English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

عقـبة البحــرين
القسم : عام

| |
2007-11-06 10:08:59


 

29blog_author100crop.jpg

 

في تقديمه لكتابه الأخير عن انتفاضة التسعينات يحدد علي ربيعة رسالتين يطمح أن ينجح كتابه في إيصالها[1]؛ الأولى هي التحذير من الوقوع في براثن الطائفية والدخول في الصراع والاقتتال الطائفي بحسب المخطط الذي وثقه التقرير «اللي ما يتسماش». والثانية أن المستقبل السياسي والديمقراطي للبحرين لا يمكن صناعته إلا عن طريق الوحدة الوطنية، وهذا ما دللت عليه وأثبتته التجارب النضالية التي خاضها شعب البحرين منذ الخمسينات. ولذا، يقول ربيعة، بات واجباً تغليب الولاء للوطن على الولاء للطائفة رغم الشوط الكبير الذي قطعه المشروع الطائفي حتى الآن .

بعد انتشار خبر توقيع كتلتْي «الأصالة» و«الوفاق» على اتفاق تعاون بينهما، ظن كثيرون أن الرسالتيْن اللتيْن أراد أبوثائر إيصالهما قد وصلتا رغم أن الكتاب نفسه غير متاح للتداول في البحرين. فهاهما الكتلتان الكُبريان اللتان تمثلان أغلب الناخبين السنة وأغلب الناخبين الشيعة قد اتفقتا على تجاوز مرحلة المناكفة الطائفية بهدف تغليب ما يريان فيه مصلحة الوطن ككل لا طائفة بعينها. وبطبيعة الحال لم يكن الاستبشار مستغرباً فلقد مل الناس من المناكفات بين النواب في قاعة البرلمان وخارجه .

جلس النائبان إبراهيم بوصندل وخليل المرزوق فتواثقا واتفقا على ألا يخذل أحدهما الآخر حتى ظُنَّ أنهما تبايعا بيعة العقبة الأولى. وكان عربون هذا التواثق أن باعت كتلة الوفاق وزيراً مقابل وزير ستبيعه لها كتلة الأصالة. ولا تهم الإشارة هنا إلى ما نعرفه من أفضال كثيرة للوزير حسن فخرو على بعض وجهاء جمعية الوفاق ونوابها، إلا أن للمصلحة أحكاماً. ولن يفوت المشايخ توليف حيلة شرعية تبرر هذه الفعلة. وهنا يشار إلى تسرع أحكام بعض المراقبين الذين أبدوا خشيتهم من أن يجعل مجلس النواب من الوزير فخرو مجرد «كبش فداء»، بينما يترك «كبار المتورطين في الفساد يسرحون ويمرحون»، بحسب تعبير جرئ لأحد الإخوة رغم أنه لم يسمّ أحداً من هؤلاء الفاسدين الكبار[2 ].

لم تكن جلسة النائبين جلسة أنس حتى نشك في أن أحدهما غشّ الآخر ودس له الوثيقة فوقعها وهو لا يدري. فما جلس النائبان إلا بتخويل من كتلتيهما اللتيْن ظنتا أنهما بهذا التواثق ستضمنان الفوز بجنة المجلس. فما يجتمع باتفاق الكتلتيْن من أصوات نيابية سيضمن ألا تعوق ما ستقترحه كلٌ منهما من قوانين وما تنويانه من استجوابات، ناهيك عن مشروعات سكن وزيادة رواتب وغيرها من إنجازات تُحسب للنواب في الآخرة كما سيحسبها الناخبون لهم في الانتخابات المقبلة. أقول هذا من دون أن أستبعد، والله العالم، إن كلاً من النائبين وهما يتواثقان كان يرى في نفسه دهاء عمرو بن العاص ويرجو لصاحبه طيبة قلب أبي موسى الأشعري إن لم نقل سذاجته .

في ظروفٍ أخرى غير التي تمر بها البحرين ما كان لاتفاق بين كتلتيْن أن يثير ما أثاره الاتفاق الأخير من تعليقات متضاربة. ولقد رأينا من بين هذه التعليقات ما يعتبره «نصراً مؤزراً» بحسب بعض مؤيدي الوفاق الذين يتطلعون إلى استجواب الوزير أحمد عطية الله آل خليفة. وكذلك رأينا من اعتبره «مخيباً للآمال الشعبية[3 ]».

مشكلة النائبين بوصندل والمرزوق تكمن في أنهما أخذا بظواهر الأمور. ولا غرابة أن يفعل النائبان ذلك. فبعد التصويت على الميثاق وبعد مرور خمس سنوات من عمر الدستور الجديد، وبعد أن عَبَرَت أغلب المعارضة من موقف المقاطعة إلى موقف المشاركة لا يبدو مستغرباً أن يتخيل النائبان أن أحوال البلاد قد تغيرت عما كانت عليه في العقود التي سبقت التصويت على الميثاق وتحول أغلب المعارضة إلى معسكر الموالاة. ولهذا لا أرى سبباً لتوجيه اللوم للنائبيْن أو اتهام أيٍ منهما بالتسرع، ناهيك عن الغدر والعياذ بالله. فهما لا يختلفان عن كثيرين من أبناء شعبنا البسطاء ممن ظنوا أنهم وصلوا إلى محطتهم النهائية قبل أن يتحرك القطار خارج محطة انطلاقه. ولقد رأينا منذ العام 2001 كيف احتدم الجدال بين القائلين والقائلات بفراغ نصف الكأس أو نصف امتلائه. حينها خدع البصرُ البصيرة فلمْ يتوقف كثيرون للتدقيق فيما يحتويه الكأس واختبار مدى صلاحيته لإرواء الظمأ .

مشكلة النائبين بوصندل والمرزوق تكمن أيضاً في أنهما لم يستوعبا أن ما تغير هو شكل العلاقة بين الحكم والناس وليس جوهر العلاقة. حقاً لقد تغيرت البلاد كثيراً. إلا أن تلك التغيرات لم تؤثر فيما أسمّيه «التشطير العمودي للمجتمع» الذي يستفيد منه الطرفان المهيمنان على هرميْ السلطة والمجتمع. ولهذا نراهما حتى في أشد حالات التنافس فيما بينهما يحمي أحدهما الآخر لعلمهما أن بقاء أيٍ منهما مرهون ببقاء الآخر. لهذا يستمر منع تخطي الجدران غير المنظورة المقامة بين الناس وتمنع التواصل الفعلي بينهم. ولهذا مازال ممنوعاً أن تتحرك الناس خارج الأطر المسموحة لكل تعاضدية ينتمون إليها .

لقد وُلد اتفاق النائبيْن بوصندل والمرزوق ميْتاً لأن كتلتيهما لا ترغبان في مساءلة التشطير العمودي، ناهيك عن التصدي له. ومن دون الرغبة في مواجهة استراتيجية التشطير لم يكن ثمة أمل أن يعيش اتفاقهما أكثر من تلك الساعات التي عاشها. على أية حال، يُعَّلمنا موت اتفاقهما أن المستفيدين من تشطير المجتمع ليسوا على استعداد حتى لقبول تعاون مؤقت بين ممثلي التعاضديات. وحتى لو انحصرت أقصى نتائج ذلك التعاون في حدود رمزية مثل استجواب وزير هنا أو هناك .

مازال الطريق طويلاً قبل وصول الرسالتيْن التي أراد كتاب علي ربيعة توصيلها إلى الناس، خصوصاً نخبهم السياسية. ومازالت ثمة حاجة للتحذير من الصراع الطائفي الذي تتوضح بعض ملامحه في التقرير «اللي ما يتسماش». ومازالت ثمة حاجة للتذكير بما اكتشفه المغفور له عبدالرحمن الباكر وغيره من قادة الهيئة في الخمسينات من أنه لا يمكن صناعة المستقبل السياسي والديمقراطي للبحرين إلا بالوحدة الوطنية وعبر إنجاز بناء الدولة التي تحتضن جميع أبنائها وبناتها وتوفر لهم جميعاً أسباب الولاء لها .

 

الهوامش :

[1] علي قاسم ربيعة «لجنة العريضة الشعبية في مسار النضال الوطني في البحرين». دار الكنوز الأدبية، بيروت ,2007 ص .12

[2] حيدر محمد «مراقبون يخشون تكرار سيناريو حفاظ ويحذرون من الكيدية». «حسن فخرو مهندس البحرين الجديدة.. هل يصبح قربان الفداء؟»، «الوسط» 1 نوفمبر/ تشرين الثاني .2007

[3] انظر: «بهزاد: الأدوات الرقابية لخدمة قضايا الشعب والوطن وليس لأجندة التيارات«، «الوقت» 2 نوفمبر/ تشرين الثاني .2007

 

- كاتب بحريني - أستاذ علم الاجتماع في جامعة (لوند) - السويد

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro