English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

تحية لمجيد مرهون ولـ «لحبّات البذار»
القسم : عام

| |
2007-12-11 10:00:38


 

 

  نشرت صحيفة ‘’الوقت’’ أن الفنان والمناضل البحريني مجيد مرهون يرقد مريضاً في المستشفى، حيث يتلقى العناية الطبية المركزة[1]. وأضاف الخبر أن مجيد ينتمي إلى أسرة فقيرة عاشت في المنامة وإن موهبته الموسيقية التي تفتحت منذ طفولته لم تجد من يرعاها. ورغم ذلك فلقد تمكن بالاعتماد على نفسه، من تطوير تلك الموهبة. ويضيف التعريف إن ‘’حب مجيد الكبير للموسيقى دفعه إلى حد أن يقوم بتهريب آلة ‘’الهارمونيكا’’ إلى داخل السجن عندما كان معتقلا سياسيا بل تجاوز ذلك إلى تهريب مؤلفاته الموسيقية إلى خارج المعتقل ’’.

من دون أن يقصد، ظلمَ محررُ الخبر مجيدَ مرهون وظلمنا معه. فمجيد جزءٌ بارزٌ من تاريخ البحرين. بطبيعة الحال لا يختزل فردٌ تاريخ وطن لكنك تجد الوطن في سيرة حياة أفراد متميزين مثل مجيد مرهون. فلقد كان مجيد معتقلا سياسيا متميزاً عن المعتقلين العاديين من مثلي ومثل آلاف المعتقلين والمعتقلات. رغم أن كثيراً أيضاً قدموا بعض أفضل سنوات أعمارهم في سبيل بناء مستقبل وطني وديمقراطي للبحرين. لقد دخل مجيد السجن وهو في الثانية والعشرين من عمره المديد. وغادر مجيد السجن وقد قارب عمره الخمسين. أربع وعشرون عاما، قضى السنوات الأولى منها في زنزانة انفرادية مكبلاً بالسلاسل التي تربط يديه وقدميه .

يشير الخبر المنشور إلى أن التدخين هو السبب الرئيس فيما يعاني منه مجيد الآن. لستُ طبيباً ولكن أين هي آثار سنوات التعذيب والعذاب في سجن جدة؟ ويتكرر في ذهني السؤال نفسه حين أتذكر علي دويغر ومحمد نصرالله وأحمد الشملان وعبدالله مطيويع: كيف ساهم التعذيب وظروف الاعتقال المزرية في تدهور صحة هؤلاء وصحة عشرات غيرهم من الأحبة ممن أعرف ولا أعرف .

على هامش سيرة مجيد مرهون أضع فيما يأتي تلخيصاً لما كتبه المعتمد البريطاني أنتوني ديريك بارسونز بتاريخ 14 مارس/ آذار ,1966 في تقرير سري لم يفرج عنه إلا في بداية .2007 ويتناول التقرير بعض تفاصيل محاولة اغتيال تعرض لها المسؤول البريطاني عن جهاز الأمن السياسي (والتعذيب) في البحرين ومساعده الأردني[2 ].

في مساء الخامس من مارس/ آذار 1966 وبينما كان بوب لانجديل عائداً إلى بيته مع زوجته وطفلته تعرضت سيارته إلى إطلاق رصاص. ولقد شاهدت زوجته المهاجمين يعبرون الشارع ليستقلوا سيارة نقلتهم بعيداً. وعثر المحققون فيما بعد على خرطوش الرصاص المستخدم. وبتاريخ 12 مارس/ آذار فيما بين الساعة السابعة والثامنة صباحاً وبينما كان بوب لانغديل ومساعده الأردني أحمد محسن يهمان، كلٌ على حدة، بركوب سيارتيهما للذهاب إلى مقر عملهما في القلعة انفجرت السيارتان. وأصيب الضابطان إصابات خطيرة. فلقد فقد بوب ساقه كما أصيب بجروح مركبة في ساقه الأخرى وذراعه ويده. أما محسن فلقد أصيب في عموده الفقري علاوة على إصابات أخرى .

بعد تقديم تفاصيل تقنية، يشير تقرير المعتمد البريطاني إلى تأكيد الخبراء على أن الهجوميْن كانا على درجة عالية من المهارة والدقة الفنية علاوة على الجرأة. فلقد تمّ تفخيخ سيارة بوب في الظلام ودون استخدام أي نوع من الإضاءة بسبب وجود حراسة أمنية على مقربة من مرآب السيارة. ولا ينسى المعتمد أن يُؤكد في تقريره على أن العملية ‘’من تدبير عصبة منظمة تنظيماً جيداً وتدربت في خارج البحرين’’. وإنها قد تكون الخطوة الأولى على طريق شن ما سمّاه بحملة إرهابية على نمط ما يحدث في مستعمرة عدن وقتها .

يشير تقرير المعتمد البريطاني إلى بعض تداعيات تلك العملية. وأولها هو الشلل الذي أصاب جهاز الأمن السياسي برمته. فلقد أقعدت الإصابات الخطيرة بوب لانجديل وأحمد محسن. ولهذا لم يكن ممكناً حتى إجراء التحقيق في العملية نفسها. ومما فاقم الأمور هو الانهيار النفسي الذي تعرض له شقيق بوب مما أدى إلى عدم مزاولته لعمله كمحقق في جهاز الأمن السياسي. علاوة على ذلك، حسب رواية المعتمد، فلم يكن أحدٌ من ضباط أجهزة الشرطة الأخرى ليجرؤ في مثل تلك الظروف على اعتقال أيٍ من الناشطين السياسيين أو المشتبهين الأمنيين ناهيك عن التحقيق معه. وبهذا النجاح في شلّ الجهاز الأمني، يقول التقرير، فلقد حققت العملية أحد أهم أهدافها. أما ثاني تلك التداعيات فيتعلق بما أحدثته العملية من إرباكات في السلطة. ويشير التقرير هنا إلى تفاصيل لن أدخل فيها بشأن هذه الإرباكات وما ولّدته من رعب لدى بعض المسؤولين وتبادل للاتهامات فيما بينهم. أما التداعي الثالث فهو قيام المعتمد البريطاني بإعادة ترشيح إيان هندرسون لتولي قيادة جهاز الأمن السياسي .

وحسب وثائق بريطانية أخرى فمن المعلوم أن البريطانيين كانوا يضغطون باتجاه استجلاب هندرسون إلى البحرين للاستفادة من خبرته الطويلة في قمع حركة التحرر الوطني في كينيا[3] تقتيلاً وتعذيباً وتنكيلاً. ومعلومٌ أيضاً أن طرد هندرسون من كينيا المستقلة كان أحد أول قرارات الحكومة الكينية بعد أندحار الإستعمار البريطاني في العام .1964 بعد ذلك الطرد المهين سعت الحكومة البريطانية إلى الاستفادة منه في مناطق أخرى حتى أتت به إلى بلادنا. ومنذ وصوله حاول تطبيق الأساليب نفسها التي تعوّد عليها في كينيا. فنجح أحياناً لكنه فشل كثيراً فلم تندثر أغلب حبات البذار التي زرعتها أجيالٌ متعاقبة في حركتنا الوطنية[4 ].

في انتظار أن يكتب مجيد قصته لا يعرف الناس إلا بعض شذرات منها. وبعض ما هو معروف لا يفي بحق مجيد ومئات من أمثاله ممن غيروا مسار تاريخنا دون أن يمنّوا علينا أو يطالبوننا بما في رقابنا من ديونٍ لهم. بل هم ولم يشتكوا حين لم يُحسَب حسابهم عندما وُزعت ‘’التعويضات’’. أقولُ، لن تكتمل رواية تاريخ البحرين في النصف الثاني من القرن العشرين دون تضمينها قصة مجيد وكل حبات البذار الأخرى. فما لم تُكتب القصص المجهولة أو المخفية ستبقى الساحة مفتوحة لمن اعتبروا النضال الوطني حفلة يحضرونها في أوقات فراغهم، وسيبقى ذلك الجزء من تاريخنا مرتعاً لمن دخله كما دخل التاريخ بطلا فيلم ‘’إحنا بتوع الأتوبيس ’’.

 

[1] راجع: ‘’زوجته تؤكد أن التدخين هو السبب وراء تدهور صحته: مجيد مرهون يتعرض لضيق تنفس وسعال شديد’’، صحيفة ‘’الوقت’’ 6/12/.2007

[2] ضمن رسالة موجهة إلى م.س. وير، الدائرة العربية، وزارة الخارجية البريطانية. وثيقة رقم 1641/.66

[3]

[4] إشارة لأبيات الشاعر الراحل نجيب سرور :

‘’ نحن حبات البذار

نحن لا ننمو جميعا عندما يأتي الربيع

بعضنا يهلك من هول الصقيع

وتدوس البعض منا الأحذية

ويموت البعض منا في ظلام الأقبية

غير أنا كلنا لسنا نموت

نحن حبات البذار ..’’.

 

 

صحيفة الوقت

Tuesday, December 11, 2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro