English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

استبطان القمع
القسم : عام

| |
2007-11-20 11:46:25


 

 

29blog_author100crop.jpgاعترضَ أحد الأصحاب على موقفي من «الصفقة الحيوية» التي قيل إن وراءها أحد أعضاء مجلس الشورى ،والتي تهدف إلى إنهاء إشكال قائم بشأن عددٍ من الكتب التي لم يُصّرَح بنشرها ومنها كتب نادر كاظم، محمد السواد، وعبدالله خليفة أو كتب ممنوعة من التوزيع ومنها كتب من تأليف عبدالنبي العكري أو ترجمته .

واعترض الصاحبُ اعتراضاً وجيهاً على قولي إن الرقابة هي سلاح أساسي في ترسانة القمع. ولهذا أيضاً رأى موقفي متطرفاً، لأنني لم أنظر إلى الصفقة باعتبارها حلاً لإحدى المشكلات المتراكمة التي لا يمكن إزالتها دفعة واحدة، بل لابد من اللجوء إلى النفس الطويل. وهنا تكررت عبارات سمعتُها كثيراً منذ أن جفّ حبرُ التصويت على ميثاق العمل الوطني في العام ,2001 بل إن بعضها يعود إلى قبل ذلك بثلاثين سنة .

من حيث المبدأ، لابد من القول إن القبول بتدخل الدولة الرقابي على المنتوج الفكري هو انتهاك للشرعة الدولية لحقوق الإنسان. ومعلومٌ أن المادة 19 من تلك الشرعة تقرر حقوق وحريات عدة أساسية ومتداخلة؛ أولها «الحق في حرية الرأي والتعبير». والثاني «الحق في حرية اعتناق الآراء من دون أي تدخل». والثالث هو الحق في «استقاء الأنباء والأفكار وتلّقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت من دون تقيد بالحدود الجغرافية ».

حين أشيرُ إلى أن الرقابة هي جزء أساسي في ترسانة القمع التي تضمن استقرار ودوام ممارسة السلطة لا ينحصر المقصود في تلك الرقابة المسبقة المباشرة التي تقوم بها أجهزة الأمن وردائفها في الوزارات ودوائر الدولة الأخرى. فهذه الأجهزة الرقابية على جبروتها لا تشكل إلا جزءاً، وإن كان أساسياً ولازماً، من ترسانة القمع. ومعلومٌ أن هذه الأجهزة لا تستطيع مراقبة كل شيء مراقبةً مسبقة ومباشرة. فلا يتوافر، في البحرين مثلاً، لوزارتيْ الإعلام والداخلية العدد المطلوب من الموظفين لمراقبة، ناهيك عن استيعاب، كل ما يُستورد من كتب ودوريات وصحف، إضافة إلى كمٍ هائل من المنتجات الأخرى من قبيل الأشرطة المرئية والسمعية التي تمر عبر الموانئ والمطارات. ولقد أضافت الثورة المعلوماتية والتقنية منتجات أخرى لا تعير الحدود اهتماماً حين تستخدم الفضاء الإلكتروني على اتساعه وتنوع أدواته .

من جهة أخرى، فإن قدرات هذه الأجهزة الرقابية وفاعليتها تتأثران بعوامل كثيرة بما فيها خلفيات القائمين على تلك الأجهزة وتركيبهم النفسي والثقافي وانتماءاتهم الاجتماعية. ومعلومٌ أن بعض المراقبين لم يتحصلوا على درجة التعليم والتأهيل اللازميْن لإنجاز رقابة فعالة وسلسة. وبطبيعة الحال تتأثر إجراءات الرقابة بتقلبات المزاج السياسي في قمة السلطة علاوة على فترات «الاسترخاء» الأمني والسياسي الدورية التي تصيب كل نظام مهما كان متشدداً. ولقد خبرتُ شخصياً أهمية الالتفات لفترات الاسترخاء ومحاولة الاستفادة منها. ولعل بعض الناس يتذكر كيف استطاعت مكتبة «النجمة» في مطلع العام 1974 أن توفر للناس من الكتب اليسارية ما كان يحتاج إلى سنوات لتمريره على أجهزة الرقابة في الإعلام والداخلية والجمارك .

ما هو أهم من الرقابة والقمع المباشر هو تداعياتهما. وأهم هذه التداعيات هو استبطانهما عبر التسليم بالأمر الواقع وعدم الرغبة في مقاومته. ويرتبط بذلك اتهام من يرفض التسليم بالواقع بالتهور وعدم فهم معطيات الواقع، ناهيك عن اتهامهم، بحسب أسطوانة مشروخة، بالعمى، بحيث لا يروْن نصف الكأس المليان. ويندرج ضمن هذه التداعيات ترويض النخب بإذلال بعضها وكسْر أعين بعضها الآخر وتخويف الناس وتثبيت الحذر من الآخرين، بحيث لا ترى هذه النخب ولا الناس أن من المجدي أن تنخرط في المساعي والدعوات المبذولة لبناء دولة المؤسسات .

أحتاج هنا إلى إعادة التأكيد أن أهمية الرقابة لا تنحصر في الموضوعات التي تغطيها، بل تكمن في تسليم الناس بحق السلطة في ممارسة الرقابة وما يرتبط بها من منع وتحريم وتجريم. ولهذا لا تحصر السلطة رقابتها في الإبداع الذي يتعرض إلى تلك الأمور «الكبيرة» من قبيل الجنس والدين والسياسة، بل هي تسعى إلى أن تكون رقابتها شاملة لكل تفاصيل الحياة بما في ذلك استخدام مفردات اللغة. ولعل أقرب مثال على ذلك قرار منع مناقشة ما صار يعرف بتوصيفات مختلفة من قبيل «التقرير المثير». (يصعب عليّ الآن أن أصل إلى نص قرار المنع وتاريخ صدوره ومدة سريانه، وهل هي أشهر أو سنوات أم هي مدة ممتدة إلى أن يقضي الله أمره؟ ).

لا تنحصر مظاهر استبطان القمع في صمت أصحاب الرأي المكتوب بمن فيهم صاحب التوقيع ولا رؤساء تحرير الصحف ورؤساء الجمعيات السياسية. فبين هؤلاء من يخشى سيف المحاكم، ناهيك عن التوقيف الاحتياطي لأسابيع عدة قبل الإحالة إلى القضاء كما حدث لأكثر من صاحب رأي في السنوات الأخيرة. ما يثير العجب هو أن استبطان القمع قد أصاب النواب المنتخبين رغم معرفتهم أن الحصانة البرلمانية تحميهم من عقوبات قد تطال المواطنين العاديين. ولا تنحصر مظاهر استبطان القمع لدى النواب في التقرير «اللي ما يتسماش»، بل نراها في مجالات عدة. فبعضهم يتشاتم بأعلى الأصوات مستخدمين الكلمات النابية. ولقد رأينا بعضهم يتحدثون بأعلى أصواتهم عن الفساد وضرورة مواجهته ناهيك عن إزالته. ولكننا لم نرَ أحداً من نوابنا لا في مجلس 2002 ولا في المجلس الحالي يتجاسر على تسمية فاسدٍ واحدٍ .

أقول، إنه استبطان القمع الذي يجعلنا لا نتجرأ على تسمية «التقرير اللي ما يتسماش» باسمه الصحيح علناً ولا على تسمية صاحبه، ناهيك عن مضمونه. واستبطان القمع الذي يجعلنا نتلفت يميناً وشمالاً حتى لو كان أحدنا نائباً منتخباً يتمتع، نظرياً، بحصانة لم يحاول أن يختبر حدودها. وهو استبطان لا يقلل منه، بل يعززه أننا نتداول التقرير خفية ونتناقش فيما بيننا في مضمونه ومرامي الخطط التي يشير إليها. وهو استبطان القمع الذي يعطي السلطة حقاً حصرياً في تحديد ما يُطرح أو لا يُطرح للنقاش في المجال العام. وهو نفسه استبطان القمع الذي يجعل «الصفقات الحيوية» على أنواعها تبدو في أعين بعضنا مكسباً ونصراً مؤزراً .

 

صحفية الوقت

Tuesday, November 20, 2007 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro