English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

قيــــــــــــــــــــادات
القسم : عام

| |
2008-01-12 10:43:26


 

 

 

عبدالله الحداد المجتمعات البشرية مستعمرات غائية دائمة التطور ديدنها حماية النوع الإنساني من الأخطار والمحافظة على بقائه واستمراره وتطوره وإسعاده عبر التاريخ. وقد حاول علماء الأنثروبولوجيا والاجتماع والفلسفة والتاريخ دراسة كيفية هذا التطور والعناصر أو القوانين الفاعلة فيه عبر وضعها تحت الملاحظة أو من خلال ما تركوه من آثار ورسم على الجدران أو ما خاضته من حروب أو شكل العادات والتقاليد والأعراف المنظمة، كل حسب الزاوية التي يهتم بها. لكنهم وجدوا جميعا أن الكفاح ضد قوى الطبيعة والظلم المجتمعي هو السمة الأساسية والقانون الفاعل لهذا التطور، وإن دور الأفراد وقيادتهم تحديدا لهذا الكفاح وتحملهم المشاق وأصناف التعذيب من القوى المهيمنة كان له الدور الحاسم في تحقيق التغير.

 كما لاحظوا أن هذه المجتمعات تخضع لنفس القوانين والأنساق مهما تباعدت في المكان أو الزمان ومهما بدا الاختلاف الظاهري في شكل الإنسان أو لونه أو عاداته أو أعرافه، ومهما اختلفت مظاهر وشكل العمران والأدوات المستخدمة ومظاهر التعبير كالرسم والنحت واللغة المتداولة وشكل الأنظمة التي حكمتها والطبقات الاجتماعية التي سيطرت عليها والدول التي دالت عليها.

تعددت الدراسات وأشكالها والأهداف التي قصدتها، لكن بقيت قناعتها بشكل واضح أو مستتر على أن جوهر التغيير هو »القانون الاجتماعي وقيادة الفرد المقاوم لرد الظلم« باعتباره الأساس لهذا التغير.

 

تحولت هذه المجتمعات عبر تراكم الخبرة البشرية والكفاح المجتمعي إلى دول مدينية ثم دول مقاطعات ثم دول قومية ذات أنظمة متلونة، تباينت السيادة فيها بين العبودية والديمقراطية، التسلط وحرية التعبير، لكنها اشتركت في التوزيع غير العادل للثروة، مما جعلها دائمة الصراع بين من يمتلكون ومن لا يمتلكون.

هذه الدول مع الزمن قوت من نفسها، واستخدمت كل خبرات القمع للدول التي قبلها، واستغلت مبادئ التسامح وطاعة أولي الأمر في الدين ورجالاته المحبين للمال ليعينوها على زرع القبول بالهيمنة، كما استغلت الأفراد المقاومين السابقين »المنكسرين« أو »الطامعين« في الحصول على المال والحظوة والمجاورة للحكام، في غسيل الدماغ الجمعي لتبرير العجز في التغير أو القبول بما لاح في الأفق والحفاظ على يمكن الحفاظ عليه، لئلا يذهب هباء مثنورا، يقابله بالتضاد تطور أشكال المقاومة مع الزمن وتزايد أعداد الرافضين للاستسلام الذين صاروا يدرسون الأطر التنظيمية التي يمكن أن يجعلوا من كثرتهم أداة قوية لمقاومة الدول وتحقيق التغيير وعصية على الفناء، مستفيدين هم أيضا من خبرات أقرانهم في المجتمعات الأخرى، وباتوا أكثر تحديدا لأهدافهم التي لم تختزل فقط في مطلب الأكل والشرب وإنما تجاوزته إلى بقية المطالب الطبيعية والحقوق القانونية كتأسيس الدساتير المعبرة عن أن السلطة مصدرها الشعب والحكم يبقى للشعب وأن تكون غير قابلة للتغير بحسب هوى الحاكم، وتحدد ما لهم وله وما عليهم وعليه، بوضوح تام لغلبتهم عليه، وأن من حقهم أن يدخلوا بحقب من الزمن والتجربة، ما يمكن أن يعزز مكانة الشعب ويقلل من سلطة الحاكم.. حتى صارت هذه المنجزات سمة في أغلب المجتمعات المعاصرة.

صارت مطالب الديمقراطية لا تعني فقط عميلة الانتخاب وبعض الأشكال الحقوقية الفارغة من المحتوى، وإنما حقوق يتم تعاطيها على أرض الواقع، تعزز من الكرامة والكبرياء الشعبي بجانب التوزيع شبه العادل للثروة.

وحيث أن هذه المقاومات لم تكن منثورة بالزهور وإنما تخللها سقوط شهداء واتساع حجم السجون وممارسات شنيعة ومتنوعة للتعذيب والقهر الأخلاقي، فإن كثيرا من المقاومين مع الزمن يتغيرون، منهم من يسقط في نصف الطريق ويتوارى عن الأنظار أو يمارس نوعا من التدين والتماهي مع الأخلاقيات الدينية والتصوف لما يعانيه من آلام نفسية حادة نتيجة عجزه أو يقاوم بعزة وإباء بشكل آخر تعبيري مهم كممارسة الآداب والفنون والوعي الفكري، ومنهم من يصطف مع الحكام في ظلمهم ويركز على تحسين وضعه الخاص.

المشكلة ليست في المجموعة الأولى، فقد قدمت ما يمكن أن تقدم أو اعتذرت أو بدأت مقاومتها بشكل آخر محل تقدير، ولا في المجموعة الثانية التي لجأت لخيار آخر واضح لا لبس فيه. وإنما المشكلة في الشريحة التي ضاعت بين الموقفين، فلا عرفت كيف تبقى مع ما كانت تتبناه ولا هي قادرة على الاصطفاف مع النقيض، وما يزيد الأمر وبالا أنها تستخدم كل ذكائها وفطنتها وخبراتها السابقة في الدعوة للاسترخاء وبذل ما يمكن أن يعزز الهدوء مبررة أي تجاوزات ومستغلة التغيرات النسبية البسيطة والدعوة باعتبارها قفزات يجب عدم التفريط فيها!!

 

صحيفة الأيام

‏12 ‏يناير, ‏2008

 

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro