English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

تغيّرات كثيرة من دون تغيير
القسم : عام

| |
2008-01-15 17:48:53


 

 

 

في عددٍ من اللقاءات الجميلة التي سعدتُ بها في زيارتي إلى البحرين، تكرر السؤال عن كيف أرى ما تمر به البلاد الآن بعد سنوات من الحراك السياسي. وكان جوابي واحداً وإن بكلمات مختلفة. وبسبب طيبة من التقيتُهم أو بسبب اتفاقهم معي لم يطالبني أغلب من تناقشوا معي بتوضيح زعمي الذي أكرره بأن بلادنا شهدت تغييرات كثيرة ولكنها لم تتغير. وفي المرات القليلة التي احتجتُ فيها لإيضاح زعمي كنتُ أعود بسائلي إلى الوراء أكثر من خمس وأربعين سنة .

كنا ونحن صغار نقرأ كتباً لا نفهمها أو في أحسن الأحوال نسيء فهمها. كانت أزقتنا الضيقة عالماً متسعاً نتخيله يضم ملاعب نتقاذف فيها كرة القدم كما كنا نتخيله يضم قاعات نقاش نتقاذف فيها أسماء ماركس وسارتر وكولين ويلسون وغيرهم من مؤلفي كتب قرأنا منها بضع صفحات أو فصول فيها أو تظاهرنا بقراءتها .

كانت القراءة هاجساً، كما كانت كرة القدم. إلا أن لعب الكرة فعلٌ جماعي يتطلب مهارات فردية لابد من إبرازها أمام الآخرين ولابد من إثباتها أمامهم المرة بعد الأخرى. أما الكتب فكانت سهلة. فهي علاقة خاصة وفردية بينك وبين ما تقرأ أو تتظاهر بقراءته واستيعابه. وما لا تفهمه لم يكن مهماً طالما أنك تستطيع رطانته وطالما أنك لم تفضح نفسك .

بعض تلك الكتب كان ممنوعاً من التداول، ما أضفى عليها سحراً إضافياً. ومن بين هذا النوع من كان كتاب «أصول الفلسفة الماركسية» الذي أعده «بوليتزر وكافين» لاستخدامه في الجامعة العمالية التي أسسها الحزب الشيوعي الفرنسي في موازاة الجامعات الرسمية التي كانت مغلقة أمام أولاد وبنات الشرائح الفقيرة. ولحسن الحظ مازلتُ أحتفظ بنسخة رَثّة من كثرة تداولها السري قبل أن تصلني. وحين عدتُ إلى البحرين في العام ,2001 بعد أكثر من خمس وعشرين سنة من التهجير، استعدتُ الكتاب من مخبئه الذي حفظه كما حفظ كتباً ووثائق وقصاصات أخرى من أيدي زبانية هندرسون الذين عاثوا في بيتنا في المرتيْن اللتيْن تعرض فيهما إلى التفتيش .

مثل غيره من الكتب المبسطة وفّر كتاب بوليتزر وكافين في مجلديْه تعريفات بسيطة لمفاهيم ومصطلحات ظننا أننا استوعبناها لمجرد أن استطعنا أن نتلفظها. بل صرنا ونحن صبيان يتماحكون في زوايا أحيائنا نظن أننا امتلكنا المفاهيم التي تشير إليها تلك الكلمات وحتى الفلسفة التي تقوم عليها .

حين كبرنا عرف بعضنا أن فيما قرأناه من كتب مبّسطة قصوراً كبيراً. بعض القصور هو في الأصل وبعضه ناجم عن سوء الترجمة. ولا شك لديّ أن التبسيط الشديد في كتاب «الأصول» أساء ومهّد الأرض لانتشار فهمٍ ستاليني ساذج اعتبر الماركسية عقيدة وليست أداة من جملة أدوات فهم العالم وتغييره. رغم هذا الشعور، إلا أنني مازلتُ أنظر إلى نسختي الرثة بحنين، فلقد كان الكتاب ساحراً بكلماته التي لم نكن نفهمها، وفوق ذلك كان بارعاً في أن يجعل من مفردة «الجدلية» عشيقتنا الأثيرة من بين عشرات الكلمات الجديدة التي كانت تعج بها أزقة أحيائنا .

وهنا لابد من الإشارة إلى أننا ونحن صغار لم نكن نستخدم الكلمة العربية بل كنا نفضل استخدام مرادفتها اليونانية. كانت «الدياليكتيكية» صعبة النطق وتسبب إعوجاج الفك واللسان، إلا أنها كانت المفضلة لما فيها من وقع أكبر وما توحيه من امتلاك ناصية عالم عجيب كنا نحاول سبره. بدت تلك الكلمة في قمة إغرائها لأنها كانت تَعدُنا بأنها ستفتح أعيننا على دنيا غير معهودة لا في عالم مجلة «السندباد» أو عالم روايات إحسان عبدالقدوس اللذيْن تركناهما للتو. وها نحنُ، صبية الحي الذين لا يفقهون شيئاً في عالم كرة القدم، نتخيل أنفسنا على مشارف أن نصبح سَدَنَة علمٍ لا يفقهه الكبار. لقد تخيلنا أن مفردة «الجدلية» منحتنا قدرة سحرية على أن ننظر إلى الأشياء والمعاني في ترابطها بعضها ببعض وما يقوم بينها من علاقة متبادلة، وتأثير كل منها في الآخر. كلامٌ كبير وقتها ولكنه كان واعداً .

كنا نرى بأعيننا في مطابخ أمهاتنا أحد الأدلة التي يستدل الكتاب بها. «إذا سخّنَ الماء وأخذت حرارتُه بالارتفاع درجةً بعد درجة حتى إذا ما بلغت درجة الغليان يبدأ تحول الماء إلى بخار». وكانت أمهاتنا وهن يغلين الماء يُثبتنَ إحدى أولى «مسلّمات» الجدلية. فحين تتصاعد فقاعات الماء المغلي نجد أنفسنا، بحسب الكتاب، أمام نوعيْن من التغيير؛ أولهما تغير كمي مرتبط بتناقص الماء نتيجة تبخره. وثانيهما تغير نوعي يتمثل في الانتقال من حالة السيولة إلى الحالة الغازية. هذه الصلة الواضحة بين نوعيْ التغير في حالة غليان الماء ستشكل بالنسبة إلينا أساس فهم ساذج وغير مكتمل للجدلية التي اقتنعنا بها، كما أراد الكتاب، «قانوناً شاملاً» لفهم ظواهر الطبيعة والمجتمع .

لم تعلمنا مطابخ أمهاتنا أن الحياة أكثر تعقيداً من ماءٍ يغلي في إناء فيتبخر. ولسوء الحظ لم يستمر بعضنا في القراءة لكي يتعلموا أن الظواهر، الطبيعية كما الاجتماعية، لا تحدث في عزلة عن محيطها وما يشتمل عليه من ظواهر أخرى. فلا يتبخر الماء بعد بلوغ درجة الغليان إلا حين تتوافر ظروف وظواهر أخرى تؤثر في كلٍ من السبب والنتيجة. فحين يتغير الضغط الجوي، مثلاً، تتغير درجة حرارة الغليان عن المئة درجة المطلوبة في حالة الضغط الجوي الاعتيادي. وحين يتوقف اشتعال نار الموقد أو تخفّ درجته يتوقف غليان الماء. وحين نغطي الإناء بغطاء مناسب تتأثر سرعة الغليان وتتأثر سرعة تغير الماء من حالة السيولة إلى الحالة الغازية. وهكذا .

في العادة ينتهي سردي عند هذا الحد. وقد يتبرع جليسٌ فيعلق بالقول إن التغيرات التي شهدتها البلاد هي تغيرات كثيرة كمياً، لكنها ليست تغيرات نوعية. ولقد ساهم في هذا الإخفاق أننا قنعنا بأن نكون مجرد شهود يتفرجون على ما يجري. لم نستمر في الفعل كما كنا في التسعينات ولم نسعَ إلى تهيئة الظروف الأخرى التي لابد منها كي تتحول التغيرات الكمية إلى تغيرات نوعية تُعيد صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع .

 

صحيفة الوقت

Tuesday, January 15, 2008 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro