English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

التمييز
القسم : عام

| |
2008-01-26 12:39:21


 

 

  كل بلاد العالم تعتد بوحدتها الوطنية، وتعتبرها قضية مقدسة غير قابلة للتلاعب والتشكيك وتحافظ عليها كماء زلال، صاف وجميل ومرآة عاكسة لروح الشعب وتماسكه، وقاعدة أساسية للتصدي ضد من يحاول النيل منها، لأنها أمضى أسلحتها، وبفقدانها تعجز كل أسلحة الدولة من جيش وشرطة وسجون وكل تقنيات الدفاع والترهيب عن حمايتها من أبسط الأخطار الداخلية أو الخارجية. إنها الرهان الأساسي لاستقرار المجتمع وبقاء الدولة ومواصلة التطور الحضاري.

 وما أن تشعر الدول بوجود ما يهدد هذه الوحدة أو يعكر صفوها، فإنها تهب مكونة منظومة من الأجهزة المختصة »حكومية وشعبية« بكل حيطة وحذر، مكلفة الباحثين المنتمين لنسيج الشعب بكل ألوانه وأعراقه.. أقليته قبل أكثريته، متيحة لهم الاطلاع على كتب التاريخ والوثائق والمخطوطات وفاتحة لهم دواوين الحكومة، ومستعينة بالذاكرة الشعبية الدفينة لقراءة التراث الفكري من »حزاوي« وملحميات وقصص شعبية باعتبارها مخازن إرثية للأتراح والأفراح، وداعية المعارضين السياسيين مهما كانت حدة معارضتهم باعتبارهم ممثلين لفئات وطبقات وشرائح اجتماعية مضطهدة للمساهمة بكل حرية وأمان في طرح الآراء.. متقبلة بسعة صدر وأفق  لكل الملاحظات والمآخذات لعلاج ما يمكن علاجه من تاريخها السياسي والثقافي، بكل جدية ومسؤولية، ومحاسبة كل معتدٍ صغر شأنه أو كبر، سواء كان مصدر الاضطهاد تراكمات الماضي أو أخطاء سياسية معاصرة، سواء كان بسبب نظامها السياسي أو مراكز قوى متحكمة أو صراعا مجتمعيا كالتمييز العنصري أو  العرقي أو الديني أو الطائفي أو الطبقي أو القبلي.

فهل ينسجم موقف الكتل الثلاث في جلسة البرلمان الخاصة بالتحقيق في التمييز الوظيفي مع تلك المنطلقات التي تتبعها دول العالم، أم أن الأكمة وراءها ما وراءها!!

يحق للجميع أن يتساءل.. هل من يعتقد أن الدوافع وراء ذلك الموقف ليس سوى مسوس طائفية، خاطئ في اعتقاده ويعبر عن حلمه هو للمس الطائفي لا غيره؟! وهل من يعتقد أن الدوافع وراءها إنما هي موالاة عمياء للحكومة  »وحكوميون أكثر من الحكومة« هو سطحي في تحليله ومتجنٍ على الآخرين؟ أو من يتصور أنها مساندة لأجل منفعة منتظرة لمصلحتهم أو لأنسابهم ومريديهم إنما يفتقر لبعد النظر والتسامح والسكينة النفسية وملئ قلبه  بالكراهية؟ أم أن من اعتقد أن موقفهم ذاك كان درءا للفتن وحفظا للشعب من الكراهية وصدقا مع النفس كما يزعمون بالضبط وليس موالاة أو منفعة أو عداء طائفي؟

حاولنا أن نكون مع الاعتقاد الأخير لكن البديهيات تغلبت علينا فجعلتنا لا نثق بذلك المنطق لأنه ليس سوى منهج التستر وهو ما أكده بعضهم حين قال إن التحقيق يؤلب المجتمع على بعضه ويفضل عدم نبشه، وفي رأينا أن من يخاف أن تعيش البلد كراهية عليه أن يكشف المستور ويعالج الداء لا الابتعاد عن إطفاء الحريق. ولربما.. ربما يكون الموضوع مجرد ادعاء لا وجود له »بعد التحقيق فيه«  فيكون قد أنهى المشكلة بأبسط أساليب الحل.

 من يرى أن نبش ذلك الموضوع خطورة على المجتمع ويؤسس للكراهية فإنه إما أن يكون جاهلا أو متسترا أو مساهما في الوباء، وهذه مصيبة طامة لأنه بدلا من يكون نائبا ممثلا للشعب يكون نائبة من النوائب عليه.. ومن يعتقد أن التحقيق مضيعة للوقت، فإن الوقت الحقيقي الضائع هو ذلك المبذول في رد الادعاءات والدعاوى التي تكتبها الصحف والمنتديات ومن يساندهم من الكتاب وذلك المبذول في صد المواجهات التي يمكن أن تحدث يوما في الشوارع أو في حل الإشكاليات والمشاجرات التي يمكن أن تدور في المدارس والمقاهي وساحات اللعب.

لقد أضعتم العلاج  حين كان في يدكم، ولم تمارسوا منطق المثل »اقطع العرق وسيح دمه«، فتركتم »اللي ما يشتري يتفرج«!

أليس  »الذي تخافه ما في أحسن منه«.. ألم يثبت العلاج النفسي أن مواجهة المخاوف وتحمل الألم، والتداوي بالكي وبتر العضو إن تطلب الأمر أشفى أنواع العلاج.

 هكذا يتم العلاج إذا كان صادقاً وبنية التوحد لا بشتم الشرائح والطوائف الاجتماعية والدعوة  بقطع  أكفها من خلاف لمجرد أنها تطالب بكشف المصائب والعمل على حلها والسب والتشفي!! كما يفعل بعض كتابنا المكتئبين لمزًا وصراحة.

لا يكفي أن تدعي بأنه ليس هناك مشكلة وإنما عليك أن تبرهن ذلك فهذا ما يصقل الشعوب.

 من يدعي أن دليل صحة موقفهم هو توحد كل الكتل، يخطئ كما أخطأ العالم كله وصدق »كوبرنيكس« حينما قال ان الشمس مركز الكون!!

 

صحيفة الأيام

‏26 ‏يناير, ‏2008

 

 

 

 

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro