English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

تقويض أسس الديمقراطية (1-2)
القسم : عام

| |
2008-01-06 10:38:49


إن تقويض أسس أي مشروع إصلاحي ديمقراطي لا يقتصر على نهش وقضم حقوق المواطن من قبل الدولة عبر التشريعات والقوانين أو استخدام القوة المفرطة في فكّ الاشتباكات وفرض أي نوع من أنواع العقاب الجماعي المباشر وغير المباشر على قريةٍ أو حيٍّ ما أو ممارسة التمييز والكيل بمكيالين في تطبيق نصوص القانون، أبداً، إن تقويضها يتمدد إضافة إلى ما سبق، حينما يمر المجتمع بحال من الانفصام بين ما يقال وبين ما يفعل، وحتماً حينما يطول الشرخ العلاقات التي تنظم أفراده وحينما يتجه الإعلام الرسمي وشبه الرسمي إلى خلط الأوراق وإلغاء الآخر وإدانته وابتزازه وعدم منحه الفرص الكافية للتعبير عن رؤيته في الواقع، فضلاً عن محاصرته والسخرية منه بتمادي بائس وممارسة الردح الذي يبرر للقوي المفتول العضلات ويشرعن له بوابات توسيع النفوذ والظلم وإيجاد الذرائع والحجج والتسويغ المستمر لأفعاله والنفخ فيها والتزمير خدمة للحروب الوهمية. إن تقويض الديمقراطية يتجلي في أبرز صورها التراجيدية المأساوية حينما تتعدد قرابين الوطن عاماً بعد عام .

 

نقطة على السطر !

 

كتب «جورج باتاي»: «أياً يكن شكل القوة المؤسَّساتي، فإن جماعة من الشعراء والأدباء والكتاب والسياسيين والأكاديميين والعلماء ورجال الدين يتحلقون متأهبين دائماً لتشييد حصون العداء والخوف من أجل تمكين غريزة الهيمنة الفذة أن تستمر وتسود، إذ لا يمكن أن تخاض الغزوات والحروب والخراب من دون تبرير »!

 

وعليه فثمة قضايا عدة يمكن مناقشتها على خلفية التوترات الأمنية التي سادت الشارع البحريني منذ 17 ديسمبر/ كانون الأول 2007، وراح ضحيتها الشاب علي جاسم مكي وخلفت عدداً غير معلوم من المعتقلين على ذمة التحقيق، بيد أن هناك قضيتين أساسيتين يمكن التركيز عليهما من جملة قضايا لا تقل أهمية قد تداولتها الصحافة المحلية والمنتديات الالكترونية وقاعات الندوات وحتماً الغرف المغلقة، ألا وهما: خطاب الدراما الإعلامية وخداع الصورة، ومأزق التماثل والإجماع والصراع .

 

الدراما الإعلامية وخداع الصورة

 

بالنسبة إلى القضية الأولى، يجوز القول إن الحقيقة المعلنة والأخرى التي لايزال يُبحث عنها لما حدث في الشارع البحريني أخيراً تخضع لقانون النسبية، بمعنى «نسبية حقيقة ما حدث» بما يبرزه الواقع من مكونات وعناصر وتفاعلات فيما بينها أثناء تجاذبها وتصادمها، فما تشاهده العين الراصدة في لحظة ما ومكان ما، ليس بالضرورة هو ذاته الذي يراه الآخر في اللحظة والمكان ذاتهما، فهنا مثلاً، أسياخ حديد مدببة، قناني مولوتوف، بقايا حجارة متناثرة في الشارع العام وحجارة أخرى يقُذف بها من قبل ثلة شباب غاضب أحرق سيارة للأمن العام يضاف إليها حرائق بقيت مشتعلة في الإطارات وصناديق القمامة بعد أن أضرموها بالنار، شباب ملثمون لاتزال النار ذاتها متقدة في دواخلهم، هذا المشهد الذي نقلته إلينا أجهزة الإعلام الرسمية المصورة والمحكية على لسان بعض الكتاب والصحافيين وأخذ مداه الذي لم يتوقف حتى هذه اللحظة بما يشوبه من سبّ وشتم وتوجيه اتهامات بالطول والعرض والتهديد والوعيد لكل من تسول له نفسه بالنطق ونقل تفاصيل المشهد الآخر المكمل لما حدث ومسبباته .

 

وعلى الضفة الأخرى من بعض صفحات المواقع الالكترونية شاهدنا صوراً لمداهمات واقتحاماً لبيوت آمنة وتكسير لمحتوياتها واعتقالات فضلاً عن صور لجثة هامدة لعلي جاسم مكي ممداً بعد أن خنقت رئتاه سموم الغاز المسيل للدموع وهو يشارك في تظاهرة احتجاجية قيل إنها غير مرخّصة ولا بد أن يكون عقابها إفراط في استخدام القوة وعلى رأسها «الغاز المسيل للدموع (الفلفل الأسود)! أن تموت لأن التظاهرة السلمية غير مرخصة. كم هي رخصية روح المواطن وكرامته في هذا البلد؟

 

على أي حال، عرضت المنتديات الإلكترونية بدورها مشهداً لشرطة الأمن في زيّهم الأزرق الجديد وخوذهم الناصعة البياض مدججين بمختلف وسائل الهجوم والدفاع عن النفس يتقافز بينهم أيضاً «شباب ملثم»، قيل عنهم ميليشيات مدنية مستقدمة من بلد عربي مجاور، يساندونهم ويمتشقون السلاح على أذرعهم ويهددون ويتصايحون ويتحركون بهيئة استعراضية هوليودية لم نشاهدها إلا في أفلام الأكشن والمداهمات التي يقوم بها الجيش الأميركي والإسرائيلي للانقضاض على المقاومين العراقيين والفلسطينيين .

 

كل يعرض مشاهد الحدث من زاوية رؤيته، ويبقى السؤال من حق الجميع، أيهما نصدق وأيهما نكذب؟ قبل الإجابة، لنتذكر أولاً وثانياً أن المشهد الذي لا غبار عليه هو أن جثة علي جاسم مكي كانت ممدة في المغيسل قبيل يومين من عيد الأضحى المبارك، وأنه قضى في ريعان شبابه وخلف في رحم زوجته طفلاً يتيماً لم يولد وحسرة في قلب ذويه لن ينسوها ما حيوا بأن لهم ابناً استشهد بسبب استنشاق مسيل الدموع في 17 ديسمبر 2007 وليس في أي يوم آخر من أيام السنة، فهل لأي من كتاب الأعمدة الرادحين أن يكذب هذه الحقيقة لو كان مكان تلك الجثة جثة ابن أو قريب لهم أو لهن، لا قدر الله قد مر صدفة بتظاهرة غير مرخصة في مكان أو زمن ما؟

 

عندها سيفرض السؤال نفسه عن الكيفية التي تتجه فيها مضامين خطاب الدراما الإعلامية التي تتولى مهمة تشكيل الوعي الزائف من خلال المغالاة في ممارسة فن التضليل عبر إعادة إنتاج تفاسير وتحليلات للصور المعروضة وبقيم وتفضيلات مكملة لتداعيات الحدث وفرض متغيرات جديدة على الواقع. كل ذلك يحدث بهدف المزيد من الهيمنة والضغط بيد من حديد على العقول لكي تقبل بقدرية الخيار الوحيد الأوحد ضمن إطار المرسوم والمخطط له، والقبول بحق الهيمنة القسرية وما تنتجه من علاقة تطبيع تعبر عن نزعة تصورية سياسية واجتماعية للحدث فتختار المشاهد بصورة انتقائية وتصدر أحكاماً وتتراءى لها أشباح «التآمر، والعنف والإرهاب والتدخل الأجنبي... الخ اللازمة» التي فاض واستفاض بتداولها ذلك الخطاب، فذلك يصب في نهاية المطاف في سياق آلية سياسة القمع والقهر تجاه الرأي المختلف للواقع، فكل من ليس معنا ولا يوافق على ما نراه بمناظيرنا ونتحسسه بقرون استشعارنا ونحلله، فهو خائن للوطن وتحق عليه اللعنة وتطبيق أقصى درجات العقاب. أليس هذا ما تسعى إليه آلة الردح الإعلامية؟ !

 

لا شك في أن في ذلك تعبير فاقع عن قصور تعاني منه تلك الدراما الإعلامية الآنية، والقصور بدوره سيؤدي إلى تقليص مساحة الحريات العامة وإثارة نوازع الشك والريبة والخوف والرعب من التعبير عن الرأي، مما سيقلل من فاعلية الحراك المجتمعي، ولاسيما أن عملية التعبئة السياسية والاجتماعية والفكرية التي يتضمنها ذلك الخطاب تتم بانحياز تام لا يقبل الشك أو الإدانة للجانب الرسمي وتوجهاته بصورة مباشرة وغير مباشرة، وهي -أي الدراما الإعلامية - وأن تسعى لتشكيل الرأي العام الجمعي للنظر إلى الحدث من خلال الصور التي تسوقها بهذا الاتجاه، إنما تهيئ إلى وجود تربة خصبة تترعرع فيها النزعات المتطرفة والتفكير المعادي بين قوى المجتمع وعبر ما تجسده من تعبئة ذات سمات وملامح أمنية محددة تمتنع وبإصرار عن مناقشة أصل المشكلات والقضايا وأسبابها التي أدت إلى توتير الشارع وانفجاره في تلك اللحظة وذلك المكان، إن في خطابها تضخيم للذات وللموقف الرسمي مهما حاولت أن تتمثل دور المحايد الموضوعي العقلاني، إذ يكفي إهمالها المتعمد وتجاهلها لمعالجة أصل المشكلة ونتائج ما حدث وخطورته على الأمن والسلم الاجتماعي .

 

صحيفة الوسط

Sunday, January 06, 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro