English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

أي حنين إلى الماضي نريد؟
القسم : عام

| |
2007-11-22 10:36:18


 

ali fakhrow.jpgبعد الهجوم الظالم على القومية العربية وتحميلها وزر ومسئوليات أخطاء قادتها السابقين واللاحقين، وبعد الاستهزاء بأهم شعاراتها، الوحدة العربية، واعتباره شعارا غير واقعي وغير عملي.. بعد كل ذلك انتقل بعضهم الى الاعتراض حتى على إيقاظ ذاكرة الأمة الجمعية لأيام تألقهما وحراك النضال من أجلهما. من هنا بدأ غمز ولمز ظاهرة الحنين إلى أي شيء من ماضيهما (أي ظاهرة ما يعرف بالنوستلجيا في أدبيات الغرب)، بل اعتبارها ظاهرة مرضية طفولية يجدر التخلص منها. لكن دعنا نتفق أولا على تعريف ومحددات ظاهرة النوستلجيا قبل الدخول في مدى مضارها أو فوائدها ان وجدت. ففي البداية

 

لم تكن كلمة النوستلجيا تعني أكثر من حنين فرد لوطنه في فترات الغربة لكن مع الزمن تبدلت لتكون ظاهرة حنين وتوق، عند الفرد وعند الجماعات على السواء، للوطن (المكان) وللماضي (الزمان) أيضا. وككل حالة ذهنية ونفسية وعاطفية في الأساس فإنها يمكن ان تخضع للمبالغة فتصبح مرضية وضارة أو تكون معتدلة ومؤقتة فتكون مصدر أخذ عبر من ذلك الماضي وحفز لتغيير الحاضر والمستقبل. إذاً فالنوستلجيا ليست ظاهرة سيئة في ذاتها وإنما في مدى بلادة وضمور حيوية الاستفادة منها. وهي لا تكون قوية الحضور إلا عندما يكون الحاضر مليئا بالإحباطات والمصائب والطرق المسدودة، كما هو حال الأمة العربية الآن. أو كما كانت عليه الأحوال في أوروبا بعد أهوال وأحزان الحرب العالمية الثانية عندما تبين زيف تطبيق قيم الحداثة ففقد الإنسان الغربي اهتماماته بحاضره القبيح وتطلع بحنين واشتياق للماضي الأجمل. إذاً فالنوستلجيا هي حالة إنسانية عامة تصيب كل البشر والمجتمعات بأشكال مختلفة وفي أوقات ملائمة وليست حالة يتميز بها العرب وحدهم كما توحي به كتابات محبي اللطم على الخدود والذين لا يرون في أي استجابات أو مواقف المجتمعات العربية إلا كل النواقص والشرور التي تستوجب احتقار شعوب هذه الأمة وعلى الأخص محاولاتها للخروج من تمزقها ومن ضعفها. اليوم يعيش الإنسان العربي حاضرا بالغ القسوة في كل تجلياته وبالغ الوضوح في أسباب تخلفه. فهذا الإنسان يعرف، حتى بالحدس، ان احتلال الاستعمار لأجزاء كبيرة من وطنه ما كان لينجح لولا استفراده بكل جزء على حدة كما فعل بالعراق مثلا. فهل يكون خطأ إيقاظ الحنين فيه الى أيام اندحار الاستعمار في الجزائر والعدوان الثلاثي على مصر بسبب دعم تضحيات الجزائريين والمصريين من قبل قوى المقاومة والتحرر العربية، وتحت راية وحدة نضال الأمة الواحدة، في وطنهم العربي الكبير؟ ألا يجدر مقارنة وحدة النضال العربي في أوج تألقها في الخمسينيات بالمنظر العربي الحالي، الرسمي والأهلي، إذ يقف الجميع متفرجين على ما يحدث في بغداد وغزة والصومال ودارفور وغيرها من الأرض العربية المستباحة؟ وإذا أوقظ حنين ذاكرة الأمة تحت شعار إحياء المشاعر القومية العروبية الوحدوية، أفيكون هذا حنينا نوستلجيا مريضا كما يدعيه البعض أم استعادة وعي يسعى كثير من قوى الخارج والداخل لتغييبه؟ ثم تحت أي شعار يمكن أن توقظ مشاعر التضامن النضالي في الشعوب العربية؟ هل يمكن لأحد ان يقترح شعارات خارج مظلة العروبة والإسلام؟ فأين العيب إذا مورست النوستلجيا لمواجهة مصائب الحاضر العربي وليس لتمجيد عبثي لإنجازات ماض ذهب ولن يعود؟ بالنسبة إلى الفرد كان عالم النفس فرويد يشدد على أن: «الخائبين هم وحدهم من لا يبدون اهتماما بماضيهم« وبالنسبة إلى الأمة كان اللورد شسترفيلد يقول: «لنتكلم عن الحاضر دون احتقاره وعن الماضي دون عبادته«. إذا مورست النوستلجيا كذاكرة محفزة للأمة، وبصرامة عقلانية معتدلة، فإنها لن تكون عملية تطهير لخطايا الحاضر من خلال استرجاع رومانسي للماضي، وإنما ستكون استعمالا للماضي بخيره وشره في سبيل تثوير خلاق للحاضر، وهذا أمر مشروع ومطلوب.

 

صحيفة أخبار الخليج

Thursday, November 22, 2007

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro