هذه هي السمة العامة للمجتمعات الراسمالية، ولكن كلما كانت تنفذ سياسات اقتصادية تعطي للابعاد الاجتماعية اعتبار اكبر كلما خفت الحدية الطبقية وقويت الطبقة الوسطى ثقلا وكما وازدادت فرص الطبقات التحتية ان تتحسن لتنقل كثرة من افرادها وفئاتها واسرها نحو الطبقة الوسطى، وان تنتقل قلة من افراد الطبقة الوسطى الى اصحاب الثروات الكبيرة.

فعلى سبيل المثال اذا توفرت سياسة اقتصادية واجتماعية تحافظ على التوزيع العادل للثروة الوطنية دون تمييز في توفير وتنفيذ الخدمات العامة من سكن لائق وعمل مناسب واجر عادل وتعليم جيد ومدعوم ومتوفر للجميع وبالاخص التعليم العالي وضمان اجتماعي ورقابة على الاسعار والتحكم في التضخم ووضع سياسة ضريبية تصاعدية وتوفير اعمال وتسهيل الاجراءات وايجاد حوافز للمنشآت الصغيرة والمتوسطة وتحسين اجور الفئات المهنية التي تقع عادة ضمن الطبقة المتوسطة او البرجوازية الصغيرة كالاطباء والمهندسين والفنيين وكلما ازداد فرص التعليم العالي لابناء الطبقات الفقيرة وغيرها من سياسات اقتصادية تحمل عمقا اجتماعيا كلما ازدادت الطبقة الوسطى قوة وتاثيرا.

الاقتصاد المستقر والمنتعش هو الذي تكون فيه الطبقة الوسطى هي الغالبة نسبيا حيث تتميز هذه الطبقة سياسيا بالوسطية والانحياز نحو الممارسات والافكار الليبرالية غير المتطرفة لا يسارا ولا يمينا، حتى الافكار والايديولوجيات الحدية التي تتعامل مع الواقع والآخر المختلف بتطرف وتكفير تكون في صفوف الافراد الذين يعتنقونها وهم مصنفون ضمن الطبقة الوسطى اقل تطرفا واكثر ميلا للعقلانية والبرغماتية ممارسة وتنظيرا، ولذلك تشاهد التيارات الاسلاموية اكثر تطرفا وتكفيرية اذا كانت قياداتها وعناصرها الغالبة من غير الطبقات الوسطى، ولذا ترى الاختلاف في الممارسة الفعلية لهذه التيارات من مجتمع تكون فيه الطبقات الوسطى مهمشة وضعيفة جدا من تلك التي تنمو في المجتمعات التي تكون فيها الطبقات الوسطى قوية حيث ممارساتها اقل تطرفا سياسيا.

واقتصاديا فالمجتمعات التي تكون فيها الطبقة الوسطى كبيرة وقوية ومستقرة وباعتبارها طبقة وسيطة فان دوران الاليات الاقتصادية فيها كبيرة وفي حالة نمو وانتعاش على اكثر من صعيد. فالقوة الشرائية تكون جيدة ومعدلات الاستهلاك كبيرة مما تخلق حركة تجارية وتنشيط الاستيراد، وتكون معدلات الادخار ايضا جيدة مما تخلق حركة استثمار مستمرة وتصاعدية.

اعتقد المطلوب اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا بان يكون احد اهم الاهداف الاستراتيجية تغيير الشكل الهرمي لطبقات المجتمع الى شكل معين. أي بدلا من ان يكون المثلث السكاني قلة ضئيلة من السكان تحتكر الثروة وهي في قمة المثلث وطبقة متوسطة صغيرة وفي قاع المثلث طبقات فقيرة كبيرة بان يتحول الى ان تكون الطبقة المتوسطة هي الكبرى والاغلبية من السكان بحيث تصعد نسبة كبيرة من القاع للوسط وتنزل نسبة كبيرة من القمة الى الوسط، وهنا من الممكن ان نحقق الطريق الثالث للاقتصاد ليس راسمالية متوحشة مستغلة فاسدة طاغية وليست اشتراكية تؤدي الى قلب المثلث مائة وثمانون درجة، وكلا النموذجين لم يحققا النجاح المنشود عالميا.

 

 

المثلث الطبقي التقليدي

 

2. البعض يرى أن الطبقة الوسطى ستختفي من البحرين، ما أسباب ذلك من الناحية الاقتصادية؟

 

مثلما اوضحنا في جوابنا على السؤال الاول حيث لا يمكن ان تختفي الطبقة الوسطى نهائيا في المجتمعات بما فيها البحرين، وانما عبر مسيرة الاقتصاد البحريني كانت هذه الطبقة في مراحل تاريخية كبيرة ومنتعشة وتتوسع وفي مراحل اخرى تتقلص وتضعف.

في اواسط السبعينيات من القرن الماضي وفي ظل الطفرة النفطية الكبيرة والثروة المالية الناتجة عنها انتعش الاقتصاد بشكل كبير ونفذت الحكومة سياسة اقتصادية صناعية وخدماتية بجانب سياسة تعليمية قوامها المزيد من البعثات للدراسات العليا لابناء ذوي الدخل المحدود حيث ادت هذه السياسات الى نشوء طبقة وسطى كبيرة ساهمت بشكل مؤثر في انتعاش الاقتصاد رغم هيمنة الاقتصاد الريعي بقيمه وممارساته الخاطئة المعتمدة على تعزيز التعاضديات القبلية وخلق فئات طفيلية.

غير ان هذه السياسة الاقتصادية لم تستمر طويلا لسببين الاول خارجي ويتمثل في انخفاض اسعار النفط وبروز العجوزات في الميزانية وبالتالي البدء في دورة الكساد والانكماش التي فرضت على دولة الريع التراجع عن بعض سياساتها، والسبب الثاني داخلي ويتمثل في تغيير الاستراتيجية الاقتصادية التي كانت تركز على استقطاب الصناعات والتوجه بشكل كبير الى القطاع الخدماتي والعقاري والمصرفي لدرجة ان الاقتصاد منذ الثمانينيات لم يتمكن من استقطاب اية صناعة قوية تخلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد وتدعم فرص العمل الجديدة وتحسين مستويات الاجور، وهذا ما ادى الى تراجع ثقل الطبقة الوسطى حيث ان المزيد من مخرجات التعليم التي دخلت سوق العمل بقيت ضمن مستويات الاجور والمعيشة المنخفضة.

مؤشرات المرحلة الراهنة لا تبشر بالتفاؤل وتكشف عن ان الطبقة الوسطى بدأت تتحلل وتتقلص بدرجة كبيرة واحيانا مخيفة قد نصل الى صحة سؤالك بانها في طريقها الى ان تختفي الطبقة الوسطى رغم الجهود المبذولة في تحسين الاوضاع الاقتصادية.

ولنأخذ كل مؤشر على حده لتبيان القصد من هذا الكلام

اولا على صعيد البطالة كمؤشر يوضح مدى امكانية تحسين الوضع الطبقي ومن ثم مدى توسع الطبقة الوسطى لاحقا، فالارقام تقول بان معدل البطالة عام 2001م وصل الى 5.5% وبلغ بين المواطنين في حدود 12.7% ، في حين اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي اسيا (الاسكوا) والتابعة للامم المتحدة تكشف عن ان البطالة وصلت الى 15% ودراسة مكنزي تقول ان عدد العاطلين في حدود 20,000 الف مواطن أي ما نسبته 15% وذلك عام 2003م. وبالطبع هناك علاقة عكسية واضحة بين زيادة معدلات البطالة وتقلص الطبقة الوسطى.

المؤشر الثاني والمهم جدا لقياس مدى قوة وانتعاش الطبقة الوسطى يتمثل في مستويات الاجور، حيث تشير بيانات الهيئة العامة للتامينات الاجتماعية بان هناك 33737 مواطن تقل اجورهم عن 200 دينار أي في حدود 48% من جملة البحرينيين، والذين يحصلون على اقل من 300 دينار تصل نسبتهم 64%. لنتأمل هذه النسب التي تكشف ان الحد الادنى لمستويات المعيشة الراهنة لا يوجد، أي ان الفئات المتوسطة من الطبقات الدنيا في طريقها الى التقلص فما بالك بالطبقة الوسطى.

واذا افترضنا ان الرواتب من 600 دينار الى 1000 دينار للفرد الواحد من الممكن ان تخلق حالة استقرار للطبقة الوسطى وتمنعها من الانحلال والتقلص فالبيانات تخيفنا في هذا المقام حيث ان الذين يحصلون على اقل من 600 دينار وصلت نسبتهم الى 84% عام 2006م والذين يتقاضون رواتب اقل من 1000 دينار وصلت نسبتهم في عام 2005م الى 93%، وهي نسب مخيفة تؤكد باستحالة انتعاش للطبقة الوسطى.

المؤشرات الاقتصادية العامة كالناتج الاجمالي والنمو الاقتصادي والقوة الشرائية والتضخم ومستويات الاسعار كلها وان كانت بعضها خادعة حينما تنحاز الى المتوسطات الا انها تكشف المسار الطبقي المستقبلي للبلاد.

هناك مؤشرات اقتصادية واجتماعية كلما زادت كلما يعني وجود فئات اجتماعية متأزمة وتحتاج الى دعم وهو مؤشر خطير بان الناتج الاجمالي والنمو الاقتصادي الذي يعلن عنه دوريا وبانهما في ارتفاع مستمر لا يحقق قيمة حقيقية ولا يعكس نتائجه على اغلبية المواطنين، وهذا يوضح ضعف التوزيع العادل للثروة الوطنية واستمرار احتكار القلة القليلة للثروة على حساب الاغلبية وهذا ما يؤدي ليس فقط الى اضعاف الطبقة الوسطى وانما اختلال في الطبقات التحتية نحو المزيد من الهبوط صوب القاع.

ومن هذه المؤشرات الاقتصادية الاجتماعية مقياس عدالة التوزيع الذي لم يتجرأ الاقتصاد الوطني تنفيذه لغاية الان رغم وجود معامل اقتصادية واضحة كمعامل جيني ومعامل ثيل حيث الاول يركز على نسبة الناس الاشد فقرا وصولا لاغناهم مع نسبة دخولهم، في حين يركز المعامل الثاني على التفاوت في توزيع الدخل بين عدد الافراد أو العائلات ونسبة دخولها.

هذين المعاملين يكشفان مدى ثقل الطبقة الوسطى في المجتمع.

ومن المؤشرات الاجتماعية التي لا تبشر بالتفاؤل هي المتعلقة بمعدلات المعونات والمساعدات الاجتماعية فكلما ارتفع عدد المستفيدين من هذه المعونات كلما يعني ذلك زيادة معدلات الفقر وانخفاض معدلات التحسن في الهرم الطبقي، وواضح بان هذا المعدل في ارتفاع سريع بدلا من الانخفاض فقد بلغ اعتماد المعونات الاجتماعية عام 2002م في حدود 4.2 مليون دينار بعد ان كان في عام 1995م في حدود 230 الف دينار فقط، وعدد الاسر المحتاجة ارتفع الى 9796 اسرة عام 2007م، وعدد الصناديق الخيرية ارتفع من 7 عام 1989م الى 72 صندوق خيري عام 2003م. وهي كلها مؤشرات لا تخدم الطبقة الوسطى.

الحكومة وبالاخص مبادرات جلالة الملك ومكرماته تحاول ترقيع هذه الحالة الطبقية الاجتماعية عبر العمل على تخفيف الاعباء على الطبقات الدنيا وسد الفجوات نسبيا لعدم سقوط فئات وافراد من الطبقة المتوسطة نحو القاع الطبقي، ومن هذه المبادرات :

·                    تخفيف اعباء رسوم الكهرباء للاسر المحتاجة.

·                    رفع الحد الادنى لدرجات الرواتب وزيادة الرواتب في القطاع الحكومي

·                    تخفيض اقساط الاسكان

·                    تخفيض الرسوم الجامعية

·                    كفالة الايتام

·                    اعفاء الاسر المتوفى عائلها من باقي اقساط الاسكان

·                    صندوق لمساعدة الارامل

·                    تخصيص 30% من اسهم مجمع السيف التجاري للاسر المحتاجة

·                    تخصيص ارباح مجمع سترة التجاري للاسر المحتاجة في سترة

·                    حفلات الزواج الجماعي لتخفيض تكاليف الزواج على الشباب

·                    صندوق التامين ضد التعطل

·                    اقناع القطاع الخاص لرفع الحد الادنى للاجور الى اكثر من 200 دينار

ورغم غياب الشفافية والوسائل المحاسبية والرقابية لمدى عدالة توزيع هذه المعونات ودون الدخول في هذه الجزئية نقول بان هذه المبادرات تعطي اشارات واضحة بان السياسة الاقتصادية الراهنة لا تحقق قيمة واضافات ملموسة لتحسين مستويات المعيشة والدخل للطبقات الفقيرة والمتوسطة، الامر الذي فرض تنفيذ هذه المبادرات، والامر الآخر الذي من المفترض ان يفرض نفسه على اصحاب القرار الاقتصادي والسياسي بان الحلول الترقيعية وغير التنموية وان كانت شرطا لازما في ظل اقتصاد السوق غير الاجتماعي الا انها ليست شرطا كافيا حيث نحتاج الى سياسات اقتصادية جديدة توجه فيها الاستثمارات صوب قطاعات تتلامس مع المواطنين وليس فقط اشتثمارات مصرفية وعقارية قيمتها المضافة تذهب لقمة المثلث الطبقي الاحتكاري والقلة الثرية تزداد ثراءً في حين تبقى الاغلبية تحت رحمة المكرمات والمبادرات الترقيعية بما فيها الطبقة الوسطى.

 

صحيفة الأيام

‏27 ‏يناير, ‏2008

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro