English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

رثاء الرموز الكبار في عصر «السعيديزم»!
القسم : عام

| |
2007-11-29 13:09:38


 

 

 « لا أحد بإمكانه أن يعرف القدر الحقيقي للمناضلين الوطنيين الكبار إلا بعد أن يغادرونا فيرحلوا بهدوء، أو يكون ذلك فجأة من دون وعي واستئذان، فيظل الواحد منا هائماً بحيرة فيما سيملأ تلك الفجوة الغائرة الكبرى، وهي التي بها ما بها من معاني الفقدان والخسران، فكلما مسها ريح أو ماء لكأنما هي جرح يتوهج التهاباً، ومتى سيكون ذلك؟ وهل سيكون ذلك أصلاً؟ ».

 

قد يكون ذلك الصوغ هو الأكثر تعبيراً وإيجازاً لمجموع ما أتذكره من ردود فعل المناضل الوطني الكبير عبدالرحمن النعيمي بما اكتنزته من مشاعرَ وانفعالاتٍ ساخنةٍ حينما أبلغ بنبأ رحيل المناضل الوطني الكبير الشيخ عبدالأمير الجمري - رحمه الله - في يوم كأنما تجمعت فيه البرودة القارسة بشتى صنوفها، وتخثرت ثلجاً شاحباً يضني المفاصل والضلوع والدموع، ويثقل جذر القلب المفجوع! هذه البرودة فوق الحسية لكأنما لم تغادرنا أبداً، ولم يغادر شحوبها الفاتر وجه الحراك السياسي الوطني، فرحيل يتبع رحيلاً، وغياب يتلو غياباً، فبالأمس رحل عنا المناضل الوطني الكبير عبدالله فخرو صوت الحق وشمعته في «دواعيس» المحرق، ورحل عنا سنديان النضال الوطني أحمد الذوادي، والآن مر عام واحد على رحيل الشيخ الجمري وانطفاء شمعته وآهته الوطنية المديدة، وكان قد اختفى من مشهد الحراك الاجتماعي والسياسي الوطني رفيقه في تلك الأمسية المحرقية الوطنية الساحرة بمقر «جمعية الإصلاح» ألا وهو رجل الشموخ والأنفة الوطنية الشيخ عيسى بن محمد آل خليفة - حفظه الله - وغاب عن مشهدنا بفعل المرض المفاجئ المناضل الوطني الكبير عبدالرحمن النعيمي عسى أن يمن الله عليه بالشفاء ويرزقه الصحة والعافية ليعود إلى قلب الوطن وقلوب أبنائه .

 

وفي جميع حالات الرحيل والغياب والاختفاء تلك - وهي الممسوحة بالحرمان والفقد والألم - تبرز أمام الشعب المآثر والدروس والقيم الإنسانية العظيمة التي لطالما جسدتها تلك الرموز الوطنية في حضورها المتلاحم مع أبناء الشعب، ويتبيّن لنا في ذلك حجم الغياب والغيبوبة وتركتهما ومتطلباتهما لمواصلة رحلة العزيمة والصمود والشقاء الوطني! وإن كان ذلك الصوغ التمهيدي ينسب إلى أبي أمل فإني أجزم أنه قد يكون خرج من ذاك الاقتصار، وملأ مختلف آفاق التفاعل والتوارد الاجتماعي في ظل مناخ حافل بالفتور والحرمان، وربما ترى تلك الصياغات الاعتبارية قد خرجت من بين الأهل والأصدقاء والأحباب أو انبثقت عابرةً بلا مصدر ودونما قرار عسى أن تجد لها تفسيرها في حالات عامة من التشرذم والتشظي والتخبط والتقافز العشوائي الذي لا يجمعه بالضرورة انهمار وفيض بالمشاعر واختلاط للدموع .

 

وإن كان في فصول الغياب والغيبوبة التي يتركها الرموز الكبار في رحيلهم أو اختفائهم ما يفتح الجرح ويخصب الرماد، فهنالك غواية شيطانية تاريخية تختبئ بين جنبات تلك الفصول والأوراق الساهدة، فتضم إلى جوار الغياب والغيبوبة غيبة سياسية ثقيلة يمارسها المتسلقون سياسياً والمتمصلحون من أصحاب المزايدات السياسية ممن قد تجدهم الأكثر نوحاً وعويلاً وبكاءً وجلجلةً وجعجعةً في مراسم توديع الرموز الوطنية والقادة العظماء، فهم من يعتبر نفسه الورثة «الرومانسيين» و «الشعبويين» الفرادى عرفاً وشرعاً وسياسةً لهؤلاء الرموز والقادة الراحلين والغائبين والمختفين على رغم سرعة تحول هذا النواح إلى نباحٍ أسودَ في الغرف المغلقة والأزقة الضيقة !

 

فأنت تجدهم سرعان ما يلوذون بالقشور الرمزية، ويقتطفون من قطوف الأحاديث السياسية والتصريحات الخطابية للرموز الوطنية، فيضيفوا إليها من بنات أفكارهم ومن أرامل أحقادهم مقاديرَ إنشائيةً وبلاغيةً مضاعفةً؛ ليتمترسوا من خلالها بتعنت وصدود مكابر، ويسودوا عبر مختلف آليات الاتصال الجماهيري وتوظيف واستغلال الحساسيات الطائفية والإثنية المتجذرة منها أو الطارئة اجتماعياً وسياسياً في سبيل تشييد كاريزما مصطنعة تستقي من الرمز بريق الشعار من دون تكوين المعدن والمعنى، ومن دون أثر المناقب الجليلة والسلوكات الأصيلة التي تحلى بها الرمز في علاقاته المختلفة وسط محيطه الاجتماعي والسياسي بشروطه المرحلية المتفاوتة !

 

ولعل ما ساهم في تكريس هذه الظاهرة وتسويقها شعبياً وزيادة عدد «الوارثين» و «المستورثين» والمتسلقين سياسياً، والمتكلين على صناعة وتسويق المزايدات القشرية والمحاججات الجوفاء هو سيادة ثقافة تقديس تلك الرموز وتخليد ذكرها وأثرها واختصارها في جوانب جاذبية البيان والبلاغة والخطابة والإنشاء الجماهيرية وعناصر الكاريزما، بدلاً من أن يفسح المجال لمختلف القراءات المعرفية التي تبحث وتنقب موضوعياً في أصالة تلك الكاريزما المكتسبة وعوامل بنائها وتأسيسها، ولتتناول كامل الأدوار التي لعبها الرمز في المعادلات الاجتماعية والسياسية السائدة، وآليات تعامله الخلقي والسلوكي والتواصلي مع مختلف القوى والأطراف والفرقاء في الميدان الاجتماعي والسياسي، وسبل النجاح في لعب دور الوسيط المركزي بين سائر الأطراف والقوى بدلاً من الخلط في ممارسة وإطلاق الفرقعات والتقليعات والمكابرات السياسية مع زهد اجتماعي وتواصلي مع الجمهور القريب، وانعزال وانقطاع عن الآخر !

 

لو أتيح المجال لتمكين وتعزيز ذلك النمط من التدوين والاستذكار للرموز ومآثرها لنجحت خطوات تعرية الكثير من العوالق والطفيليات السياسية المسترزقة من قوة الشعار والبلاغة وتسويق المزايدات والتسلح بأدوات التخوين والتسقيط السياسي التي كثيراً ما تأتي على حساب الاستحقاق ذاته وتضر به وبالمصلحة العامة من دون أن ينال المصلحة الفردية أدنى ضرر! ولربما يتحقق التوفيق لمساعي فضح وكشف حقيقة بعض «الوارثين» و «المستورثين» للتمظهرات الرمزية لا ظاهرة الرمز، وكيف أنهم يلجأون إلى التعامل بأكثر من منطق مع الجماهير والسلطة وسائر أطراف المعادلة المهيمنة، فقد يكون هنالك منطق ربح وخسارة، ومنطق رؤية لا استشراف، ومنطق عدمي ومنطق وثني، والشاطر من يفلح في التوفيق في إدارتها جميع تلك «المنطقيات» بمنطقية من دون أن تنال منه وقائع وسقطات الجهالة والإفلاس، أو أن يستعصى عليه أن يحسم معركته الذاتية الأزلية في إدارة تناقضاته الداخلية وتجاوز العقد العصبية والهواجس المتأصلة !

 

وبناءً على ذلك لا ريب في أن يكون أعظم رثاء لرموزنا الوطنية هو أشد إدانة لـ «وارثيهم» و «مستورثيهم» الرومانسيين والشعبويين ممن يتزاحمون على الجنازات كما تتزاحم الأيادي على القصعات، فهم من صناع المزايدات والتسقيطات لا البطولات والتضحيات، ومن الملائم جداً أن يكون ذلك الرثاء والإدانة بارزين في عصر «السعيديزم» أو تنامي «الظاهرة السعيدية» التي تشمل الجميع من دون أن تصطدم بحد وحاجز طائفي أو إثني أو ثقافي، فهو عصر الافتعالات لا الأفعال، وعصر المزايدات لا التضحيات، وعصر التشكيك لا الشك، وعصر التسقيط قبل السقوط، وعصر المضاربات لا تلقي الضربات، وعصر يكون فيه البريق أقدر من المعدن، والوعاء أسود من الوعي، وعصر لا تنشق فيه عصا الإثارة عن رحى التأثير، إنه عصر ينحصر فيه النور بالنار، ويكون فيه المحامون الفاشلون والمدعون المفلسون أعلاماً وأقنعةً للقضايا والملفات الوطنية الكبرى الناجحة، وهو أسوأ حال ومآل، فأعان الله جميع الضحايا على تحمّل ذلك .

 

صحيفة الوسط

Thursday, November 29, 2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro