English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

تقويض أسس الديمقراطية (2 - 2)
القسم : عام

| |
2008-01-08 10:28:14


 

 

w51.jpgفي الجزء الأول تحدثت الكاتبة عن ما اسمته الدراما الاعلامية وخداع الصورة التي استخدمها بعض الاعلاميين وروجت له بعض الصحف في طريقة تناول الأحداث الأمنية التي شهدتها البحرين في 17 ديسمبر/كانون الأول العام الماضي، ومدى تأثير ذلك الخطاب على تشكيل الوعي الاجتماعي للهيمنة على العقول والحد من الحريات السياسية، في هذا الجزء تستمر الكاتبة في الحديث عن أهداف ذلك الخطاب الاعلامي على الصعيدين الاجتماعي والسياسي في المملكة .

 

مأزق التماثل والإجماع والصراع

 

منه وبعيداً عن لغة الشتم والتخوين الممجوجة، تتمثل أمامنا القضية الثانية وهي مأزق التماثل والإجماع والصراع، إذ يميل أصحاب النظرة الوظيفية ومنهم حتماً «أصحاب الدراما الإعلامية» الذي سبق وتطرقنا إليها، إلى اعتقاد راسخ لا يقبل الدحض، بأن المجتمع متماثل وهذا التماثل لا بد وأن يستتبعه إجماع، تماثل وإجماع على ماذا؟ تماثل في النيات الحسنة والمصالح والقدرات والإمكانات وإجماع على أنه لا بد أن يكون للمواطنين عموماً رأي مشترك يتفقون عليه والطموح ذاته، طالما كان الجميع منهم يتغنى بمجتمع الأسرة الواحدة وحب الوطن والإعلاء من شأنه في سياق الهوية التي يرسمها ويحدد معالمها النظام السياسي، حتى وإن جاء ذلك على حساب التغاضي عن حقيقة فاقعة وهي أن فئة ضئيلة تملك الأرض وما عليها وأخرى كبيرة محروم فئات منها من أبسط مظاهر حياة مجتمع الرفاهية، في حين توجد اتجاهات ذات نظرة مغايرة للواقع تتبنى فكرة أن ما يميز المجتمع البشري هو الصراع، ولاسيما أن المجتمعات الإنسانية حافلة بالنزاعات والتوترات والاختلافات، وبالتالي فإنه من الوهم الاعتقاد أن الناس يميلون بطبيعتهم إلى العيش والتعايش في إطار من الانسجام والوئام والمودة التامة من دون حدوث مواجهات بين المصالح العميقة والمختلفة التي تتبلور في آخر الأمر على هيئة صدام مباشر وغير مباشر .

 

وعليه فعلاً، البحرين كما قيل ليست مدينة أفلاطونية فاضلة، وفئات متعددة من أهلها المحرومين ليسوا قديسين ولا يتوافرون على صبر أيوب لتحمل الظلم والحرمان ولا يمكنهم تسليم خدهم الأيسر بعد صفع خدهم الأيمن، وليسوا بسجاد إيراني يتعاظم خضوعه بكثرة الدوس عليه، على الأقل في الحدود الدنيا يحق لهم الاحتجاج والمطالبة بالحقوق المنقوصة كما يجوز لهم السعي إلى تحقيق الأحلام والطموحات، وأن يرفضوا أن مجنساً حديثاً يرفع عقيرة صوته عليهم بالشتم والتنابذ، وأن يحصلوا على السكن اللائق والخدمات الصحية والتعليمية بمستويات لا تقل عن المستوى التي يتحصل عليها «كتاب الأعمدة الصحافية مع أبنائهم» مثلاً، من بعثات دراسية وفرص عمل مهنية وعلاوات وعيش كريم ورفاهية تبدأ بالسيارة ولا تنتهي عند بدلات السفر والعلاج والتمليك...الخ، أليست هذه هي مساواة المواطنة التي تتردد على المسامع دائماً؟

 

ثمة حقيقة في السياق يشير إليها أحد علماء الاجتماع يقول: «إن المجتمعات ذات النظم الاجتماعية الأكثر استقراراً في ظاهرها إنما تمثل حالة من التوازن الهشّ القلق بين جماعاته المتنازعة، وعليه لا يمكن الإنكار أن جميع المجتمعات تتفق كلٍ على حده بمنظومة معينة من القيم كما أنها تتسم على الصعيد الداخلي بالصراع والتوتر الذي يستدعي دائماً التقصي عن العلاقة بين الإجماع والصراع داخل النسق الاجتماعي»! ماذا يعني ذلك؟ يعني ببساطة شديدة البحث عما يمكن أن يجمع عليه البحرينيون وما يمكن أن يتصارعون عليه؟ لماذا يستوجب عليهم الإجماع ولماذا هم يتصارعون من حين إلى آخر؟ فما تتمتع به فئات وجماعات ما من مصالح ومكارم ورفاهية وفرص وأهداف يسعى أفرادها إلى تحقيقها تتمفصل في مواقع قد تتوافق فيها هذه المصالح أو تتعارض، وليس أدل على ذلك إلا ما حدث في 17/ديسمبر 2007 !

 

بالمناسبة من المهم التذكير بما يفيدنا به علماء الاجتماع من أن القوة وتأثيرها الأيديولوجي ونفوذها وخطابها الإعلامي ليست إلا آلية من الآليات والأدوات التي تستخدمها أية سلطة سياسية لتعزيز مواقع هيمنتها وسيطرتها على كل شاردة وواردة .

 

إذاً هاتان القضيتان تقودنا إلى أن ما تقوم به الدراما الإعلامية من خلال معالجة ما حدث في الشارع بخداع الصورة والدق على ذات الرتم والمضمون إنما هو في حقيقته تقويض لأسس الديمقراطية المزعومة، ومما يزيد الطين بلة، هو التنكر لوجود مصالح ومنافع متضاربة في المجتمع وإن هذا التضارب هو أصل المشكلات والبلاء، بل والاعتقاد بأن حقوق المواطن البحريني قد استوفيت واكتملت وبالضرورة يتحتم الإجماع على ذلك كحقيقة تتطلب نفي حتميته الصراع كقانون طبيعي !

 

صحيفة الوسط

Tuesday, January 08, 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro