English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

حصاد دولة الاستقلال
القسم : عام

| |
2007-12-13 12:15:27


 

 

عرس الدم هو عنوان مسرحية كتبها شاعر إسبانيا العظيم لوركا والذي أغتاله نظام فرانكو الدكتاتوري. في عرس الدم يصور لوركا عرسا اندلسيا يتحول الى مجزرة بسبب خلاف بين أهل الزوجين. وكأنه بذلك يصور مأساة الجمهورية الأسبانية التي حولت الاكتاتورية الفرح بها الى حزن جنائزي على يد الدكتاتور فرانكو .

تصلح هذه الاستعارة لاحتفالنا بالعيد الوطني في 16 ديسمبر من كل عام، حيث حولت قوات هندرسون المناسبة الى مأساة في 17 ديسمبر 1994 عندما قمعت المظاهرات السلمية المطالبة بالدستور والحريات في منطقة السنابس وجدحفص لتسمع رأيها لزعماء مجلس التعاون المجتمعين في فندق الميرديان واستشهد أثناءها هاني خميس وهاني الوسطى برصاص قوات الأمن .

وهكذا يتحول الاحتفال بالعيد الوطني الى غصة في قلوبنا عندما نتذكر الهانيين ونتذكر عشرات الشهداء والضحايا الذين قدموا أرواحهم على مذبح النضال من اجل استقلال الوطن ثم على طريق النضال من اجل كرامة شعب البحرين وحقوقه .

اما عيد الاستقلال في 14 اغسطس، في ذكرى إنهاء المعاهدات الاسترقاقية البريطانية للبحرين ، فليست على رزنامة الدولة، وكأنها آسفة على فك ارتباطها بالأم الحنون بريطانيا، ولذى انتهت القوى الوطنية مؤخرا واحتفلت هذا العام بعيد الاستقلال

ذلك يشير الى خلاف عميق وهوة واسعة بين الحكم والشعب حول دور شعب البحرين وقواه الوطنية والديموقراطية من اجل الاستقلال، ونضاله من اجل إقامة حكم ديموقراطي حق، حيث نلاحظ تنكرا واضحا من الحكم لشعب البحرين وتضحياته .

لكن الأخطر هو تصوير هذه النضالات بأنها أعمال شغب، وتصوير المناضلين إنهم عملاء لقوى خارجية ، في حين يعرف الجميع  ان الشعب  هو الذي ضحى من اجل الاستقلال .

هيئة الاتحاد الوطني والفرصة الضائعة

لعل التسوية التي توصل إليها قادة هيئة الاتحاد الوطني مع حاكم البلاد حين إذ الشيخ سلمان بن حمد الخليفة في16 مارس 1956 بوساطة المعتمد البريطاني في الخليج السير برنارد باروز، باعتراف الحكومة بشرعية الهيئة بعد تغيير اسمها من الهيئة التنفيذية العليا الى هيئة الاتحاد الوطني، شكلت فرصة سانحة لتكاتف الحكم مع الهيئة للسير الحثيث نحو الاستقلال واقامة حكم ديموقراطي وهو ما نجحت فيه الكويت بقيادة أميرها المغفور له عبدالله السالم الصباح في  28 فبراير 1961 ، رغم ان الكويت لم تكن أكثر تأهيلا من البحرين للاستقلال . لكن الفرصة السانحة بدددت حيث انقض الإنجليز والحكم على الهيئة مستغلين احداث الاحتجاج على العدوان الثلاثي على مصر. وهكذا اعتقل قادة الهيئة وحاكمهم بلجريف ونفتهم حكومة البحرين الى سانت هيلانة في 22 ديسمبر 1956 ، وحلت الهيئة وطورد العشرات من قيادتها ، والاسواء جرى تشويه نضالاتها ونضالات شعب البحرين بوصفها غوغائية .

 

 

 

 

خيار الشعب الاستقلال ونظام حكم ديموقراطي

مر 15 عاما  من النضال شهدت انتفاضة مارس المجيدة 1965 ، وموجات من القمع والمطاردة بحق الحركة الوطنية . لكنه عندما دقت ساعة الحقيقة عض شعب البحرين على جراحه ومعاناته، وهكذا عندما انتدبت الأمم المتحدة فيتوريو جو شباردي, نائب الأمين العام للأمم المتحدة في مارس - أبريل 1970، للقيام بعملية تقصي الحقائق حول خيار شعب البحرين، أما الاستقلال في دولة عربية أو الانضمام الى إيران ، فلم يتردد شعب البحرين واجمع على خيار الاستقلال بعد ان أكد له أرباب الحكم ان عهد الاستقلال سيكون عهد الازدهار والمساواة والديموقراطية وإنهم سيحصلون على حقوقهم وأكثر . وهكذا صدق شعب البحرين حكامه، وتحقق الاستقلال، فماذا حدث؟

1.       وقعت اتفاقية جديدة مع بريطانية ووقعت اتفاقية التسهيلات العسكرية مع الولايات المتحدة مع انه لم يكن هناك حاجة إليها بعد إسقاط الادعاءات الإيرانية

2.       جرى الإبقاء على الضباط البريطانيين والأجانب والمستشارين في أجهزة الدولة وهم الذين أذاقوا شعب البحرين العذاب

3.       جرى بناء أجهزة دولة الاستقلال على قاعدة الأجهزة في ظل الحماية البريطانية وتكريس سياسة بريطانيا فرق تسد، وكرس نظام التمييز والامتيازات .

إننا لا ننكر أن نقلة مهمة قد حدثت على مختلف الصعد, فقد خرجت البحرين من ظل العباءة البريطانية, إلى فضاء الاستقلال ولكن ضمن سياق معروف. كما شهدت البلاد تطوراً في مختلف الصعد الاقتصادية والصحية والتعليمية والعمران والثقافة .

وإذا كان للدولة بعض الفضل فان الفضل الأكبر يعود لشعب البحرين النشط المتفاني والمتطور المتسامح حيث يفاخر المسؤولون دائما "بالإنسان البحريني "

 

إنتكاسة 1975

كان يمكن لتجربة دولة الاستقلال أن تتقدم رغم إعتوارها, ورغم العيوب الهيكلية في بناء الدولة الموروثة قبل الاستقلال وما بعد الاستقلال. ولنأخذ الكويت مثالاً والتي بالرغم من كل مثالبها. إلا أن الاستقلال مثل بداية مسيرة متعرجة لكنها أكثر تقدماً واستقراراً من البحرين ورغم الاجتياح والاحتلال العراقي والحرب التي شهدتها إلا إنها استعادت عافيتها وهي تنعم بنظام أميري دستوري برلماني أفضل منا بكثير .

والمهم هو أن المواطن الكويتي لا يشعر بالعوز أو الخوف ويعتز بكويتية كما ان حكامه لا يتعمدون إلحاق الأذى به أو إهانته فكرامة المواطن الكويتي عندهم خط أحمر .

من الواضح أن إصدار الدستور عام 1973م وإجراء الانتخابات النيابية وقيام المجلس الوطني هي من استحقاقات وثمرة نضال شعب البحرين منذ حركة المجلس الاستشاري في 1938. لذى فإن الانقضاض عليها في 26 أغسطس 1975 هو إنقلاب للحكم على الشعب وعلى العقد الاجتماعي غداه الاستقلال. وهل كان الحكم يتوقع أن يقبل نواب الشعب أن يضعوا أغلال قانون أمن الدولة في أعناقهم وأعناق شعبهم؟؟

 

25 سنة عجاف

لا يستطيع عاقل أن يقنعنا أن الخمس والعشرين عاماً التي تلت الانقلاب على التجربة الديمقراطية الوليدة حتى الاستفتاء على الميثاق في 14 -15 فبراير 2001م, وهي سنوات ازدهار وبناء تحققت فيها على يد الدولة الرحيمة على شعبها, رغم تجاوزاتهم وتأمرهم مع القوى الخارجية التي تريد الشر بالبحرين. إذا كان ذلك صحيحاً فلماذا إذ المشروع الإصلاحي الذي توافق جلالة الملك والشعب عليه وجرى الاستفتاء على الميثاق (وثيقة المشروع الأساسية), وتقديم الضمانات من القيادة السياسية إلى التيارات الشعبية, بأنه لا إنتقاص من الدستور ولا من حقوقهم؟؟

نعم أتيحت للبحرين عوامل ساعدتها في النهوض الاقتصادي والتقدم. ذلك يعود أولاً لمهمة ونشاط وذكاء شعبها, أما أهم تلك العوامل فهي الحرب الأهلية في لبنان التي أتاحت للبحرين أن تكون المركز المالي الإقليمي, وهذا يحسب إيجابياً لصالح الدولة. في استغلال الفرصة السانحة, كما أتاحت الفورتان النفطيتان في 1973 و 1979 تدفق عوائد النفط  الهائلة والتي وفرت للدولة مداخيل كبيرة استثمر بعضها في البنية الأساسية وغيرها, لكن الأهم هو تدفق أموال النفط الخليجية على مصارف الأفشور وإقامة مشاريع خليجية عملاقة مثل الحوض الجاف والبتروكيماويات والألمنيوم وغيرها .

هذا التطور والتقدم ليس استثناءاً بل شهدته جميع دول الخليج بما فيها سلطنة عمان والتي كانت قبل 1970 تعيش في القرون الوسطى ولننظر إلى عمان اليوم .

وعلى عكس دول الخليج الأخرى والتي لم تعاني شعوبها من القمع ولم يعاني مواطنها من الخوف والمطاردة, فقد شهدت البحرين أبشع مرحلة من القمع في ظل قانون أمن الدولة, وتسلط الأجهزة المخابراتيه والأمنية .

إنه الحصاد المر على امتداد ربع قرن, عشرات الشهداء, عشرات الألف من المعتقلين وقد حدد الصليب الأحمر الدولي عددهم في بداية 1996 بحدود 1200, ومئات المنفيين, وحالة رعب عمت المجتمع وشلت أوصاله .

ومن الثمار المرة لهذه المرحلة هو أن الطائفية والتمييز والفساد والأمتيازات غير المشروعة, أضحت من ثوابت بناء الدولة وتسييرها, وتحولت إلى مؤسسة بعد أن كانت حالات محصورة في ظل حكم الحماية .

بعد إزاحة المجلس الوطني وغياب أي رقابة, إنفلت الحكم بدون أية ضوابط. وهكذا شهدت البلاد مرحلة تميزت بما يلي .

1-       المحاصصة بين العائلة الحاكمة والمتنفذين في الطائفتين للوزارات والمناصب القيادية في الدولة والشركات العامة والمختلطة .

2-       الاستسلاء على أراضي الدولة واستخدام موارد الدولة للمشاريع الخاصة, وهكذا أضحت الأرض مثل النفط تدر ذهباً على أرباب الحكم والمتنفذين والمقربين والموالين .

3-       استغلال مواقع النفوذ في الدولة في النشاط الاقتصادي والمالي والاستثماري, بامتيازات استثنائية, بحيث تداخل المنصب العام مع الموقع الخاص, وأضحى البزنس يدار من دوائر الحكومة. لذى ظهرت طبقة جديدة من الأثرياء الجدد تزاحم البيوتات التجارية التقليدية, التي وجدت نفسها مضطرة لمشاركة هؤلاء المتنفذين من الموقع الأضعف .     

4-       حتى عهد البرلمان الحالي لم يكن يعرف كم من مداخيل النفط يذهب إلى الميزانية العامة وكم يتسرب خارجها, مما شكل مصدراً مهماً لثراء طبقة الحكام وشركائهم خصوصاً في ظل الفورات النفطية المتلاحقة .

 

انتفاضة التسعينات صحوة الشعب  

تظافرت عوامل عديدة ومنها وعي النخبة الوطنية, لكي تتلاحم قيادات وطنية ودينية من الطائفتين ومن مختلف الاتجاهات السياسية اليسارية والمحافظة لكي يتوحد الشعب مرة أخرى كما حدث في حركة الهيئة, وهكذا انطلقت العريضة النخبوية في نوفمبر 1992 ثم العريضة الشعبية في أواخر 1994 .

وهنا يطرح سؤال مهم على الحكم. أليس ما جاء في العريضتين هو ما تبناه جلالة الملك في مشروعة الإصلاح والمصالحة الوطنية رغم قصور كلاً منهما؟؟ إذا لماذا قوبل التحرك السلمي لعودة العمل بالدستور وإعادة البرلمان وإجراء انتخابات عامة بالعنف الشديد إلى حد استخدام طائرات الهيلوكبتر في رمي المواطنين بالرصاص. من الذي جر البلاد إلى حلقات لا تنتهي من العنف والاضطرابات؟؟

ولنفترض أن بعض المتظاهرين قاموا بأعمال شغب. فهل ترد حكومة مسؤولة على ذلك بعقاب شعب بأكملة وتنكل بقياداته السياسية التي سعت إلى الحوار مع الحكومة؟؟ هل يعقل أن تنشر قوة الدفاع ضد شعب أعزل؟؟

 

  ومن الذي إستعان بالقوى الخارجية؟؟ هل المعارضة التي اقامت اتصالات سياسية علنية وخصوصاً مع برلمانات المنتخبه ومنظمات حقوقية, أم هي الحكومة التي صورت كل حدث احتجاجي إلى مؤامرة وأقحمت دول مجلس التعاون فيه؟؟

 

التحقيق المستقل هو مطلبنا   

    إذا كان الحكم لا يزال مصراً على أن الحركة الوطنية الإسلامية في التسعينات وقياداتها اليوم في صدارة العمل السياسي الشرعي, متأمره مع القوى الخارجية وأنها أرتكبت جرائم بحق الدولة والوطن, فإننا نطرح أمامها خيار هيئة تحقيق مستقلة من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. إن تقارير المقررين الخاصين التابعين للجنة حقوق الإنسان والمجلي حالياً حول التعذيب والاعتقال التعسفي وحرية التعبير والتمييز, واضحة وما على الحكم إلا مراجعتها لاستخلاص النتائج .

إن الضحايا وأهاليهم وأحبتهم لا يزالون أحياء, ووقائع العسف طوال ربع قرن ومزيد لازالت شاخصة, فليسمح الحكم بقيام هيئة تحقيق وإنصاف على غرار المغرب, وهي للعلم دولة ملكية وراثية صديقة جداً لمملكة البحرين .

المشروع الإصلاحي في المراوحة

تعودنا منذ ما بعد الاستفتاء على الميثاق والذي كان يتوجب أن يكون بداية حقيقة لمشروع إصلاحي جاد, أن نسمع الشيء ونقيضة, وان نرى الفعل وعكسة .

- بشرنا بعودة العمل بدستور 1973 ثم فوجئنا بدستور إرتدادي في فبراير 2002 .

- بشرنا بقوانين تتماشى مع مرحلة الإصلاح وتوسع أفق الحريات والحقوق لتنهمر علينا حزمة القوانين التي لم تتوقف حتى اليوم وكل قانون يسلب منا ما حققناه كأمر واقع من حريات وحقوق نسبيه .

- بشرنا أن لكل مواطن بيتاً تتوافر فيه كل الخدمات, لنكتشف أن ذلك حلم مؤجل .

- بشرنا بمملكة دستورية تكون فيها السلطة نابعة من الشعب, فإذا بتغول السلطة التنفيذية يطغى, أما الشعب الأصيل فهو في طريق الاندثار ليتشكل شعب أخر جديد .

- سعر برميل النفط قارب المئة دولار, والبلايين تتدفق على خوانة الدولة, وتحول المليونيرات إلى بليونرات, والمدن الفارهة مدن الأحلام تنبت كالفطر, لكن أوضاع غالبية الشعب تزيد بؤساً البيت أصبح حلماً والوظيفة أصبحت منية .

إنه في الوقت الذي يتطلب التقدم بالمشروع الإصلاحي طي صفحة الماضي والتخفيف فيما مضى وإنصاف الضحايا, فإننا نفاجأ بمن يدين هؤلاء الضحايا ويبرئ الجلادين . 

 

ورقة قدمت في ندوة"رأي رؤساء الجمعيات السياسية في تصريحات رئيس الوزراء الاخيرة"2007/12/12 منتدى وعد السياسي الأربعاء

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro