English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

فـي التسامــــح
القسم : عام

| |
2008-01-17 09:38:17


 

    كلما مرت علينا مناسبة دينية أو وطنية كثر الكلام عن وحدة الشعب والأسرة الواحدة ونبذ الطائفية وما إلى ذلك؛ ثم تمضي الأيام ويمحي النهار كلام الليل، ويعود الكثيرون إلى ما تعودوا عليه من تمييز في السلوك ضد الفئات التي يختلفون معها في العرق أو الدين أو المعتقد أو الطائفة. وكل ذلك يرجع إلى عدم فهمنا للتسامح كقيمة أخلاقية وأساس سلوكي يجب أن نتعلمه ونعلمه لأبنائنا منذ طفولتهم المبكرة. ورغم أن الإسلام هو دين التسامح، إلا أن سلوكيات البعض تتنافى مع هذا المبدأ، بل يعتقد هؤلاء واهمين أن تمييزهم ونبذهم للآخر هو تقرب إلى الله وإمعان في التزامهم بالدين .

ولا تقع المسؤولية عن هذا الداء الذي ينخر في عظامنا على الحكومة وحدها؛ بل يتحمل المجتمع بجميع أفراده جزءاً كبيراً من المسؤولية. إذ إننا كثيراً ما نتغنى عن الوطن والأسرة الواحدة ولا نلتفت إلى معالجة الداء من أساسه. إن اللاتسامح أو العصبية، سواء كانت طائفية أو قبلية أو تلك العصبية الموجهة ضد الأجانب تشبه الجرح المتقيح الذي يحتاج إلى عملية مؤلمة لتنظيفه وتطهيره. وأول خطوة في هذه العملية هي وضع الإصبع على الجرح وتحسسه ومعرفة مسبباته. من هنا لابد من أن نضع إصبعنا على الظواهر السلبية وندرس مسبباتها وسلوكيات أفرادها. لذا أورد بعض صور اللاتسامح في المجتمع وهي صور قد تصدم شعور بعض الناس ولكن لابد من معرفتها للوصول إلى معالجتها .

جمعية إسلامية ترفض انضمام امرأة من الطائفة الأخرى لبرنامج اللياقة البدنية الذي تقيمه الجمعية، ثم يقول مسؤول فيها إننا أحرار فيمن نقبل أو نرفض. وسيدة رفضتها بعض مراكز تحفيظ القرآن للسبب نفسه. ومعلمة في مدرسة ابتدائية تتجاهل تلميذاً ينتمي إلى جنسية عربية. التلميذ نفسه قال له زميله إن أمه نصحته بعدم مصادقته أو حتى الكلام معه بسبب اختلاف جنسيتهما. وعندما انتقل إلى المرحلة الإعدادية اكتشف أن المدرسة لا تشارك الأجانب في المسابقات أو الأنشطة التي تقام، سواء في المدرسة أو بين المدارس، وتقتصر ذلك على البحرينيين. وقد تطلب الأمر من أم التلميذ - وهو بالمناسبة من الأوائل - مجهوداً كبيراً لإقناع المسؤولين في المدرسة بعدم استبعاد ابنها من المشاركة؛ بل وهددتهم برفع شكوى لوزارة التربية والتعليم .

وحيث إن التسامح قيمة إنسانية عالمية، فقد دعت اليونسكو إلى اعتبار سنة 1995 سنة دولية للتسامح. كما دعت إلى اعتبار يوم السادس عشر من شهر نوفمبر/ تشرين الأول يوماً عالمياً للتسامح. ويُعَرِّف إعلان المبادئ بشأن التسامح هذه القيمة بأنها تعني الاحترام والقبول والتقدير لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير والصفات الإنسانية لدينا. وبحسب اليونسكو، فإن التسامح «ليس واجباً أخلاقيا فحسب، وإنما هو واجب سياسي وقانوني أيضاً، والتسامح هو الفضيلة التي تيسر قيام السلام وتسهم في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب». وهي تربطه بحقوق الإنسان والمبادئ العالمية الصادرة بهذا الشأن من حيث إنه يتضمن الإقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية المعترف بها عالمياً. ومن هذا المنطلق فإن التسامح «مسؤولية تشكل عماد حقوق الإنسان والتعددية (بما في ذلك التعددية الثقافية) والديمقراطية وحكم القانون ».

إن التنشئة الاجتماعية التي تبدأ من المنزل ثم المدرسة هي البيئة الأفضل لنشر ثقافة التسامح. لذا يدعو الإعلان إلى أن تلعب المدارس والجامعات دوراً أساسياً في هذا المجال، وذلك عن طريق التعليم غير النظامي والأنشطة اللاصفية. كما دعا إلى أن يستهدف التعليم في مجال التسامح مقاومة تأثير العوامل المؤدية إلى الخوف من الآخرين واستبعادهم ومساعدة النشء على تنمية قدراتهم على استقلال الرأي والتفكير النقدي والأخلاقي .

وترى دراسة لليونسكو تحت عنوان «ترويج التسامح»، أن عدم التسامح في المجتمع ينبع من عدم تسامح أفراده. وتشير إلى أن الصور النمطية لبعض الجماعات والاحتقار والنكات التي تحمل نفساً عنصرياً هي بعض أشكال اللاتسامح التي يمارسها الأفراد. وهذه الممارسات تدفع الضحايا للبحث عن وسائل للانتقام. وهذا بدوره يولد مزيداً من التعصب والكراهية في المجتمع. وتدعو الدراسة كل فرد لمراجعة تصرفاته ولسؤال نفسه «هل أنا إنسان متسامح؟ هل أضع الناس في قوالب وصور نمطية جامدة؟ هل أرفض الغير لمجرد أنه مختلف معي؟ وهل أضع اللوم عليهم في المشكلات التي أعاني منها؟». أعتقد لو حاول كل منا الإجابة على تلك الأسئلة بموضوعية وصدق وحاول معالجة نفسه لانتهت إلى الأبد مشكلة الطائفية .

وتمضي الدراسة بالقول إن مشكلاتنا المستقبلية ستأخذ شكلاً عالمياً؛ إلا أن القليل منا يعرف أن الحل يكمن في المستوى المحلي، بل والفردي. لذا، فهي تدعو إلى إقامة الأنشطة والفعاليات التي تهدف إلى خلق ثقافة التسامح وقبول الآخر على المستوى الفردي وخصوصاً في المدارس. كما تدعو إلى الاستفادة من التجارب العالمية في هذا الخصوص .

لقد دعوت في مقال سابق إلى ضرورة إنشاء نوادٍ لحقوق الإنسان في المدارس. وأكرر الدعوة هنا إلى الاستفادة من تلك النوادي في خلق تفاعل واحترام متبادل بين التلاميذ من مختلف الجنسيات والأصول. كما يمكننا أن نستفيد من مشروع إحدى المدارس الأميركية الذي أطلقت عليه «الاختلاط أثناء الغداء». ويتلخص المشروع في تدوير أماكن الطلاب أثناء تناولهم وجبة الغداء في المدرسة بحيث يتناولون طعامهم مع أشخاص متغيرين بدلاً من الاقتصار على الجلوس مع أصدقائهم المقربين، وبالتالي يتمكنوا من الانفتاح على الغير. يمكننا هنا تطبيق روح هذا المشروع في مدارس البحرين عن طريق تشجيع التلاميذ على العمل المشترك والاختلاط أثناء الفسح الدراسية ومحاولة إقامة أنشطة يشارك فيها أولياء الأمور على نمط مشروع تلك المدرسة. المهم في الأمر أن نشرك التلاميذ ونهتم بآرائهم ونشجعهم على استنباط الأفكار والمشروعات، وسنرى ونلمس مقدار صدقهم وحماسهم للعمل المشترك مع بعضهم بعضاً. وكلما أمعنا في التجربة لمسنا مدى ارتقاء روح التسامح وقبول الآخر في المجتمع .

يوم الاثنين الماضي وصلتني رسالة عبر البريد الإلكتروني عن زيارة قام بها تلاميذ مدرسة مسيحية في بريطانيا لإحدى المساجد هناك، حيث استمعوا لشرح عن الإسلام. كما أظهرت الصور التلاميذ يؤدون الصلاة. لاشك أن مثل تلك الزيارات تعلم الصغار احترام الآخرين وعقائدهم وعدم الخوف منهم أو احتقارهم. ولكن ماذا لو نظمت إحدى المدارس الحكومية أو الخاصة زيارة لتلاميذ مسلمين إلى إحدى الكنائس أو المعابد؟ أكاد أجزم أننا سنقيم الدنيا ولن نقعدها. وستشكل لذلك لجان تحقيق على أعلى المستويات. وإذا لم تغلق المدرسة سيطرد المسؤولون عنها .

 

صحيفة الوقت

Thursday, January 17, 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro