English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الشــــــــــــائعـــــــــة
القسم : عام

| |
2008-01-05 15:01:12


 

 

»يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَينُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ« ٦ الحجرات.

هي وسيلة الخصم في حالة القوة أو الضعف، للتهيئة لهجوم أو للدفاع عن النفس، للتحريض على فعل جماعي أو لنفي فعل فردي أو جماعي مهم بشكل غير مباشر. 

 ليس بالضرورة استخدامها في وقت الحرب بل حتى في وقت السلم، حيث تتعدد أغراضها ونتائجها حين تطلق من جهة ما، بوعي مقصود ولهدف محدد، مثل الشائعات عند الحروب بغية توصيلها للأعداء حتى يستنتجوا منها حالة نقيضة للحقيقة، كأن يشاع أن الجيش قد تقهقر أو أنه متمركز في مكان ما فيقع خصمهم بعد التصديق في الشرك المنصوب، وقد يستخدمها نظام معين لجس نبض الشعب وردة فعله، كأن يشاع ان الدعم عن السلع سوف يتم سحبه أو أن الأراضي نفدت ولن توزع على أفراد الشعب أو أن المحروقات سوف ترتفع فإن خرج الشعب للشارع بقوة، صرح بوسائله الإعلامية أن تلك شائعات مغرضة وغير صحيحة، وإن وجد تقبلا لها نفد ما خطط له، وقد تستخدمها شركة ما ضد منتج معين ضارب في السوق لصرف المستهلكين عن شرائه وبالتالي توجه المستهلك لغيرها من السلع ومنها السلعة التي تنتجها الشركة المطلقة لها، وما استخدام شائعة خلط زيت الخنزير في غذاء معين! لإبعاد المسلمين عن سلعة ما الا دلالة واضحة لقوة الشائعة وتأثيرها في أكبر حجم للسكان في اسرع وقت ممكن.

وليس بالضرورة أن يطلقها نظام أو حزب أو جهة أمنية ما وبهدف محدد أو لتعزيز كراهية أو غيرها، وإنما قد تطلق أيضا من فرد عادي، دون أن يقصد من ورائها غرض معين، لكنه في تلك اللحظة يختزل أو تتكثف فيه من غير وعي موقف جماعي أو شعبي أو طائفي أو حزبي، فتكون الشائعة معبرة عن تبرم فئة أو شريحة أو طبقة، بسبب عدم وجود من يعبر عن موقفها أو يدافع عن مصالحها أو يدفع الظلم عنها أو ينفس عن قهرها الاجتماعي، أو يعبر عن الشعور بخطر داهم سواء كان ذلك  حقيقة أو توهماً لكنه مهيمن على العقول والقلوب.. وعادة ما تكون تلك  الفئات او الشرائح أو الطبقات، من المسحوقين أو المظلومين أو الأقلية أو المتوجسين بضياع منفعة ما أو مركز متقدم..وكلما كانت تلك الشائعة صادقة في التعبير عن قهرها الاجتماعي أو الخطر الداهم كلما تسارعت في الانتشار بسرعة مذهلة تجاوزت أفرادها الموجودين داخل المجتمع لتصل أفرادها فيما وراء البحار.

لكن الشائعات لا تظل كما أطلقت في البدء، وإنما تزداد تبهيرا وتنكيها مع التداول الشعبي..

فكلما سمعها فرد أضاف عليها شيئا من ذوقه الخاص كقليل من التضخيم والمبالغة لتكون أكثر حساسية وخطورة.

وكثيرا ما تستخدم الغيرة على المعتقدات أو التهويل من خطورتها على البلد مادة غنية في الشائعة بسبب فرط حساسيتها، فيتجاوب معها الجمهور.  كما يتم تعديلها شيئا فشيئا مع الوقت، لتزيد حيويتها وملاءمتها للظرف لضمان تصديقها واستمراريتها حتى تحقق أغراضها.

خلافا للنكتة التي تختزل موقفا معينا أو مصيبة معينة أو ظلما بارزا أو جانبا معينا من فقر مدقع بسبب سياسة معينة أو دكتاتور معين للتحريض. فالكوميديا السوداء أكثر انتشارا بين الناس لجو التعاطف التي تخلقها، كما أنها لا تتغير مع الوقت بعكس الشائعة، ذلك لأنها بليغة في التعبير ولصعوبة الإضافة عليها باعتبارها ابداعا وموهبة، فهذا سهل ممتنع غير متاح للعامة.

وأمثال الشائعات في المجتمعات كثيرة، فتسمع مثلا أن شخصا ما تم الاعتداء عليه، أو استدرج إلى منطقة ما وتم ضربه أو أهين لشخصه أو جهته أو معتقده أو لمن يحب من رموز دولته أو لباسه العسكري، أو رموزه الدينيين وبكلمات نابية لا تغتفر، أو الاتهام بقلب نظام الحكم؛ بغية التحفيز »بالفزعة« والحمية أو لإشاعة الفوضى، فينتشر ذلك الخبر سريعا جدا بين جموع الناس، برغم عدم وجود الدليل ولا دعوى قضائية ولا متضررين ولا شخوص طبيعيين، إذن لماذا التصديق؟ للاستعداد النفسي المسبق التي خلقتها ظروف أخرى لدى الجموع!!

وتعتبر الشائعات مؤشرات لحدوث أزمة أو تعقدها أو انفجار أزمة أو افراجها. فتسارع السلطات لفك فتيلها ودراسة كيفية علاجها وتتنادى مع من يفكرون في مصلحة المجتمع أو من في يدهم مفاتيح الحل لاستدامة الهدوء والسير إلى الأمام بثقة ورؤى واضحة وبكل ثقلها لمصلحة الجميع، فيتساند معها الجميع.

وهناك فرق بين الواقع الاجتماعي والواقع السسيولوجي الذي يمكن أن تعتمد عليه السلطات لحل المشاكل الاجتماعية أو الأزمات السياسية.. فالواقع الاجتماعي هو الذي ينشأ عن فكرة أو تصور مسبق!! غير أن هذا الواقع الاجتماعي هو في الواقع »ما نعتقد« أنه الواقع الذي قد ينشأ عن فكرة شائعة نقوم بإعطائها الصدقية سلفا لثقتنا المفرطة بالأحكام الجماعية. أما الواقع السسيولوجي فهو نقيض الواقع الاجتماعي من حيث كونه الواقع الموضوعي لا الموسوم في الذهن، والذي تم قياسه واختباره من خلال تقنيات البحث المعروفة (ملاحظة، مقابلة، استمارة، احصاءات، عينة فرضيات...).

هذا لا يعني أن دراسة الواقع السسيولجي هو النفي الدائم لما هو مرسوم في تصورات الواقع الاجتماعي (عماد، عبد الغني٦٠٠٢ ).

إذن الواقع الموضوعي هو الذي يتجاوز الواقع الاجتماعي، وهو الذي يصل لنتائج قد تكون مميتة وقد تحرق الأخضر واليابس وقد يتم علاجه ليكون مبشرا بالخير منتجا لما هو اصلح، الواقع السسيولوجي هو مصير المجتمع في حقبة زمنية وهو الذي يمكن التدخل فيه لتعديل استقامته، حتى لو بدا أنه هزيمة لطرف وانتصار لطرف. المسألة ليست كما تبدو الآن وإنما ما سنصل إليه.

هذا ما يقوله علماء الاجتماع فتفكروا يا أولي الألباب ولا يأخذكم الهيجان فتردوا بعد فوات الفوت على أعقابكم نادمين.

 

صحيفة الأيام

‏05 ‏يناير, ‏2008 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro