English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

اخــضرار الفـلســفـة
القسم : عام

| |
2007-11-10 13:24:46



قيل بان دور الفلسفة قد انتهى في عصرنا المعولم الراهن، وذلك بعد سيطرة المال والشركات عابرة القارات وسرعة الاكتشافات العلمية الجديدة التقنية منها على وجه الخصوص، وهيمنة ثقافة الميديا والاستهلاك والشفاهية والمعرفة المسموعة والمرئية بديلا عن الكتاب.
كما قيل بان الفلسفة والنظريات الكبرى تراجعت عن التاثير والانتشار بعد سقوط المعسكر الاشتراكي وتجلياته في انحسار الايديولوجيات المعتمدة على الفلسفات الماركسية والمادية الاخرى.
ومقارنة بالمراحل التاريخية السابقة فلقد كانت العلاقة جدلية وواضحة بين الاكتشافات العلمية الكبرى وتأصيل نتائجها الفكرية عبر تجديد مفاهيم فلسفية ومغايرة عن السائدة.
فعلى سبيل المثال تغيرت مفاهيم فلسفية كانت مقدسة بعد انهيار نظريات علمية كانت بمثابة يقينيات اعتمدت عليها المسيحية والكنيسة كنظرية مركزية الارض فاذا بالاكتشاف الجديد يؤكد بان الارض مجرد كوكب صغير في فضاء من ملايين المجرات والمجموعات الشمسية، فاذا بالفلسفة تنقلب في ضوء هذا الاكتشاف ليتحول الاهتمام للانسان ككائن والمجتمع كمشكلات والطبيعة كظواهر قابلة لتفسير غموضها.
وببروز نظرية النشوء والارتقاء الداروينية برزت مفاهيم فلسفية جديدة اخذت تنتشر في الفلسفات المثالية منها والمادية لتؤكد ان ظاهرات الحياة في تغير وتطور دائمين وكذلك الافكار.
وبقبول مدارس علم النفس لتفسيرات فرويد ونشوء فرع جديد سمي بعلم النفس اللاشعوري حيث المكبوت والانا والهو واللاارادية اخذت الفلسفة تهتم وتطرح مفاهيم متعلقة ببنية الانسان وآليات تفكيره وسلوكياته واخلاقياته المرتبطة ليست بالايمانيات السماوية وانما باعماق الانسان النفسية والشعورية.
وباكتشاف النظرية النسبية لانشتاين وتراجع المفهوم الاستاتيكي في العلوم قفزت الفلسفة قفزات كبيرة في مفاهيمها لتبرز نسبية الحقائق والمفاهيم والاخلاق والنظرة للحياة والوجود وبالتالي انهيار اليقينيات المطلقة.
هذه هي نتائج الاكتشافات العلمية الكبرى فلسفيا، والاعتقاد الذي ساد بعد هذه المراحل بانه لم تعد هناك علاقة مباشرة بين الاكتشافات العلمية الجديدة الراهنة وبين التحولات في المفاهيم الفلسفية. غير ان الملاحظ بان الفلسفة المعاصرة قد بدأت تلتقط  نتائج العلوم الجديدة ، فها هي الفلسفة الانثوية والفلسفة البيئية وغيرها.
في هذا المقام فان كتاب الفلسفة البيئية الصادر عن عالم المعرفة بالكويت يكشف هذا الجديد حيث ينحاز التحليل صوب ربط الفلسفة بالايكولوجيا - أي علم البيئة - لدرجة اصبحت دلالة الاخضر كرمز للبيئة مرتبطة بالفلسفة الانسانية الحداثية، فاصبح هناك اخضرار الفلسفة واخضرار العلوم بحيث تم تلوين العلوم الطبيعية بالمفاهيم والافكار المستعارة من الايكولوجيا، وكذلك اخضرار الدراسات الانسانية وعلم السياسة والعلاقات الدولية والقانون.
تأسست في ضوء ذلك فروع وتخصصات جديدة كالكيمياء البيئية والزراعة الحيوية والهندسة البيئية والابنية الخضراء وعلم النفس البيئي والاقتصاد البيئي والتاريخ البيئي والدراسات اللاهوتية الايكلوجية والنقد الايكلوجي والاخلاق البيئية وغيرها.
ان جوهر الفلسفة الخضراء لا يكتفي بالنقد لما هو كائن بل لتأسيس مشروع  لحضارة جديدة لوجودنا في العالم وعلى هذا الكوكب بالذات، مشروع حضاري اساسه التناغم والصداقة مع البيئة في كل مناحي الحياة.
ورغم ان حكومات هذا الكوكب وهي تغرق ذاتها في استقطاب الاستثمارات الاقتصادية لا تتعاطف فعليا مع البيئة وتنحاز لسياسات هذه الاشتثمارات التي لا تراعي حماية البيئة بل تدميرها وتلوثها والقضاء على غابات وجزر وانهار وسواحل وبحار وحيوانات كوكبنا، وتعتبر الفلسفة البيئية مجرد ترف فكري. الا ان مناصري هذا التيار الانساني الصديق للطبيعة يناضلون باخلاص لربط مصير الجنس البشري باكمله بجوهر هذه الفلسفة، حيث يؤمنون بان الازمات والكوارث لا تصيب مجتمع محدد او طبقة من طبقاته او طائفة او فئة دون الاخرى، وانما اثار ممارسات اعداء الطبيعة سوف تصيب الجميع بما فيهم من يمارسون تدمير البيئة انفسهم.
ومن هنا فان الفلسفة الخضراء هي فلسفة كونية تتطلب تضافر جميع الايديولوجيات والمنظورات الفكرية الوضعية والدينية في اطار بناء نظرة جديدة الى العالم تحتضن جميع الوان الفكر والاديان لمواجهة العولمة المتوحشة لغول المال.
واذا كانت الفلسفات الانسانية بعموميتها تحمل هاجس تقدم البشرية، فان الفلسفة الخضراء هذه هي الحاضنة النقية لجوهر التقدم الذي ينشده الانسان، ورائدة في النقد لمفهوم التقدم الذي تسير عليه الحضارة الصناعية الراهنة.

 

الأيام، Saturday, November 10, 2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro