English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

»أرى الموسيقى« وتلاقح الفنون
القسم : عام

| |
2008-01-12 10:55:08


 

 

8-6-2007_P9-3.JPGأصدر الشاعر أحمد العجمي ديواناًجديداً بعنوان »أرى الموسيقى« مستوحياً ومستلهماً أعمالاً نحتية للفنانة عائشة حافظ التي أقامت معرضاً بنفس العنوان التقطت فيه من الطبيعة جذور وسيقان الاشجار لتحولها الى عمل نحتي جميل ضمن مسار الفن العضوي، أي الفن المعتمد على مواد خام طبيعية، وضمن رؤية تقول عنها بانها تلعب مع الطبيعة لانها تحبها وتعشقها كمكون عضوي من حياتها لذلك تعطيها جسدها وهي تمنحها روحها.

بالمقابل تفاعل الشاعر مع هذه الاعمال وأجبر على الانصات لروح الحركة الموجودة في البيئة ليصل الى رؤية الموسيقى وهي تنخلق، ويعترف العجمي بان الصمت العميق للاعمال النحتية قد فجر لديه الدهشة والاستفزاز، وكذلك لذة الحب والغواية وماء التحدي، فما وجد غير الشعر وسيلة وملاذا ليعبر عن سديم الخلق، فاندمج مع المنحوتات الفنية ليرى كائنات وراء الصمت، وليكتشف نبض الزمن في حركتة من خلال عناوين هذه المنحوتات فاستعارها لقصائده ليكتشف طاقة شعورية جديدة فيها توازي وتتلاقح مع طاقة الاعمال ذاتها.

وما خلق المزيد من التلاقح بين الشعر والنحت في هذا الديوان ما احدثه الفنان حافظ من مخطوطات لنصوصه لدرجة ان يتحول خطه العربي هذا الى فراشات تطير لتلتقط اللقاح ورحيق المنحوتات وتوصلهما الى الشعر لتكتمل الدورة الانسانية بين المنحوتة الانثى والنص الذكر.

لم يكتف التلاقح بين الفنون الثلاثة هذه بل اندمجت الحضارات فيها بصدى ارواحها فانطلقت الترجمات الانجليزية والفرنسية والاسبانية والفارسية لنصوص العجمي العربية لتذوب روحها وموسيقاها في الصمت والتكوين، وكأنها شرايين توصل نبض الوجود والحرية الى غشاء القلب.

وما يحدث بعد هذا التلاقح هو خلق خلاسي كستنائي الذوق واللون تندغم فيه تجارب الشعوب وما يسميه شاعرنا بتسرب رائحة طين الشعر لسماء العولمة.

شهادتي المجروحة هذه وترددي في الانطلاق أكثر في التاويل والتفسير منبعها ان احدى أطراف هذا الخلق الجمعي زوجتي والطرف الآخر رفيق دربي والطرف الثالث توأم روحي، مما هيمن علي الخجل والتردد رغم احساسي بأن المنحوتات العضوية هذه فيها من الابداع  والتجديد والتميز والحداثة، مما يفرض الاشارة اليها.

تلاقح الفنون ساحة جميلة للخلق الابداعي مارسه الكثيرون من المبدعين ومنهم العرب. فديوان الشاعر سعدي يوسف »الايروتيكا« تلاقحت فيه فنون الشعر والرسم بشكل مبهر، وكذلك للشاعر قاسم حداد تجارب في هذا الحقل حيث اصدر ديوان »النهروان« مع رسومات الفنان جمال هاشم ، ومع لوحات ضياء العزاوي تم خلق ديوان » أخبار مجنون ليلى« وحوّل هذا الابداع الى معرض فني فيما بعد، ومع الفوتوغرافي السعودي صالح العزاز خرج كتاب »المستحيل الاخضر«، ومع الفنانين المرموقين عباس يوسف وعبدالجبار الغضبان تلاقح الفن بالشعر من خلال ديوان »أيقظتني الساحرة« لقاسم حداد، وتجربته الرائعة في »وجوه« حيث تلاقحت فنون الشعر بالمسرح وبالتشكيل والغناء والتمثيل والالقاء عبر مبدعين حداثيين تمكنوا من ابراز العلائق المخفية بين الفنون من امثال الفنان المبدع عبدالله يوسف وخالد الشيخ والسعداوي وابراهيم بوسعد وادونيس، ومع المخرج خالد الرويعي ايضا الذي تقمص نص مجنون ليلى ودمج السينما بالموسيقى بالجسد والحركات التعبيرية بالتشكيل، والفنان جمال عبدالرحيم له تراكم ملموس بين التشكيل والشعر وغيرهم كثيرون.

اللذة والمعرفة التي تنكشف امامك كومضات سريعة وانت تقرأ ديوان »ارى الموسيقى« بان حاسة البصر تكون حاضرة في النصوص لدرجة هائلة، فانت تقرأ نص العجمي وما يلبث في ذات اللحظة أن ينطلق بؤبؤ العين الى منحوتة عائشة لتقارن وتقارب، ويتجمد بصرك على خطوط حافظ الممتلئة بالسواد والانحناءات لتستفز حاسة السمع لديك فتسمع موسيقى داخلية تتسرب فيك، وفجاءة تتوقف عن مواصلة قراءة النص العربي لتقارب وتقارن السطر بمعنى فارسي فتكتشف جمال الصورة بلغة أخرى، وكطفل يفجر طاقاته تقفز الى الترجمة الانجليزية لذات الفقرة وتقارب وتقارن الصورة وحينها تحس بان ملكة الخيال وقد تحولت الى حاسة ملموسة امامك، ولو كنت اتقن الفرنسية والاسبانية لاكتشفت رائحة باريس والاندلس كما لامست الخيام الفارسي وشكسبير الانجليزي، لأصل الى ما نطق به العجمي في مقدمة ديوانه بانصهار روح انسانية في ضوء الحضارات لما تطلقه الترجمات من كهرباء تشظي كيمياء الجسد المتلقي لتستفز حواس لا علاقة مباشرة باحدى الفنون فاذا بها تصبح شرطا لازما للتذوق والسعادة، لانك قد رأيت حقا الموسيقى، وسمعت الألوان ،ولامست الخيال. فاصبحت متلقيا عولمياً كما كان هدف العجمي ان تكون نصوصه فراشات في سماء العولمة.

 

صحيفة الأيام

‏12 ‏يناير, ‏2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro